هل للأكراد العراقيين الحق بحكم ذاتي؟

الأكراد هم شعب هندو – أوروبى قديم أصله مجهول، لكنهم يسكنون منطقة جبال زاجروس وثوروس فى الشرق الأوسط منذ بداية التاريخ وهي مقسمة إلى عشائر وقبائل وتسكن حالياً أجزاء من تركيا وسوريا والعراق وإيران. وكان الأكثر شهرة في التاريخ من الاكراد صلاح الدين. في ظل الاحتلال العثماني للدول العربية، و بعده، مع تقسيم منطقة الشرق الاوسط عبر اتفاقية “سايكس – بيكو”، لم يُعطَ للاكراد اي دولة او حدود، فبقوا ضمن الحدود الجديدة في العراق، ايران، سوريا وتركيا ولم يسبق لهم أن عاشوا وطنهم ولكنهم عاشوا دائماً في مناطق تحكمها شعوب أخرى.

منذ التسعينات ومع سقوط الاتحاد السوفييتي، ظهرت 34 دولة جديدة، ويرجع ذلك في معظمه إلى التغيرات في الاقتصاد والسياسة العالمية. والجزء الأكبر من هذه البلدان أصبحت الآن أعضاء دائمين في الأمم المتحدة. انفصل بعض هذه الدول من الوحدة بسلام، في حين أن إراقة الدماء والحرب كانتا العلامة للتفكك العنيف لعمليات الاندماج الأخرى وقد رحب المجتمع الدولي بالانفصال الطوعي والسلمي بين “التشيك” و”السلوفاك” بسلاسة، في حين أن الانفصال في يوغوسلافيا المجاورة لم يكن بسلام. إن الإبادة الجماعية والمذابح كانت الطريق إلى الاستقلال للبلدان الكبيرة والصغيرة، وجميعهم الآن أعضاء في الأمم المتحدة.

لتبرير الفكرة القائلة بأن الاستقلال سيكون أمراً سهلاً ومفيداً للاكراد، يبني العديد من المسؤولين الأكراد نظريتهم باستقلال كردستان على عدة امثلة، من ضمنها تقسيم تشيكوسلوفاكيا الذي ادى الى حل الدولتين تشيكيا وسلوفاكيا. ولكن، واقع انفصال تشيكيا وسلوفاكيا، كان مختلفاً كلياً، فقد جاء بعد مباحثات ثنائية بين الحكومتين المستقبليتين لكلا الدولتين.

لا يزال الحوار بين اربيل وبغداد بعيداً كل البعد عن الحوار والتلاقي والثنائية. فلا يمكن مقارنة ما حصل مع تقسيم تشيكوسلوفاكيا بالعراق حالياً، لانه لا يوجد حتى الآن حوار جدي وودي وثنائية في القرار كالثنائية في العمل والحوار والتلاقي في الطلاق الودي مثل التشيك والسلوفاك.

اما النظرية الأخرى التي يمكن ان تحصل، فهي عكس الذي حصل في تقسيم تشيكوسلوفاكيا بطريقة سلمية وحوار وقرار ثنائي، أما الاحادية في القرار والانفصال بالقوة، فقد يكون من خلال حروب كما حصل مع عدة دول، او قد تكون ايضاً نتيجته النزاع والحرب.

فهل الاكراد الذين عانوا ما عانوه على مر الزمان من قتل، وابادات وانتهاكات لحقوق الانسان، وهل العراقيون، الذين عانوا ما عانوه من اشتياح وقتل وحروب ودمار ومازالوا حتى الآن، على استعداد لنزاعات وحروب وقتل وتهجير ومزيد من الدماء؟

