#adsense

أبونا يعقوب البدوي… بكيتُ سرًا وكثيرون هم الشهداء الذين حفروا أسماءهم وصورهم في قلبي

حجم الخط

كتبت جومانا نصر في مجلة “المسيرة” – العدد 1629:

 

أبونا يعقوب البدوي… قصة راهب
في المجلس الحربي ومبشّر في المكسيك

بكيتُ سرًا وكثيرون هم الشهداء الذين حفروا أسماءهم وصورهم في قلبي

 

 

 

 

 

أيلول 1984. رنّ الهاتف في مكتب مدير معهد الموسيقى في جامعة الروح القدس – الكسليك الأب يعقوب البدوي. «أبونا يعقوب، معك الشعبة الخامسة بـ»القوات اللبنانية». بدنا نشوف إذا في إمكانية تشارك جوقة الروح القدس الكسليك اللي بتترأسا بخدمة قداس ذكرى اغتيال الرئيس بشير الجميل بكنيسة الأيقونة العجائبية بالأشرفية». «أكيد بشارك مع الجوقة بس بدي آخد الموافقة من الرئاسة العامة للرهبنة». وأقفل الأب البدوي السماعة.

14 أيلول 1984. الأباتي بولس نعمان يترأس الذبيحة الإلهية في قداس ذكرى استشهاد الرئيس بشير الجميل والأب يعقوب البدوي يدير الجوقة التي كانت تصدح أصواتها ألحانا سماوية.

تلك كانت المرة الأولى التي يتعرف فيها الأب البدوي عن قرب إلى شباب «القوات اللبنانية». تكررت اللقاءات الروحية بين الأب البدوي والشباب في المجلس الحربي. لكن في كل مرة كان اللقاء ينتهي بشوق اللقاء التالي إلى أن صدر القرار: تعيين الأب يعقوب البدوي مرشدا روحيا لشباب «القوات اللبنانية». وبدأت رحلة الراهب الملتزم مع الشباب. رحلة كتب سطورها بالإيمان والصلوات والمسبحة التي كان يحملها إلى الشباب في ثكناتهم وعلى الجبهات إلى جانب «صلاة المقاوم».

الأب يعقوب البدوي… لم يكن ذاك الراهب الملتزم، ذاك المرشد الروحي لشباب «القوات اللبنانية» إسما عابرا في ذاكرة المقاومة. فهذا الراهب وقف على قبر شهيد، لا بل شهداء. هذا الراهب علّم في نفوس الشباب وتعلّم منهم سر النضال والتضحية والشهادة. هذا الراهب الملتزم قال لأم الشهيد: «نيالك إبنك الشهيد على يمين البطل الأول يسوع المسيح، وبكى أكثر من مرة لكن سرًا على شهيد كان يجالسه قبل ليلة واحدة ويستمع إلى اعترافاته قبل أن يمنحه سر الغفران والتوبة. وهذا الراهب الملتزم بكى اليوم وهو يستعيد ذكريات تلك المرحلة قبل أن يهاجر إلى المكسيك ليكمل من هناك رسالته التبشيرية بالمسيح وبسر الشهادة.

« رجعتي عيشتيني هيديك المرحلة… هاو الشباب الأبطال ما بتروح صورن من بالي»… قالها بغصة. وللأب البدوي نقول: لا أنت أقفلت تلك الصفحة ولا الشباب الذين عاصروك وجالسوك وحتى الذين صاروا قرابين على مذبح الرب. وإن ننس فلن ننسى كلماتك لشباب المقاومة المسيحية: «أنتم على مثال الرسل والقديسين… سوف يعذبونكم ويصلبونكم لكن في النهاية ستنتصرون بالقيامة».

الأب يعقوب البدوي العائد في زيارة إلى لبنان من وطنه الثاني المكسيك يروي للمرة الأولى أسرار حبات مسبحة الراهب الملتزم.

