.jpg)
خاص “المسيرة” – واشنطن – العدد 1630
علاقة فاترة بين قصر بعبدا والبيت الأبيض
واشنطن تريد حقيقة تجنيب لبنان تبعات اللجوء
شكلت الإطلالة الدولية الأولى للرئيس اللبناني العماد ميشال عون من على منبر الأمم المتحدة، بعد غياب طوال ثلاث سنوات للرئاسة الأولى على صعيد تمثيل لبنان في الاجتماعات السنوية العامة للمنظمة الدولية، محور متابعة لكثير من الدول وللمراقبين إن في نيويورك أو واشنطن، من منطلق أن لبنان كان ولا يزال يحظى بالدعم الدولي لجهة دعم سيادته واستقلاله وقراره الحر، فضلاً عن الحرص الدائم على عدم هزّ استقراره الهش، من تداعيات أحداث المنطقة.
وهذا الاستقرار يجمع المراقبون على استمرار العناية الدولية والإقليمية به، لا سيما بالنسبة لتجنيب لبنان ويلات الدمار وعدم الاستقرار على حد سواء، فمن جهة هناك حرص على مواصلة رعاية الموجبات التي وضعها القرار الدولي 1701 الذي أنهى النزاع الذي اندلع في صيف العام 2006 بين إسرائيل و«حزب الله»، ومن جهة ثانية يشدد المجتمع الدولي على أهمية الاستمرار في إبعاد أي تمدّد لنار الحرب السورية إلى الساحة اللبنانية، على الرغم مما تتركه مشاركة «حزب الله» العسكرية والواسعة في هذه الحرب من ضغط كبير على لبنان ليس فقط على صعيد ما شهده من تهديدات إرهابية، بل لجهة ما تفرضه هذه المشاركة من تأثيرات سلبية على قرار لبنان السيد الحر.
تبعا لذلك لاحظت مصادر متابعة في واشنطن، أن المشاركة اللبنانية في الاجتماعات السنوية للأمم المتحدة اقتصرت فقط على بعض اللقاءات المحدودة للرئيس اللبناني، فضلاً عن القائه كلمة لبنان، أما وزير الخارجية جبران باسيل فأعلن صراحة أنه طلب عقد الاجتماع مع وزير الخارجية السوري وليد المعلم، فيما عقد لقاء بين باسيل والقائم بأعمال مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى السفير ديفيد ساترفيلد.
وسجلت هذه المصادر سلسلة ملاحظات في هذا السياق:
أولاً: هناك استغراب أميركي واضح لمسارعة وزير الخارجية اللبناني فضلا عما صدر من مواقف وأجواء في بيروت ردا على موقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب بخصوص قضية اللاجئين السوريين، فبعد القراءة المتأنية للترجمة من اللغة الإنكليزية لعبارة resettlement والتي تعني إعادة توطين، فإن الموقف الأميركي واضح لجهة تأمين بقاء اللاجئين والنازحين السوريين في الدول القريبة من سوريا لأنه بذلك تتوفر لهؤلاء الفرصة الأكبر للعودة إلى بلادهم بعد توفر الظروف المناسبة لتأمين هذه العودة والتي قد لا تتحقق أبداً في حال وصل هؤلاء اللاجئون إلى بلدان بعيدة عن وطنهم الأصلي، وبالتالي تسأل المصادر المتابعة في واشنطن، كيف أن لبنان وحده من بين دول الجوار المعنية باللجوء فسّر ما قاله الرئيس الأميركي على هذا النحو دون غيره من الدول، وانبرى عدد من مسؤوليه إلى الرد على الموقف المعلن والثابت للولايات المتحدة، وهي التي وقفت دائما وتقف إلى جانب دعم لبنان ومؤسساته السياسية والعسكرية، وقدمت المساعدات إليه منذ اندلاع النزاع السوري وحتى اليوم. وتذهب المصادر بعيداً في القول إنه حتى لو شعر عدد من الدول ومن بينها لبنان أن هناك توجها دولياً وأميركياً لبقاء اللاجئين السوريين حيث هم في دول اللجوء عندها يمكن تفهم ربما موقف الدول الرافضة لهذا التوجه أما البناء على ترجمة غير صحيحة لعبارة وردت في خطاب الرئيس الأميركي في الأمم المتحدة، للرد عليه، فإنه أسلوب لم تقدم عليه حتى الدول التي تكن العداء للولايات المتحدة؟
.jpg)