لذلك ينبعي على رئيس اقليم كردستان العراق مسعود برزاني تجسيد نواياه بالطلاق الودي من بغداد من خلال خطابات صادقة حقيقية للشعب الكردي والعراقي وفتح حوار جدي وودي مع بغداد كما حصل في الثنائية في الحوار والقرار بين التشيك والسلوفاك. قد يرى برزاني نفسه أباً للأمة الكردية، ولكن إرثه قد لا يكون ما يتوقعه في ظل هكذا خلافات وانقسامات واحادية في القرار. كان لديه منذ فترة طويلة خيار: هل سيتذكره الاكراد والشعب بأنه نيلسون مانديلا ؟ ولكن زعيم المؤتمر الوطني الافريقي مانديلا، وضع العداءات السياسية العميقة جانباً من اجل بناء جنوب افريقيا جديدة. وعلى عكس برزاني الذي رفض التنحي في نهاية فترة رئاسته، نقل مانديلا السلطة، مما يشكل سابقة ضرورية للانتقال لأي ديمقراطية حقيقية. أصبح مانديلا معترفاً به كرجل دولة على الساحة العالمية وعلى برزاني ايضاً إن كان يطمح ان ينظر اليه الشعب الكردي والعراقي والعالم بنفس الطريقة كما يقول هو، ان يتبع نفس نهج مانديلا في وضع خلافاته مع بغداد والعداءات السياسية جانباً من اجل اربيل وبغداد قوية.

كما وعلى بغداد التعاون والحوار الودي والصادق والعمل على الطلاق والانفصال من دون خلافات ومشاكل او احتمال نشوب نزاعات وحروب مستقبلية، لان بغداد عانت ما عانته من حروب ودم ومشاكل حتى الان والشعب الكردي عانى ما عاناه في الماضي، فالاكيد ان الشعب الكردي والعراقي شبعوا حروباً وخلافات وفي ظل هكذا مشاكل واحادية في القرار من الجانبين والتشبث بالرأي، سيظل الاكراد في العراق في معانات ويُخشى أن يخسر الجميع، ويبقى الحل السليم هو في التعاون والحوار الودي حتى في قضية الطلاق كما حصل مع تشيكوسلوفاكيا، وخلال هذا الحوار الصادق الذي يمكن ان يأخذ سنوات من العمل الدؤوب في تحقيق المبتغى، يجب على بغداد حكومة وشعباً محاولة استمالة الرأي العام الكردي ايضاً، من خلال اعطاء الاكراد جميع الحقوق في العراق، كاي عراقي في الدولة، ودعم اربيل على جميع الصعد، التي بالتالي تكون عصب لكردستان والعراق. وبعد سنوات عدة من التعاون والحوار على الطلاق، يجرى استفتاء نهائي في كردستان، ويمكن ان تكون نتيجته ايجابية في البقاء دولة واحدة كونفدرالية قوية، وبحكم ذاتي للاكراد كما هو حالياً، اما في حال الاحادية في القرار والتشبث بالرأي، من الطرفين، وعدم التنازل، حتى في حالة الطلاق والانفصال ضمن الدولة الواحدة، فان النتائج لن تكون ايجابية لكلا الطرفين وخصوصاً للكيان الانفصالي. هناك العديد من الأمثلة التي نشأت من حرب العصابات والنضالات العسكرية التي ربما تكون أكثر مماثلة: السودان وجنوب السودان وإثيوبيا وإريتريا وصربيا وكوسوفو وإندونيسيا وتيمور الشرقية، على سبيل المثال لا الحصر. وفي أي من هذه الحالات، أصبح الكيان الانفصالي الذي حصل على الاستقلال ناجحاً بأي معايير موضوعية. بل على العكس، مزيد من المشاكل والنزاعات ومزيد من الكراهية والحقد ومزيد من التطرف.

في موضوع كردستان، لست بصدد اعطاء رأي شخصي، فهذا أمر يقرره الأكراد انفسهم، لكن لا بد من التوقف عند بعض التعقيدات التي ستحدد نجاح أو فشل كردستان مستقلة.