 

 

لم نصدق أنه هنا معنا في لبنان، نحن الذين تعودنا على رؤيته جالسا مع الرفاق في المراكز والثكنات أو حتى في الملجأ أو خلف المتراس، أو مترئسا الذبيحة الإلهية في كنيسة المجلس الحربي او معهد غوسطا. قصدنا مقر إقامته حيث تعلّم وعلّم وعزف، في جامعة الروح القدس – الكسليك. أبونا يعقوب البدوي. هو هو. ذاك المارد بثوب الرهبنة الأسود لا يزال نفسه. لم يتغير على رغم ثنيات العمر التي حفرت على سحنة وجهه واجتياح الخصلات البيض هامته المرفوعة عنفوانا وصلابة وإيمان. حتى  ذاكرته لا تزال تنبض حياة وعنفوانا. تعرف إلينا قبل أن نبادر بذلك… «ما تغيرتي». وترتسم على وجهه تلك الضحكة التي كانت تبث الأمل في صفوف الرفاق والعزاء في قلوب أمهات الشهداء.

هو العمر الساكن فينا الذي  جلس معنا في تلك القاعة في جامعة الروح القدس الكسليك. هي رزمة الذكريات التي حبكناها في زمن النضال وصور الرفاق الأبطال الذين انتصروا بالقيامة. هي كل ذلك والكثير الكثير من الإيمان بالقضية التي آمنا بها. «من وين بدك نبلش؟». هو مشوار عمر ويستحق السؤال عن البدايات. والبداية من تاريخ دخول يعقوب البدوي سلك الرهبنة.

حزيران 1951 صدحت الزغاريد من منزل آل البدوي في مزرعة يشوع مع ولادة يعقوب الطفل الثاني في العائلة لتكرّ بعدها السبحة صبيّان وفتاة. منذ نعومة أظافره تأثر يعقوب بجو الإيمان والصلاة العابق في المنزل العائلي. فالوالد كان مرنما في كنيسة البلدة وكان يحرص على اصطحاب يعقوب وشقيقه الأكبر طنوس معه، فتعلما منذ نعومة أظافرهما الألحان البيزنطية والتراتيل. وعندما بلغ يعقوب سن التاسعة توجه مع والده إلى دير المعونات للإبتداء وخضع لامتحان يخوله الإنتساب إلى سلك الرهبنة فجاء الرد بالنفي نظرا إلى صغر سنه وطلبت منه إدارة الدير في جبيل العودة في السنة المقبلة. وقبل أن يطفئ يعقوب شمعة عيده العاشر توجه إلى دير المعونات من جديد وبدأ مشوار الإلتزام مع الله. يومها كان الحبيس أنطونيوس شاينا يشغل منصب رئاسة الدير فتتلمذ يعقوب على تعاليمه الرهبانية وتأثر بعمق إيمانه وروحانيته إلى جانب عدد من الآباء. ومع انتهاء مرحلة النذورات الرهبانية الصغرى انتقل إلى مرحلة الإبتداء في العام 1965. وبعد عامين انتقل إلى جامعة الروح القدس – الكسليك لمتابعة دروسه الإكليريكية في معهد اللاهوت في الجامعة.

عندما اندلعت الحرب اللبنانية في 13 نيسان 1975 كان الأب يعقوب البدوي يتابع دراسة اللاهوت إلى جانب الموسيقى التي كان تشرب أصولها من والده الذي كان يرنم معه في الكنيسة. وانتسب لاحقا إلى جوقة الروح القدس – الكسليك وطاف معها في عدة رحلات دينية. وفي حزيران عام 1975 كانت المحطة العالمية الأولى في مسيرة الأب البدوي كراهب في الجوقة التي شاركت في الإحتفالات الدينية التي أقيمت في 5 ولايات أميركية بقيادة الأب الراحل لويس الحاج. لكن المفاجأة كانت تنتظر الفرقة عند وصولها إلى مطار بيروت: «وصلنا ع المطار وسمعنا القصف والرصاص . فجأة بيوصل شخص وبيطلب منا نتوجه نحو باص عسكري للجيش اللبناني لأنو الطرقات مقطوعة وما فينا نرجع بسيارات مدنية ع الجامعة. بهيديك اللحظة حسيت إنو بلشت الحرب».