ثانياً: أما بالنسبة لمسألة التنسيق مع النظام السوري من أجل ضمان عودة النازحين السوريين من لبنان إلى بلدهم، فهي قضية تتابعها في الأساس الأمم المتحدة وكل المنظمات الإنسانية التابعة للمنظمة الدولية التي واكبت قضية اللجوء منذ أن بدأ النظام السوري بذاته تهجيراً طائفياً عرقياً عن قصد وعن سابق تصور وتصميم تحت شعار وخطط قيام ما اصطلح على تسميته بـ«سوريا المفيدة النظيفة»، وبالتالي فعلى هذا الأساس لا تستوجب هذه القضية اتصالاً مباشراً بين أي دولة وسوريا، لا سيما وأن المعنيين بالمسألة هم السوريون أنفسهم أي طرفا الصراع (النظام والمواطنون)، وأما اليوم وبعد سلسلة من اتفاقات مناطق خفض التصعيد التي أنتجتها اجتماعات آستانة، فإن المنظمات الدولية تحديداً كل في مجالات اختصاصه هي التي تولت الاتصال مع الجهات الفاعلة في الأرض السورية ومع النظام السوري أيضاً من أجل تنسيق عودة بعض اللاجئين والنازحين إلى قراهم ولم تحتج هذه القضية إلى تنسيق ثنائي بين هذه الدولة أو تلك، وعليه فإن حجة البعض في لبنان من قوى الثامن من آذار أو الذين يدورون في فلك «حزب الله» ودفاعهم عن ضرورة الاتصال مع النظام السوري لتأمين عودة النازحين حجة ساقطة حكماً وفق المفهوم الدولي، فالمعنيون بالمشكلة هم السوريون بالدرجة الأولى فلو أراد وعبّر النظام عن نيته الصريحة بعودة مواطنيه إلى بلدهم الأم فبإمكانه الطلب من الأمم المتحدة تنفيذ هذه المهمة، كما هو حاصل اليوم في عدد من المناطق كما أن المنظمات الدولية المعنية هي التي تنسق مع النظام السوري في هذا الشأن طالما أن التنسيق يفرض نوعاً من الاتصال اللوجستي التقني الذي يضمن عودة اللاجئين، وبالتالي ليس هناك من مبرّر لأي اتصال على المستوى السياسي أو المستوى الثنائي بين دولتين، على سبيل المثال بين لبنان وسوريا، فطالما أن نظام الأسد بعدما هجّر بنفسه الشعب السوري يقبل اليوم أو يزيل العقبات أمام عودة المواطنين السوريين إلى ديارهم فهذه مسألة لا تحمل نزاعاً ثنائياً بين دولتين لكي تفرض بالتالي قيام تنسيق بينهما على هذا الصعيد طالما أن المعني الأول بها هم السوريون، من هنا يأتي دور الأمم المتحدة في تسهيل عودة هؤلاء واتخاذ الإجراءات اللازمة مع كل من يعنيهم الأمر داخل سوريا وليس خارجها، وأن الدول التي تستقبل اللاجئين او النازحين لن تمانع حكماً في توافر مثل آلية هذه العودة عبر قنوات المنظمات الدولية.
ثالثاً: أما بالنسبة لغياب رئيس الجمهورية اللبناني عن حفل الاستقبال الرسمي الذي يقيمه عادة الرئيس الأميركي في اليوم الأول من افتتاح أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة على شرف رؤساء الدول المشاركة، ولئن فسرته مصادر في بيروت بأن أسباباً لوجستية حالت دون مشاركة الرئيس عون بهذا الحفل، إلا أن هذا الأمر يعبّر حقيقة عن طبيعة «العلاقة الفاترة جداً» بين الرئاسة اللبنانية والإدارة الأميركية الحالية، وتبعاً لذلك لم يتم طلب عقد أي لقاء بين الرئيس اللبناني ونظيره الأميركي، أو حتى بينه وبين وزير الخارجية الأميركي، كما أن واشنطن بحسب معلومات المصادر المتابعة هنا في العاصمة الأميركية لم تكن في وارد تحديد مثل هذه اللقاءات تبعاً لما يعبر عنه «الطرفان الرئاسيان» من مواقف مسبقة تجاه سلسلة من القضايا، ويربط عارفون بالموقف الأميركي هذا الفتور في العلاقة على خط بعبدا – البيت الأبيض بموقف الرئاسة في لبنان الداعم لـ«حزب الله»، والمؤيد ضمنياً للنظام السوري، باعتبار أن الولايات المتحدة تدرك حقاً أن لبنان لا يطبق فعلياً سياسة النأي بالنفس عن النزاع السوري الذي طالما نقضها «حزب الله» نفسه قبل أن يجف حبر الإعلان عنها، وطالما أن هذا الحزب يحظى اليوم بالتغطية السياسية من جزء من المنظومة الرسمية في لبنان. كما أن الاستعاضة عن اللقاءات على هذا المستوى بالاجتماع بين باسيل وساترفيلد، وعدم حصوله بين الرئيس والمسؤول الأميركي بذاته، يعود إلى الكيمياء المتباعدة بين عون وساترفيلد بعد المناصب الدبلوماسية التي شغلها السفير ساترفيلد لبلاده في لبنان.
ومن هذا المنطلق وفي موضوع آخر، ولئن حالت عقبات تقنية حتى الآن دون سلوك تعيين غبريال عيسى القريب من الرئيس عون سفيراً للبنان في واشنطن، القنوات الدبلوماسية المعهودة بين لبنان والولايات المتحدة، إلا أن إطالة مدة إزالة هذه العقبات قد يفسر على أنه موقف أميركي إضافي على خط هذه العلاقة الفاترة.