ـ اتفاقات تقاسم المياه: تشمل اتفاقيات تقاسم المياه – التي يزيد عمر بعضها عن 70 عاماً – تركيا وسوريا. في الماضي، تسببت النزاعات والخلافات حول تدفق نهري دجلة والفرات في بعض المناوشات وجلبت البلدان إلى حافة الحرب. إن إعادة كتابة هذه الاتفاقيات ستكون كلامياً أسهل من القيام بها. حتى في ظل اجواء تقارب وعدم عداوة بين البلدان التي تتشارك وتتقاسم المياه، تبقى اتفاقيات تقاسم المياه حساسة وسياسية الى اقصى درجات بين هذه الدول، ويمكن في بعض الاحيان ان تتسبب في خلافات، فكيف بالاحرى مع الجارتين تركيا وسوريا، المعارضتين أصلاً لقيام دولة كردستان؟

ـ الحدود: يقول برزاني إن الاستقلال سيقتصر على كردستان العراق وحدها، لكنه يقترح إجراء استفتاء في جميع أنحاء الأراضي التي لا يزال متنازع عليها مع بغداد. وفي الجمهورية التشيكية وسلوفاكيا، اتفق المواطنون والحكومات على الحدود فورا. وقد تكون أحادية برزاني من جهة وعناد بغداد من جهة اخرى نزاعاً سيدوم عقوداً من الزمن، قد يحول العراق وكردستان إلى خصوم بدلاً من شركاء.

ـ الجنسية: هل سيحصل الأكراد الذين يعيشون في بغداد وأماكن أخرى في العراق على الجنسية الكردية؟ ماذا عن الاكراد في سوريا وتركيا وايران؟ هل سيحصلون هم أيضاً على الجنسية الكردية؟ هل سيتم السماح للجنسية المزدوجة من قبل سوريا، تركيا وايران؟ ماذا لو سمحت دولة واحدة ولكن الاخرى لا؟ هل يمكن للاستفتاء أن يمهد الطريق للتطهير العرقي؟ هل سيضطر المسؤولون الأكراد الذين يعملون في الحكومة العراقية إلى الاستقالة وفقدان النفوذ؟

ـ الاقتصاد: يتعرض الأكراد لخطر كبير إذا أعلنوا استقلالهم في الوقت الذي يعتمدون فيه على الموارد الاقتصادية المجردة وغير المستقرة التي يملكونها الآن. والواقع أنه إذا نجح الأكراد في إعلان استقلالهم، فإن النتيجة المحتملة هي البطالة الجماعية لملايين الأكراد، بل والمزيد من الانفصال داخل إقليم كردستان نفسه. تعتقد كردستان العراق أن لديها موارد نفطية كبيرة، ولكن سوقاً مبهماً مزدحماً بالفساد والمحسوبية، دفع بالفعل بعض شركات النفط العالمية إلى شطب خسائرها والفرار من البلاد. في معظم الاحيان لم ولن تتمكن كردستان العراق من الدفع لموظفيها المدنيين وقد تزداد الديون لدولة كردستان الى نحو 20 بليون دولار حسب بعض المصادر الاقتصادية. كما ادعت كردستان العراق 17 فى المائة من عائدات النفط العراقية، فهل ستقبل 17٪ من ديون بغداد؟ وعندما حاولت حكومة برزاني تعويم السندات في السوق الدولية، كانت الشروط المعروضة أقل بكثير من تلك التي فازت بها الحكومة العراقية، حتى كوت ديفوار التي مزقتها الديون. هل يمكن ان تغرق كردستان كدولة مستقلة قبل أن تحصل على فرصة للتعويم؟

ـ الجيش: بالنسبة  للبيشمركة (الجيش الكردي)، فإنها لا تختلف عن الميليشيات الشيعية التي ينتقدها بارزاني بانتظام ولا تختلف عن المقاومات التي كانت في لبنان وقاومت شتى انواع الاحتلالات، إنها مقاومة أكثر مما هي عليه كجيش نظامي، بنظر كثيرين وحتى لو كانت كردستان حقاً قادرة على توحيد البيشمركة وأجهزة المخابرات، فماذا عن سلاح الجو؟

ـ الجيران: حتى لو بغداد واربيل تمكنوا من الاتفاق على الطلاق الودي واصبحوا اصدقاء من دون خلافات في المستقبل فماذا عن موقف تركيا وايران من اربيل؟ هم لا يحبذون فكرة استقلال كردستان، ولكن يمكن ان يعملوا معها، وتستمر تركيا خاصة، في احتلال اجزاء من اراضيها كما هي الحال الآن. ايران تخشى الاستقلال، وقد تفعل اي شيء لفشل كردستان. وبغض النظر عن ذلك، يمكن للاكراد ان ينجحوا في الاستفتاء احادياً ولكن يمكن أن تصبح كردستان المرحلة الأولى لمعركة بروكسي جديدة في الشرق الأوسط.