تلك الرحلة التي لم تخلُ من المخاطر لم تكن الأخيرة في مسيرة الراهب الملتزم والجوقة. وفي تشرين الأول 1975 تاريخ إعلان قداسة الطوباوي شربل في قاعة بولس السادس في الفاتيكان، كان مقررا أن تشارك جوقة الروح القدس في خدمة القداس الإحتفالي إلى جانب جوقة الفاتيكان. وتفاديا لتعرض أي من أفرادها للخطر بسبب القنص والقصف العشوائي سافر أعضاؤها بحرا عبر مرفأ جونيه إلى قبرص ومن هناك انتقلوا جوا عبر مطار لارنكا إلى روما. وكانت المرة الثانية التي تشارك فيها الجوقة في خدمة قداس احتفالي في قاعة بولس السادس بعدما خدمت في القداس الإحتفالي الذي أقيم عام 1973 لمناسبة إعلان تلك السنة «سنة مقدسة».

بداية مشوار الراهب الملتزم

3 تموز 1977. تاريخ لم ولن ينساه الأب يعقوب البدوي. ذاك اليوم وقف أمام مذبح الرب ليشهد على النعم الأبدية التي عاشت في ثنايا روحه وإيمانه منذ طفولته. وسيم كاهنا في جامعة الروح القدس الكسليك. وبدأ مشوار الراهب الملتزم مع النضال الروحي. ويروي «بعد ارتسامي تم تعييني رئيسا لدير طاميش لمدة عامين ثم في دير مار الياس الكحلونية لمدة عامين أيضا وكنت أتولى مهام التدريس وتعليم الموسيقى من دون أن أتوقف عن إكمال دراستي الموسيقية في جامعة الكسليك حتى نلت شهادة الإجازة العليا في هذا الإختصاص. وفي العام 1981 تم تعييني مساعدا لأمين عام كلية الموسيقى الأب لويس الحاج ومديرا لمدرسة الموسيقى في جامعة الروح القدس».

عام 1982 سافر الأب البدوي إلى فرنسا لإكمال دراسته في علم الموسيقى بعدما نال منحة دراسية. كان يشقع أحلامه على سلم النجاحات ويخطط للغد المشرق الموعود في الجمهورية الموعودة مع انتخاب بشير الجميل رئيسا. وحل 14 أيلول. الخبر اخترق حدود العالم ووصل إلى الأب البدوي. للوهلة الأولى لم يصدق كما كل لبناني كان يحلم بالجمهورية الحقيقية التي رسمها الشيخ بشير في خلال 21 يوما. يصمت ويعود إلى تلك اللحظات: «بس سمعنا بخبر اغتيال الشيخ بشير حسيت إنو الأرض اهتزت. يومها بكيت ومش وحدي. كل الرهبان اللي كانوا معي بكيوا. بشير كان بمثابة خشبة خلاص للبنان. كان جايي تا يزرع العدالة والديمقراطية والنزاهة وينضف الجمهورية من الفساد والشر. كان برنامجو واضح: إعادة ترتيب الوطن وتنظيمو على مستوى الإدارة والمؤسسات. والمؤسف إنو ما قدرت شارك بمراسم تشييع الشيخ بشير لأنو إجا القرار من الرهبنة بتمديد فترة إقامتي على أثر عملية الإغتيال».

بعد عودته إلى لبنان استعاد الأب البدوي نشاطه اليومي في معهد الموسيقى في جامعة الروح القدس الكسليك. لكن القدر كان يتربص له. ففي العام 1984 وتحديدا في شهر أيلول رنّ الهاتف في مكتبه. على الخط شباب من الشعبة الخامسة في «القوات اللبنانية». «أبونا يعقوب حابين نزورك تا نحكي بموضوع خدمة قداس ذكرى الرئيس الشهيد بشير الجميل». وفي الموعد المحدد وصل الشباب ودخلوا المكتب. «بذكر إنن طلبوا مني إمكانية مشاركة الجوقة الموسيقية بخدمة قداس الشيخ بشير بكنيسة الأيقونة العجائبية بالأشرفية اللي بيترأسو الأباتي بولس نعمان. ووافقت طبعا بعدما حصلت على الإذن من الرئاسة العامة للرهبنة اللبنانية المارونية. وكان اللقاء المباشر الأول مع شباب القوات». ولم يكن لقاء عابرا.

بعد أيام عاد شباب «القوات» الذين زاروه في مكتبه وطلبوا منه أن يترأس القداديس التي تقام في الثكنات والإعترافات، بالإضافة إلى اللقاءات الروحية. وافق الأب البدوي بعدما استحصل على إذن من الرئاسة العامة للرهبنة اللبنانية المارونية وبدأ يتردد على المجلس الحربي في منطقة الكرنتينا وينظم لقاءات روحية للشباب وفي ختامها «كانوا الشباب يعترفوا ونحتفل بالذبيحة الإلهية».

الغنى الروحي الذي اكتسبه شباب «القوات» من خلال هذه اللقاءات الروحية زادهم تعلقا بالأب البدوي فطلبوا منه أن يتولى مسؤولية المرشدية الروحية في «القوات اللبنانية». «ما بخفي عليكي إنو حسيت بمسؤولية كبيرة خصوصا إنو العلاقة الروحية اللي فرضت نفسها من خلال لقاءاتنا الروحية خلتني إتمسك أكتر وأكتر بدوري كمرشد روحي وبلشت لاحظ إنو مساحة السلام والروحانية عم تزيد عند الشباب. وبس طلبوا مني كون المسؤول عن المرشدية ما قدرت أرفض. قلتلّن أطلبوا الإذن من الرئاسة العامة للرهبنة وعلى ضوء الجواب أنا جاهز لخدمة الرب». وبعد نيله الموافقة بدأ مشوار الراهب الملتزم مع شباب «القوات»، لكنه أصر على ان يكمل مهامه في إدارة معهد الموسيقى في جامعة الروح القدس الكسليك: «كان هدفي توجيه الشباب روحيا وأخلاقيا. أحيانا كنت فكر معن وحاول لاقي الجواب على السؤال الوجودي اللي كانوا يطرحوه عليي الشباب: أبونا لوين رايحين؟ كنت مقتنع بدوري ومسؤولياتي وبلش مشواري الروحي مع شباب القوات».

عام 1988 قدم الأب البدوي إستقالته من إدارة معهد الموسيقى للتفرغ كليا لمهامه في المرشدية الروحية في «القوات اللبنانية». كنت شايف قدامي شباب ملتزم عسكريا بس بنفس الوقت قادر يكون ملتزم روحانيا. وقررت إعتمد معن طريقة جديدة بتعتمد على جلسات الحوار والمصارحة وابتعدت عن التنظير بالعظات والبرامج المحضرة سلفا. وبكل زيارة للشباب بالثكنات أو حتى على الجبهة كنت إحمل معي مسبحة وإنجيل وصلاة المقاوم ووزعن وبعدا إسألن مين حابب يتقدم للإعتراف؟ واللي ما كانوا يعترفوا كنت أطلب منن إنو نقعد ع رواق وندردش. وهالجلسات كانت بمثابة زوادة راحة وسلام للشباب لأنو كانت الأحاديث تدور حول مشاكلن النفسية والروحية والجسدية وبآخر النهار نجتمع حول المذبح اللي نحضروا سوا ونقدس. وأحيانا يخلص القداس قبل ما نبلش بسبب اشتعال الجبهة. هون كانوا يتقدموا الشباب نحو المذبح ياخدو البركة وينطلقوا مع المسبحة وصلاة المقاوم إلى المعركة».

