
ليست الأطراف المحلية التي انضوت في فترة من الفترات تحت لواء 14 آذار، وحيدة في رفضها جرّ لبنان الى التطبيع مع النظام السوري وفرض خيار “التنسيق” معه على حكومة “استعادة الثقة”، بل ان عواصم القرار الكبرى، بدورها، لا تحبّذ جنوح “البلد الصغير” نحو أي من المحاور المتصارعة في الاقليم، وتفضّل أن يبقى على الحياد بما يحمي مصالحه واستقراره.
فبعد اعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال استقباله الرئيس سعد الحريري مطلع أيلول أنه يدعم تحييد لبنان عن الصراعات الخارجية، وقد تجاوب مع مطلب ضيفه إبقاء لبنان في منأى عن اي ارتدادات سلبية للتسويات المرتقبة لأزمات المنطقة، تحدّث الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون بوضوح تام أمس، على مسامع رئيس الجمهورية العماد ميشال عون في مؤتمر صحافي مشترك عقداه في باريس، عن أهمية الالتزام بالنأي بالنفس في هذه المرحلة وبدا وكأنه “ينصح” بعدم الخروج عنها، قائلا “سياسة النأي بالنفس التي تتبعها الحكومة اللبنانية أفضل وسيلة للمحافظة على استقرار لبنان”.
موقف “سيّد الايليزيه” هذا، اتخذ أبعادا مضاعفة بفعل توقيته، وفق ما تقول مصادر سياسية مراقبة لـ”المركزية”، اذ تزامن مع تكثيف أطراف سياسية داخلية مؤيدة لمحور “الممانعة”، ضغوطها لكسر القرار الرسمي بـ”الحياد” عن الصراع السوري حيث أطلق وزراء “حزب الله” و”أمل” و”المردة” “رحلاتهم” على خط بيروت – دمشق للقاء نظرائهم في الحكومة السورية، وقد بلغ مسارهم هذا ذروته في نيويورك الاسبوع الماضي حين قرّر وزير الخارجية جبران باسيل، بما يمثّله سياسيًّا من امتداد للرئيس عون، الاجتماع بنظيره وليد المعلم، متخطيا موقف الرئيس الحريري والحكومة بالتمسك بسياسة النأي بالنفس.
وفي انتظار تبيان ما اذا كانت “النصائح” الخارجية ستلجم “الطحشة التطبيعية”، على حد تعبير المصادر، علما ان المجموعة الدولية لدعم لبنان لطالما شددت على أهمية التزام “النأي بالنفس”، تقول المصادر ان “هزّة” اجتماع “نيويورك” لم تهدأ ارتداداتها بعد على الساحة المحلية، وتكاد تكون الأخطر التي يتعرّض لها تفاهم “التيار الوطني الحر” – “المستقبل”، الذي أوصل العماد ميشال عون الى رئاسة الجمهورية. وقد أظهر وزير الداخلية نهاد المشنوق أمس حجمَ الضرر الذي خلّفه هذا الاجتماع، بقوله إنه “يشكل مخالفة للتسوية السياسية وللبيان الوزاري الذي نصّ على النأي بالنفس”، وقد أعطى الخلافَ الناشب طابعا سنيا أيضا، اذ أشار ومن على منبر “دار الفتوى”، الى ان “اللقاء يشكّل اعتداءً سياسياً على موقع رئاسة الحكومة”.
وفي هذا الاطار، تتوقع المصادر ان تنشط الحركة، في قابل الايام، في قنوات التواصل بين بعبدا والسراي وحتى معراب، لوضع الامور في نصابها مجددا و”صيانة” التسوية الرئاسية وإنعاشها، خصوصا ان “المستقبل” و”القوات” ومعهما “الاشتراكي”، لا يمكن أن تقبل، بأي شكل من الاشكال، بالتطبيع مع النظام السوري، ووزراؤهم عازمون على التصدي لهذا التوجه “حتى النهاية”، وفق ما تقول أوساطهم. غير ان المواجهة هذه، دائما بحسب المصادر، مهما اشتدت واحتدمت، وقد بلغت مستويات هي الاعلى في اعقاب اجتماع باسيل – المعلم، لن تصل الى حدّ إسقاط الحكومة أو استقالة رئيسها، “الا اذا”. ويصب موقف الوزير المشنوق اليوم قبيل جلسة مجلس الوزراء، وإعلانه أن “هناك مبالغة بالقول ان هناك خطرا على استقرار الحكومة”، في خانة التأكيد ان الخلاف سيبقى مضبوطا.