 

 

عدد كبير من الدول الغربية والشرقية، التي لديها ايضا مكونات عرقية، مذهبية، وطائفية مختلفة ضمن الدولة الواحدة، تماما مثل العراق و لبنان، عانوا ما عانوه من حروب وانقسامات مثل بلجيكا وسويسرا وغيرهم العديد، ولكن العامل الابرز الذي ادى الى وقف النزاعات والخلافات ضمن الدولة الواحدة، هو الحوار الودي والجدي، الصادق و الشفاف، بين جميع الاطراف وليست احادية العمل والقرار، وبالطبع ليس الحرب والدمار. فهذه الدول، وصلت الى الحل السليم و الصحي، فكونوا نظام كونفدرالي او فدرالي وحتى في بعض الاحيان اقليم (Autonomy) كبولزانو – بوزن  في ايطاليا. من حروب ومشاكل ونزاعات عرقية ودينية، الى دولة واحدة قوية غير مقسمة الى اجزاء واشلاء بل موحدة فعليا، حيث لكل مكون منها، عاداته، تقاليده، ديانته، ثقافته وحتى لغته. مثالا على ذلك ايضا، الامارات العربية المتحدة، حيث لكل امارة حكمها الذاتي، ولكل منها عاداتها وانفتاحها وطريقة عيشها. هذا هو جوهر وميزة التنوع في البلد الواحد.

 

ليس خطا ان يحكم كل شعب منطقته او اقليمه او كانتونه بحكم  ذاتي، حتى لو كان في بعض الاحيان هذا الحكم الذاتي مبني على اسس عرقية و مذهبية حيث لكل مكون من المكونات الحرية، الاحترام و الخصوصية في ممارسة عاداته، تقاليده، ديانته، لغته وثقافته… هذه هي الكونفدرالية والوحدة في بلد واحد. ولكن المشكلة والفشل الاكبر خاصة في بلداننا العربية يكمن في انشاء دول سيادية مستقلة بحد ذاتها قائمة على العرق، المذهب و الطائفة، فكيف بالاحرى اذا تم هكذا انفصالات و طلاق و تقسيم احاديا، بوجود خلافات و ازمات، ومن دون حوار وطلاق ودي؟

 

بالنهاية، وللذكر، سأل وطلب منذ ثلاثة عقود، احد الاطراف المسيحية المقاومة  في ذلك الوقت للفصائل الفلسطينية التي احتلت لبنان، الرئيس اللبناني الراحل كميل شمعون، عن ان الفرصة متاحة الان لان نقسم لبنان طالما نحن اقوياء ونجعل من قسم منه دولة “مسيحية” لنا لنعيش بامان و سلام. فامتعض الرئيس شمعون ولم يحبذ فكرة انشاء دولة “مسيحية” مستقلة، في حين كان في وسعه القبول (من ناحية القوة المارونية المسيحية في ذلك الوقت) واجابه قائلا: “عندما يتقسم العراق، كلنا  سوف نتقسم”. واضاف، “يتم التقسيم من الكبير الى الصغير”، وان كان هنالك تقسيم في بلداننا على اسس عرقية و مذهبية سوف يحصل من العراق ويمتد على جميع الدول العربية وصولا الى لبنان الصغير. فهل فكرة الانفصالات وانشاء دول مستقلة وسيادية على اسس عرقية، مذهبية و طائفية، علاج صحي وسليم لدول الشرق الاوسط؟ الجواب: كلا.

 

 

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

خبر عاجل