هو سر الإعتراف الذي لم ولن يبوح بأي تفصيل عنه الأب البدوي. إعترافات شباب اختاروا أن لا يعيشوا تفاصيل عمرهم الفتي كما يفترض أن يعيشوه أو على الأقل كما يعيشه أبناء جيلهم. شباب مسيحي مؤمن فرض عليه أن يحمل البندقية بدلا من الكتاب ويكون مشروع شهيد وأن يعيش على خط الموت والنار بدلا من أن يتنعّم بدفء البيت وحنان العائلة. وفي لقاءاته الروحية كان يصطدم الأب البدوي في غالبية الأحيان بالأسئلة المصيرية والوجودية «لوين رايحين أبونا؟ لمين كل هالتضحيات؟ وأحيانا كانوا الشباب يجاوبوا حالن: بدنا نبني مجتمع حر ونضيف ومقدس. ما كان من السهل على شبابنا المسيحي المؤمن إنو يحمل البارودة ويقتل. كتير كانوا يعيشوا أزمة ضمير وصراع داخلي. أوقات يجوا ويعترفوا: «أبونا كيف ممكن ندافع عن أرضنا ونحمي أهلنا وشعبنا من دون ما نقتل العدو المحتل اللي هاجم علينا وعلى حرمات بيوتنا»؟ ما حدا يفكر إنو مطلق أي مقاتل بـ»القوات اللبنانية» كان حامل البارودة تا يقتل. أبدا. أنا تعلمت من الشباب الإلتزام والتضحية، تعلمت منن كيف ممكن يعيش مشروع الشهيد لحظات الفرح والسعادة  بإطار الألم  ولا مرة حسيت بالخوف ولا مرة ترددت روح عند الشباب ع الجبهة على رغم القصف والراجمات اللي تكون عم تنهمر. كان الروح القدس رفيقي وصلوات العدرا وأمهات الشهدا وتضحيات وبطولات الشباب معي. وبعد كل لقاء كانت تزداد قناعاتي بدوري كمرشد روحي وإنو من الظلم ندين هالمقاتلين لأنن التزموا خيارالدفاع عن لبنان وحرام ما تكون هاي الصورة الوحيدة المطبوعة عنن بأذهان الناس. ولو قُدّر إنو يعيشوا حياتن متل باقي الشباب اللي بعمرن كانوا راح يكونوا مؤهلين إنو يكونوا متفوقين علميا أو رهبان على خطى بطرس وبولس».

نعم بكيت في السر

قليلة هي المرات التي بكى فيها الراهب الملتزم. وإذا فعلها يكون سرا. «مرات كتيرة كون قاعد مع شباب مقاتلين عم نحكي وتاني يوم يخبروني إنو الشاب الفلاني اللي اعترف وقدس وتناول مسا مبارح معنا استشهد ع الجبهة. بهاللحظة كنت حس إنو سكين اخترق قلبي. ومرات قبل ما بلش القداس كنت أعرف إنو في شهيد سقط من ضمن هالمجموعة من عيون الشباب لأنو كان ممكن تقرا بعيونن الحزن كما الفرح بالإنتصار بإحدى المعارك». ويضيف: «كتار الشهدا اللي حفروا إسمن وصورن بقلبي وعقلي. هاو ما بيروحوا من بالي، بس اسمحيلي ما سمّي حدا لأنو كل شب بـ»القوات» كان ملتزم لدرجة إنو مستعد يموت ويستشهد كرمال هالأرض. هنّي حملوا الصليب متل المسيح على طريق الجلجلة. كانوا عارفين إنو عم يضحوا بحياتن، بمستقبلن، بس ما كانوا يسألوا». يصمت الراهب الملتزم ويتمتم: «عم ترجعي تعيشيني هيديك المرحلة. أنا أساسا ما طلعت منّا بس كمّلت رسالتي من خلال زوادة هالمشوار اللي عشتوا مع شباب القوات».

هم حملوا صليبهم واستشهدوا تيمنا بالشهيد الأول يسوع المسيح لكن ضعفنا البشري يحفزنا على طرح السؤال: «كيف ولماذا استشهدوا؟ وكيف يمكن لأم شهيد أن تقتنع بأن إبنها استشهد من أجل الآخرين؟» يرفع الراهب الملتزم رأسه ويشمخ عاليا كما جبهات أمهات الشهداء ويقول: «ولا مرة سمعت إم شهيد كفرت أو ندمت أو نكرت فعل الشهادة مطلقا. صحيح إنو كانوا يبكوا لدرجة النحيب ويمكن لليوم ما نشفت دموعن. بس عزاؤن كان إنو إبنن ما راح رخيص. إبنن استشهد دفاعا عن وطن، عن مجتمع، عن قضية».

