#adsense

من معركة الجرود إلى معركة الحدود…

حجم الخط

 

كتب نجم الهاشم في مجلة “المسيرة” العدد – 1629:

يريد البعض أن يبقى الجيش اللبناني تحت الوصاية وكأن عهد الوصاية لم ينتهِ في العام 2005 بانتفاضة 14 آذار وخروج جيش النظام السوري من لبنان. هذا البعض يرفض أن يكون الجيش سيد قراره وأن يكون جيشاً مقاتلاً قادرًا على تنفيذ القرارات السياسية السيادية كما حصل في جرود القاع وراس بعلبك ويتمنى أن يبقى هذا الجيش دائرًا في محور «الممانعة» وكأنه فصيل من فصائل «المقاومة» وأي محاولة لـ»تحرير» قراره تكون عرضة للتشكيك والتخوين. من هذه الزاوية يمكن فهم اقتناص النصر الذي حققه الجيش في معارك الجرود والحؤول دون الإحتفال به وتسليط الضوء سلبًا على تثبيت انتشاره عند الحدود لأن هذا الإنتشار يأتي حكمًا تحت طائلة تنفيذ القرارات الدولية: 1559 و1680 و1701 التي ترسم حدود السيادة اللبنانية وحدود سيادة الجيش اللبناني.

 

في 18 أيار 2006 صدر القرار 1680 عن مجلس الأمن الدولي بعد سلسلة عمليات اغتيال استهدفت قيادات من 14 آذار وبعد جلسات عدة للحوار الوطني كان يشارك فيها «حزب الله» بشخص أمينه العام السيد حسن نصرالله وتناولت مسألة نزع السلاح الفلسطيني من خارج المخيمات تطبيقاً للقرار 1669 الذي طلب نزع سلاح الميليشيات ومن ضمنها سلاح «حزب الله» بالإضافة إلى سحب الجيش السوري من لبنان.

هذا القرار كان من ضمن سلسلة القرارات التي هدفت إلى إعادة لبنان كياناً مستقلاً وقد ورد فيه ما يلي:

– يدعو مجلس الأمن مرّة أخرى إلى التطبيق الكامل لكلّ مقتضيات القرار 1559.

– يشجّع الحكومة السورية بقوّة على التجاوب مع مطلب الحكومة اللبنانية الداعي، تماشياً مع الاتّفاقات التي جرى التوصّل إليها في الحوار الوطني اللبناني، إلى تحديد الحدود المشتركة بين البلدين ولا سيّما في المناطق ذات الحدود الملتبسة أو المتنازع عليها، وإلى إقامة علاقات ديبلوماسية كاملة وتمثيل ديبلوماسي كامل بين البلدين، مع الإشارة إلى أنّ من شأن هذه الإجراءات أن تشكِّل خطوة مهمّة نحو تأكيد سيادة لبنان وسلامته الإقليمية واستقلاله السياسي، وتحسين العلاقات بين البلدين، ما يُقدِّم مساهمة إيجابية للاستقرار في المنطقة، ويحضّ الطرفَين على بذل جهود من خلال مزيد من الحوار الثنائي من أجل تحقيق هذه الغاية، آخذين في الاعتبار أن إقامة علاقات ديبلوماسية بين الدول وإنشاء بعثات ديبلوماسية دائمة يتمّان من خلال الموافقة المتبادلة…

في ذلك التاريخ رفض النظام السوري مع «حزب الله» القرار الجديد واعتبروا أنه مقدمة للفصل بين لبنان وسوريا وقطع طرق التواصل بين النظام والحزب وهددوا بأنه في حال إرسال مراقبين للبدء بترسيم الحدود فإن هذا الأمر يعتبر بمثابة إعلان حرب. هذا القرار كان في العام 2006 قبل شهرين من حرب تموز وهو يبقى ساري المفعول حتى يتم تطبيقه وقد أتى القرار 1701 الذي أنهى الأعمال العسكرية بعد تلك الحرب ليؤكد عليه وعلى القرار 1559 ويثبت دور الدولة اللبنانية من خلال الإستعانة بالقوات الدولية لاستعادة سيادتها الكاملة على كل أراضيها ومراقبة موانئها البحرية والبرية والجوية.

لا يحكي القرار عن نظام محدد في سوريا بل عن الدولة السورية وهو يبقى ساري المفعول تجاه أي نظام جديد سيطبق في هذه الدولة وبعد معركة الجرود أصبح من الواجب الإنتقال إلى معركة الحدود على الأقل من الجانب اللبناني لتكون هناك مراكز ثابتة للجيش اللبناني على طول هذه الحدود بانتظار أن يتم تثبيت هذه الحدود مع أي سلطة سورية تنشأ بعد ولادة النظام الجديد الذي سيكون مختلفاً كلياً عن النظام السابق الذي أصبح من الماضي.

