أطلت فزاعة التوطين مجددا ولكن هذه المرة من نيويورك وفي تفسير غير دقيق لكلمة الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة. ولكن في معزل عما إذا كان كلام ترامب يحمل تأويلا أم لا، فحسنا فعل الرئيس نبيه بري عبر إعادة التذكير بمقدمة الدستور التي تنص صراحة ان “لا توطين ولا تجزئة ولا تقسيم”، وحسنا فعل الرئيس سعد الحريري بقوله ان أحدا لا يستطيع ان يفرض التوطين او غيره على اللبنانيين.
فالتهويل بالتوطين لغة قديمة بدأت مع اللاجئين الفلسطينيين وتستكمل اليوم مع اللاجئين السوريين، وتحمل في طياتها أبعادا عنصرية وتحريضية، وكل الهدف منها إثارة الغبار السياسي ونقل النقاش من مكان إلى آخر، أي بتظهير أن الخطر الفعلي على لبنان يكمن في التوطين، فيما الخطر الحقيقي يكمن في سلاح “حزب الله”، وهذا لا يعني ان التوطين ليس خطرا، بل يعني ان التوطين غير مطروح إلا من قبل من يريد حرف التركيز باتجاهات محددة.
وهذه النغمة ليست جديدة طبعا، إنما يتم استحضارها غب الطلب من أجل خلق مخاطر غير موجودة بهدف التغطية على المخاطر الموجودة، وهذا الكلام لا يعني استسهال ملف النازحين او التقليل من أهميته، إنما ضرورة الفصل بين التوطين كتوطين، وبين ضرورة مقاربة ملف النازحين بمسؤولية وطنية وجدية سياسية، وهذا بالذات ما قامت وتقوم به “القوات” وغيرها طبعا من أجل إعادة النازحين إلى سوريا، لأن الواقع الاقتصادي اللبناني والاجتماعي والسياسي لم يعد يحتمل هذا الوجود، خصوصا ان مناطق شاسعة في سوريا استعادت استقرارها، ولأن قرار إعادتهم إلى بلادهم هو قرار سيادي لبناني وما على المجتمع الدولي إلا مساعدة لبنان لتحقيق هذه الخطوة.
فالمشكلة الأساس في لبنان هي في سلاح “حزب الله” لا في توطين غير مطروح لا من قريب ولا من بعيد، وفي مطلق الأحوال مواجهة التوطين تكون من خلال الالتزام بالدستور ومقدمته ومن خلال موقف وطني جامع لكل القوى السياسية بالتأكيد على ضرورة الالتزام بكل بنود الدستور بدءا من رفض التوطين وصولا إلى رفض أي سلاح خارج الدولة اللبنانية، لأن الدستور كل لا يتجزأ، فلا نختار ما يناسبنا منه ونهمل ما لا يناسبنا، فيما حان الوقت لتطبيق الدستور في نصوصه وروحيته حفاظا على لبنان الوطن والرسالة.
.jpg)