كثيرة هي اللحظات لا بل المحطات التي كان مقدرا أن يضعف أمامها الراهب الملتزم على رغم حصانة الإيمان والإلتزام الروحاني. مع ذلك لم يضعف. لم يسقط. «كان في إشيا كتير بتوجع وقاسية. بس ما بكيت، والأصح تعلمت إنو ما إبكي إلا بالسر بالعتمة لأنو كنت مصدر عزاء لأمهات الشهدا».

لعله الإيمان والتعمق في مفهوم الصلب الذي كان يحصن الأب البدوي ضد السقوط في تجربة الضعف البشري أو الإستسلام. «دايما كنت شوف بمشهد إم الشهيد صورة العدرا هيي وراكعا عند أقدام السيد المسيح هوي ومرفوع ع خشبة الصليب. الصليب مهم بحياتي. وشهادة الشباب اللي كانوا عم يقاتلوا من دون ما يسألوا عن حياتن بتوازي شهادة السيد المسيح. هالشباب شهدا قديسين. أساسا شو يعني شهيد؟ الشهيد هو من يشهد للحق والحقيقة. الشهيد هو من يشهد للمسيح وللقيم المسيحية، هو من يسير على خطى التضحية والإستشهاد تماما كما يسوع المسيح. وما في شي أعظم من ذلك. أحيانا خلال لقاءاتي الروحية مع الشباب وخصوصا تلاميذ الضباط بمعهد غوسطا كانت تستوقفني أسئلتن الوجودية. بإحدى المرات بيسألني ضابط: «كيف ممكن المقاتل اللي حامل بارودة وعم يقوص على إنسان آخر يكون شهيد على مثال يسوع المسيح؟ وكيف ممكن مواءمة الشهادة مع الخطيئة؟» وجوابي كان يكون واضح ونابع عن قناعة: «أنا كمؤمن بالمسيح بعتبر إنو الشهيد هوي اللي بيموت دفاعا عن الإنسان ووجوده كإنسان حر. الشهيد هو من يبذل حياته للقيم المسيحية والإنسانية. الشهيد لا يعيش بالخطيئة الشهيد قاتل دفاعا وليس حبا بالقتل. الشهيد ليس هاوي تعذيب على العكس هو من تحمل عذاب النفس وهيدا أهم اختبار عشتو مع الشباب. أنا بس عم ضحي بنفسي إنما لإنقاذ إنسان. شو هالفعل العظيم. التضحية بحد ذاتها غفران وإن كانت ثمة إستثناءات».

«وهل تبدلت القيم اليوم؟». نسأل. يشخص في البعيد ويغرق في صمته. فذاك الراهب الملتزم لا يريد أن يشوّه مفهوم الشهادة ولا يريد حتى أن يصدق أن الإستشهاد بات مشروطا بزعيم. يكسر صمته ويقول: «الشهداء ليسوا مجرد ذكرى. كل يوم لازم يكون يوم الشهيد. لازم نصليلن والأهم نصلي لأهالين حتى يكملوا يعيشوا بالرجا».

هو الروح القدس الذي كان يمد الراهب الملتزم بالقوة خصوصا عندما كان يدخل إحدى الثكنات ليصلي ويمنح سر الإعتراف للشباب ويسأل عن ذاك الرفيق الذي منحه القربان المقدس قبل ساعات ويأتي الجواب: «أبونا رفيقنا استشهد مبارح ع الجبهة». كان يحمل وجعه ويلملم دموعه في مآقيه ويعظ في الشهادة ومعنى التضحية في سبيل الآخرين تماما كما السيد المسيح. كان يخاطبهم من قلبه الموجوع والمفعم بالإيمان والصلابة… «تصوري كانوا يكونوا عارفين حالن إنو رايحين ع الموت، ومع هيك ما كانوا يترددوا. شو هالإلتزام اللي كان بقلبن للبنان؟ كنت قلّن عم تفدونا بدماءكن الطاهرة متل ما افتدانا يسوع المسيح على الصليب. كنت ذكّرن بالرسل مار بطرس وبولس والقديسين اللي انتصروا على العالم بإيمانن القوي على رغم العذابات والصلب… بس بالنهاية انتصروا بالقيامة.. وهيك شهداءنا وشبابنا… ولأول مرة بعترف إنو تعلمت من شباب «القوات» الإلتزام والصلابة والتضحية».