أثبتت معركة الجرود أن «حزب الله» لا يريد أن يكون الجيش اللبناني سيد قراره. ولذلك يتم التشكيك اليوم بما يقوم به هذا الجيش على الحدود خصوصًا في ما يتعلق بالدعم البريطاني والأميركي الذي يتلقاه لإقامة المزيد من أبراج المراقبة على طول الحدود الشرقية. التشكيك يتناول مسألة أن الجيش اللبناني على هذه الحدود يجب أن يكون على شاكلة الهجانة السورية ويمنع فقط عمليات تهريب المازوت مثلا أو البضائع وأن لا يكون جيشاً مقاتلاً بوحدات خاصة وأن لا يتحول إلى قوة فصل بين لبنان وسوريا وبالتالي بين سوريا و»حزب الله» لما يعتبره الحزب والنظام السوري معًا أنه استكمال لعملية الفصل التي بدأت في العام 2004 مع القرار 1559.

يعتقد «حزب الله» والنظام في سوريا أنهما يديران اللعبة والحرب ويتحكمان بنتائجهما ويصنعان الإنتصارات. ولكن حجم التغيير والصراع يعني حكمًا أن اللعبة هي التي تدير الحزب والنظام وتتحكم بهما وتحدد أدوارهما. وبالتالي فإن دور الجيش اللبناني هو الثابت وأدوار «حزب الله» والنظام السوري هي المتحركة على قاعدة ثابتة ومستمرة وهي تطبيق القرارات الدولية واستعادة لبنان لسيادته الكاملة من ضمن النظام الدولي الجديد الذي يرسم في الشرق الأوسط. وفي النتيجة على الحزب والنظام أن ينصاعا إلى القرارات الدولية أو أن يدفعا ثمن مواجهتها كما دفعا ثمن مواجهة القرار 1559. وفي كل الصورة المكوّنة عن هذه القرارات يبقى الجيش اللبناني هو الوحيد المخوّل حماية لبنان.

هذه الصورة هي عكس ما كان في العام 1975 مثلاً. قبل اندلاع الحرب اللبنانية كان من المسلّم به أن الجيش اللبناني لن يكون قادرًا على منع الحرب ولذلك كانت «القوات اللبنانية» وكان انقسام هذا الجيش جيوشا طائفية ومذهبية. وفي تلك المرحلة كانت الأبواب مفتوحة أمام «الدور السوري» في لبنان، أما اليوم فإن الأبواب تقفل أمام هذا الدور. وإذا كان النظام الدولي الذي قام بعد الحرب العالمية الأولى هو الذي وضع خارطة لبنان الكبير دولة وشعباً وكياناً وجيشاً ومؤسسات، فإن هذا النظام هو الذي سيثبت اليوم هذه الحدود خارج إطار ثلاثية الجيش والشعب والمقاومة التي يريد «حزب الله» تثبيتها. وهذا التثبيت لا يمكن أن يستمر إلا من خلال استمرار مصادرة قرار الدولة والجيش والحرب والسلم.

ومن ضمن هذه الصورة لا يبدو أن هناك أي جهة لبنانية داخلية تريد الدخول في صراع مع «حزب الله»، ولا يبدو أيضًا أن هناك أي توجه دولي لخلق مثل هذا النوع من الصراع. فالقرار 1559 مثلاً فرض خروج الجيش السوري من لبنان وترك أمر «حزب الله» وسلاحه للحوار الداخلي وللمرحلة التي يحين فيها اتخاذ قرار دولي بتطبيق هذا القرار. وقد كان لسلاح الحزب دور كبير في الصراع في سوريا وعندما يحين موعد حسم الصراع هناك وبناء النظام الجديد سيكون على الحزب أن يواجه مرحلة الخيارات الصعبة تمامًا كما واجهت منظمة التحرير الفلسطينية خيار الإنسحاب من لبنان في العام 1982، وكما انصاع بشار الأسد لقرار الإنسحاب من لبنان في العام 2005. فالشرق الأوسط الجديد الذي يولد من رحم المعاناة هو تطوير للشرق الأوسط القديم الذي كان منذ بداية العشرينات. صحيح أن لا تغيير في حدود الدول ولكن هناك تغييرات في الأنظمة. والمعركة الدائرة اليوم في سوريا هي معركة تفكيك النظام من دون تفكيك الدولة، بينما الواقع الثابت في لبنان هو تثبيت الدولة والنظام معًا وتطوير مسألة التوازن الداخلي والمشاركة على قاعدة تأمين الحدود اللبنانية الكاملة والتأكيد على دور الجيش اللبناني. ومن هنا أهمية مسألة تثبيت الحدود التي رسمها الإنتداب الفرنسي لدولة لبنان الكبير والتي فصلت بينه وبين سوريا. هذا الفصل يجب أن يكون هو القاعدة وأن تسقط معه كل قاعدة أخرى تريد أن تبقي الحدود فالتة ومفتوحة وكأنها غير موجودة للقول إن الدولة اللبنانية غير موجودة.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

­

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل