وجدت “القوات اللبنانية” نفسها وحيدة في مجلس الوزراء تتصدى لمنطق التلزيم بالتراضي في إصدار البطاقات البيومترية والذي وافقت عليه كل المكونات الحكومية باستثناء “القوات” بحجة ضيق الوقت وعلى قاعدة “إما السير بالعقد الرضائي أو تلغى البطاقات البيومترية من أساسها”، الأمر الذي شكل مخالفة لقانون المحاسبة العمومية ولكل مبدأ الشفافية في المال العام وممارسة الشأن العام.
وقد أظهرت “القوات” من خلال موقفها الرافض بشدة العقد الرضائي انها لا تستهدف “التيار الوطني الحر” في مسألة الكهرباء، وان موقفها يتصل بمقاربة مبدئية للشأن العام تبدي فيها المعايير القانونية والشفافية على كل الاعتبارات الأخرى.
و”القوات” منسجمة مع نفسها فلا يمكن ان تكون مع إحالة ملف الكهرباء على إدارة المناقصات وضد إحالة البطاقة البيومترية على إدارة المناقصات، فالإحالة يجب ان تكون القاعدة لا الاستثناء، والقانون يجب ان يكون الحكم والفيصل، واي تجاوز في قضية يفتح الباب أمام تجاوزات أخرى، فضلا عن ان التجاوز يفقد أصحابه صدقية موقفهم في الكهرباء وغيرها.
وكيف يمكن للناس ان تستعيد ثقتها بالحكم في ظل سياسات متناقضة، خصوصا ان التلزيم بالتراضي يفتح باب التأويلات والتساؤلات ولا مصلحة بذلك حرصا على سمعة الحكومة وصدقيتها ودورها؟
فـ”القوات” لن تقبل لا اليوم ولا غدا بتجاوز القوانين المرعية، ولن تقبل بأي شيء إلا وفقا للإجراءات والآليات المؤسساتية. وأما لجهة عامل الوقت، فلا بأس باعتماد بطاقة الهوية الحالية وترحّل البطاقة البيومترية إلى الانتخابات المقبلة، سيما ان البطاقة الأخيرة تستخدم للمرة الأولى ولن تكون نهاية الحياة في حال استخدمت في الاستحقاق النيابي في العام 2022، لأن الأولوية هي لتطبيق المعايير القانونية.
فلا يمكن تحت أي ذريعة تجاوز القانون، وما حصل مؤسف للغاية، و”القوات” لم تكن تتصور أن مسألة من هذا النوع يمكن تقطيعها وكأن شيئا لم يكن، وستبقى بالمرصاد لكل التجاوزات، وإذا لم ينجح اعتراضها اليوم في قطع الطريق على هذا التجاوز المفضوح، فإنها ستنجح غدا بالتأكيد، لأن الرأي العام سيحاسب من وافق وسهل وغض النظر، خصوصا انها نجحت في ملفات أخرى، وبالتالي لن تسكت ولن تستكين وصولا إلى ممارسة سياسية تستظل الدستور حصرا.