سمير جعجع هو هو قائد وملتزم روحانيا

لم تعد تفاصيل حياة ويوميات الراهب الملتزم منفصلة عن هموم وهواجس شباب «القوات». صار يعرفهم فردا فردا. لكن ماذا عن قائد السفينة؟ وكيف التقى للمرة الأولى بالدكتور سمير جعجع؟ يجيب الأب البدوي: «أول مرة التقيت بسمير جعجع كانت بعد حرب الجبل بالكسليك خلال لقاء جمعنا مع عدد من الآباء للوقوف على تفاصيل مجريات معركة الجبل. اللقاء كان بمثابة فحص ضمير وتوضحت كل الحقائق».

ثمة الكثير من الكلام المطوي في ثنايا ذاكرة الراهب الملتزم، لكنه يصر على أن يبقى حيث هو، وأن يحيا ويتنفس من رئتي الصمت والوقار. ومن سلة الكلام يروي محطات في ذاكرة المقاومة والنضال غير السري: «بعد اللقاء الأول بالدكتور جعجع صار في لقاءات دورية بمقر قيادة «القوات اللبنانية» بالمجلس الحربي. وهون بلشت اتعرف أكتر على الوجه الآخر للقائد العسكري. سمير جعجع إنسان ملتزم ليس فقط وطنيا وحزبيا وسياسيا، إنما أيضا روحيا. كنا نعمل لقاءات روحية مطولة وكان يدهشني بإيمانو وثقافتو الدينية. وبس يكون حاضر بقداديس المجلس كان يصر على قراءة الرسالة. ويضيف الأب البدوي: «سمير جعجع كان – ولا يزال- حامل وجع المجتمع وكان يعيش غصة بس يكتشف إنو في فئة من المجتمع مش عايشة مسؤولية والتزام وتضحيات الشباب اللي عم يدافعوا ويستشهدوا تا نبقى بهالوطن.. سمير جعجع كان عم يقرا سلفا اللي ممكن يصير، وصار….».

يصمت الأب البدوي وتغرق عيناه في البعيد. يفرج عن بسمة فيها الكثير الكثير من المعاني ويقول: «بس كنت عم حضرلو أوراق الزواج قدمتلو المسبحة والإنجيل وصلاة المقاوم. يومها قلّي: «هاي أجمل وأعظم هدية بتلقاها… كان في إحترام كبير بيناتنا وبعدو موجود لا بل كبر خصوصا بس اختار يدخل السجن بدلا من السفر. وهيدا فعل شهادة بحد ذاتو».

في 9 كانون الأول عام 1992 غادر الراهب الملتزم لبنان بعدما نصحه كثيرون بالإبتعاد قليلا. وفي فرنسا حيث استقر كان السند الأول لشباب «القوات» واللبنانيين الذين غادروا لبنان قسرا وكان بمثابة المرشد الروحي لهم حيث كان يشجعهم على الإنتساب إلى الرعايا وخدمة القداديس من خلال الجوقات الموسيقية. ويروي: «عند اعتقال الدكتور جعجع كنت في فرنسا. الخبر كان صاعقا ومؤلما. صليت له وللشباب. تذكرت الرسالة الصوتية التي أرسلها وستريدا جعجع لمعايدتي قبل اعتقاله. تألمت كثيرا. لكن عزائي الكبير كان في العصب الذي لمسته لدى الشباب في فرنسا والنضال السري في لبنان».