رابعاً: بات واضحاً بحسب المصادر المتابعة هنا في واشنطن، كيف أن وزير الخارجية اللبناني تغيّب عن الاجتماع الذي نظمته الممثلة العليا للسياسة الخارجية والأمن في الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغريني حول الأزمة السورية داخل الأمم المتحدة، يوم الخميس في الحادي والعشرين من أيلول وهو اليوم الذي ألقى فيه الرئيس اللبناني كلمة لبنان الرسمية أمام أعمال الجمعية العامة للمنظمة الدولية حيث كان الوفد اللبناني مكتملاً في هذا اليوم، وبالتالي إقتصر الحضور اللبناني في هذا الاجتماع على مندوب لبنان لدى الأمم المتحدة السفير نواف سلام، في حين كان عدد من وزراء خارجية المنطقة يتحدثون عن انعكاسات الأزمة السورية ومشكلة النزوح ومنهم وزراء الخارجية التركي والعراقي،والإيراني، وغيرهم والأمين العام للجامعة العربية، فيما ألقى المندوب اللبناني كلمة مقتضبة في هذا المجال، وبالتالي بحسب هذه المصادر كان يفترض على لبنان المعني بقضية اللجوء والنزوح أن يكون حاضراً بشكل أفعل في هذا الاجتماع الدولي لكي ينقل مخاوفه وقلقه مباشرة إلى الحضور الدولي والعربي داخل الأمم المتحدة.
وللمزيد من التوضيح حول الموقف الأميركي من قضية اللاجئين والنازحين السوريين، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية خلال هذا الاجتماع الذي مثلها فيه القائم بأعمال مساعد وزير الخارجية المسؤول عن مكتب مصلحة السكان والهجرة واللاجئين في وزارة الخارجية سايمون هانشو أنه حفاظاً من الولايات المتحدة على التزامها الثابت بتوفير الدعم المنقذ للحياة لسكان سوريا المتضررين من النزاعات التي تشهدها البلاد، رصدت المزيد منا لمساعدات الإنسانية الإضافية بقيمة تتخطى 697 مليون دولار. وبذلك تصل المساعدات الإنسانية التي قدمتها واشنطن إلى ما يقرب من سبعة مليارات وأربعمئة مليون منذ بداية الأزمة السورية في العام 2011. وأكدّت الخارجية الأميركية أن هذه المساعدة تعكس استمرار كرم الشعب الأمريكي والولايات المتحدة والالتزام الأمريكي المستمر بالمساعدة في معالجة حجم المعاناة والاحتياجات الإنسانية العاجلة التي لم يسبق لها مثيل.

وتدعم المساعدة الإنسانية التي تقدمها الولايات المتحدة عمليات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى والمنظمات غير الحكومية العاملة في مختلف أنحاء المنطقة. ومن خلال هذا الدعم، تواصل الولايات المتحدة تقديم الغذاء في حالات الطوارئ والمأوى ومياه الشرب المأمونة والرعاية الطبية العاجلة وأنشطة الحماية الإنسانية وغيرها من الإغاثة العاجلة لمساعدة 13,5 مليون شخص يعانون داخل سوريا في أنحاء المحافظات الأربع عشرة، مما يسهم في إنقاذ الأرواح وتخفيف المعاناة الإنسانية وسط التهديدات اليومية بالعنف والحرمان .وسيساعد التمويل الجديد أيضاً في تخفيف أثر الأزمة على الحكومات والمجتمعات في مختلف أنحاء المنطقة التي تكافح للتكيف فيما تستمر في استضافة خمسة ملايين لاجئ سوري بسخاء.
وفصلت الخارجية الأميركية تحديداً حجم المساعدات الإنسانية الأميركية للأزمة السورية بحسب البلد، حيث أوضحت أن لبنان حصل على حوالي 29 مليون دولار مساعدات، وأكدّت أن الإعلان عن زيادة حجم المساعدات سيوفر دعماً إضافياً لأكثر من مليون لاجئ من سوريا يعيشون في لبنان والمجتمعات المضيفة اللبنانية الضعيفة. تقدم المساهمة الأمركية الإضافية الدعم المالي الأساسي للاجئين، والطعام، والرعاية الصحية، بما في ذلك الرعاية المنقذة للحياة وتطعيمات الأطفال، وتحسين المساكن في المستوطنات غير الرسمية والمأوى دون المستوى، والحصول على مياه الشرب المأمونة للاجئين السوريين والمجتمعات المضيفة اللبنانية. ويدعم التمويل أيضاً عمليات الطوارئ والجراحة الترميمية للجرحى بالأسلحة، بمن فيهم الأطفال الصغار الذين تم إجلاؤهم إلى المرافق اللبنانية.
في أي حال يعتبر المراقبون هنا في واشنطن أن خطوط الموقف الأميركي تجاه لبنان ستبقى ثابتة من حيث دعم إستقلال لبنان وسيادته والمؤسسات فيه، وبالتالي مساعدته في تثبيت سلطات الدولة على كل الأراضي وفي جميع الأصعدة وعندها تتأمن المصلحة اللبنانية العليا وينأى لبنان بنفسه حقيقة قولاً وفعلاً عن أزمات المنطقة.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]