أكمل الأب البدوي دراسته في العلوم الموسيقية في فرنسا ونال شهادة الدكتوراه وفي 6 كانون الأول 1996 عاد إلى لبنان بطلب من الرئاسة العامة للرهبنة وأكمل رسالة التعليم في مادة الموسيقى في جامعة الروح القدس الكسليك وفي بعض المدارس ومنها دير مار ميخائيل في بحرصاف. كما شارك في خدمة عدة إحتفالات دينية في دير مار شربل –عنايا وسيدة لبنان في حريصا. وفي تموز 1999 حقق الراهب الملتزم حلمه في العزف في مغارة جعيتا حيث عزف مقطوعات من مؤلفاته بالإضافة إلى الفولكلور اللبناني. وتم تسجيل الحفل على شريط ممغنط.

الهجرة إلى المكسيك ورسالة التبشير

لم تطل مدة إقامة الراهب الملتزم في لبنان. فالملاحقات ومحاولات التضييق على تحركاته ولقاءاته من قبل النظام السوري وجماعاته في تلك الحقبة كونه كان مسؤولا عن المرشدية الروحية في «القوات اللبنانية»، دفعته الى مغادرة لبنان للمرة الثانية وهذه المرة إلى بلاد المكسيك بعد نيله الإذن من رئاسة الرهبنة اللبنانية المارونية ووصلها في 6 آب 1999 يوم عيد التجلي ولا يزال يمكث فيها حتى اليوم. ومن هناك انطلق في رسالته الكهنوتية والتبشيرية من خلال النشاطات الروحية التي ينظمها في كنيسة سيدة لبنان بالإضافة إلى احتضان شبيبة اللبنانيين المغتربين عن طريق حثهم على الإنتساب إلى الرعايا وتعلم الموسيقى والخدمة في الجوقات التي يديرها في احتفالات أعياد الميلاد والفصح والجمعة العظيمة. هذا عدا عن المحاضرات التي يلقيها عن المارونية ومسيحيي الشرق ولبنان وتعليم الموسيقى واللغتين العربية والسريانية وتنظيم حفلات ومعارض يشارك فيها عازفون ورسامون من أصل لبناني، بالتعاون مع مؤسسة «بلازا لوريتو» التي أسسها رجل الأعمال المكسيكي من أصل لبناني كارلوس سليم.

أما الحدث الأبرز الذي وقعه الراهب الملتزم في بلاد المكسيك فكان بعنوان «لبنان بوتقة الحضارات» وضم بوتقة من المغتربين اللبنانيين. وحاليا يعكف الأب البدوي على ترجمة الألحان السريانية المارونية إلى الإسبانية مع الحرص على المحافظة على روحانية اللحن الأصيل.

عندما خرج الدكتور جعجع إلى الحرية في تموز 2005 كان الراهب الملتزم في المكسيك. أول كلمة قالها في قرارة ذاته لحظة تبلغه الخبر: «رجع الحق لصحابو». هو الذي كان على يقين منذ اللحظة الأولى أن اعتقال الدكتور جعجع كان سياسيا وكان مؤمنا أن الحق سينصفه وكل الملفات التي حيكت كانت مجرد تلفيقة».

خلال زيارته إلى لبنان التقى الراهب الملتزم عددا من الشباب الذين جمعته وإياهم لحظات نضال ووجع وصلاة واعترافات. وفي كل لقاء كانت المسبحة وصلاة المقاوم ثالثهما. وفي معراب جلس الأب البدوي مع الدكتور جعجع وتحدثا مطولا «بس كل كلامن كان عن الحاضر والمستقبل. سمير جعجع ما تغيّر بعدو القائد الملتزم والإنسان المؤمن والمتعمق روحانيا واليوم رجل الدولة بامتياز».

وقبل أن يودعنا أصر أن يكون ختام الكلام من حيث يعيش نصفه الآخر. من مسكن الشهداء: «بدي قول لكل شهيد من شهداء المقاومة المسيحية شكرا. شكرا على التضحيات اللي قدمتوها. شكرا لدماءكن الطاهرة اللي رويتوا فيا أرض الوطن حتى تزهّر ورد وتعبق ريحتو قريبا مش بس بلبنان إنما أيضا بالعالم. ولسمير جعجع بقلّو: «إنت والشباب ولبنان بصلواتي. والله يرد عنك».

 

الصور من أرشيف «المسيرة» وموسى داوود

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

 

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل