
نحن هنا – كتب رئيس جهاز الإعلام والتواصل في “القوات اللبنانية” شارل جبور في “المسيرة” – العدد 1630:
من الظلم مقارنة وضع ما بعد 26 نيسان 2005 بما قبله، اي مقارنة مرحلة الاحتلال السوري بالمرحلة التي تلتها وما زلنا في صددها، وذلك لسبب بسيط وأساسي وهو ان القرار اللبناني الرسمي كان في زمن الاحتلال السوري ممسوكا بيد من حديد من قبل الاحتلال، فيما كانت بعض الأصوات المعارضة متروكة من ضمن سقف محدد، أما القوى المعارضة الفعلية فكانت معتقلة وملاحقة.
فالرؤساء الثلاثة ومجلسا النواب والوزراء كانوا يدورون في الفلك السوري، والأهم ان الموقف الرسمي اللبناني كان نسخة طبق الأصل عن الموقف الرسمي السوري، فلا تمايز ولا تمييز والقرار في دمشق لا في بيروت، وكانت ثلاثية الجيش السوري “شرعي وضروري وموقت” هي القاعدة التي يتم إبلاغها إلى عواصم القرار الغربية التي كانت تثير بين الفينة والفينة مع لبنان الرسمي مطلب المعارضة اللبنانية السيادية بضرورة خروج جيش الاحتلال السوري، فكانت تواجه بتلك الثلاثية الخشبية التي سبقت الثلاثية الخشبية الحالية “جيش وشعب ومقاومة”، مع فارق ان الأخيرة غير رسمية او تعبر بالحد الأدنى عن جزء وقسم من لبنان الرسمي تجسيدا للبيان الوزاري الذي يزاوج بين النصوص السيادية وغير السيادية انعكاسا لميزان القوى القائم والحكومات الإئتلافية.
فالموقف اللبناني الرسمي اليوم ليس فقط غير خاضع لـ”حزب الله” إنما مغاير تماماً لموقف الحزب، حيث ان الدولة لا تتبنى وجهة نظره بل تؤكد باستمرار ان موقف الحزب لا يعبر عن موقف لبنان الرسمي خصوصا عندما يهاجم دول صديقة للبنان أو يخرج بمواقف تتناقض مع ثوابت الدولة اللبنانية.
فالموقف الرسمي شيء وموقف “حزب الله” شيء آخر مختلف تماماً، وهذا الأمر لم يكن نفسه في زمن الاحتلال السوري حين كان الموقف الرسمي في خدمة الاحتلال السوري. فكل لبنان كان خاضعا للنظام السوري، فيما “حزب الله” عاجز عن استنساخ تجربة الاحتلال السوري، الأمر الذي يفسر تأليف حكومات إئتلافية تجمع “حزب الله” وخصومه، وبيانات وزارية تزاوج بين منطق الحزب ومنطق خصومه، وهكذا دواليك.
والنظام السوري كان يمسك بمفاصل البلد ويهندس التوازنات الداخلية التي كانت تحت السقف السوري، فيما “حزب الله” هو جزء من التوازن القائم وفي اللحظة التي قرر فيها رعاية التوازنات وهندستها على غرار التجربة السورية كادت البلاد تدخل في حرب أهلية، وأما مرد ذلك فعائد لكون الحزب يمثل حالة واسعة من جماعة محددة، ولكن هذه الجماعة او بالأحرى هذه الحالة لا تختصر البلد ولا تستطيع إلغاء ولا إخضاع الجماعات الأخرى.
ولكن “حزب الله” يمثل معادلة مستحيلة: فهو ليس في وارد تسليم سلاحه، فيما نزع سلاحه بالقوة مستحيل، واي محاولة في هذا الاتجاه تدفع الوضع الى الحرب والاقتتال الداخلي، وبالتالي الحل المرحلي المتاح بانتظار ان تنضج التسوية الكبرى في المنطقة هو الحفاظ على التوازن في السلطة وعدم المس بالستاتيكو القائم، واي طرف يحاول تغيير الستاتيكو والإطاحة بالتوازن سيتحمل أمام الرأي العام مسؤولية جر البلد إلى أزمة وطنية قد تتطور إلى حرب.
وهذا الوضع بخلاف ما يعتقد البعض هو أفضل الممكن في المرحلة الحالية لناحية الاستقرار القائم أولا، والموقف اللبناني الرسمي غير المتأثر بـ”حزب الله” ثانيا، والتوازن داخل الحكومة ثالثا، والستاتيكو الراهن رابعا، وبالتالي المعادلة التي تحكم المرحلة اليوم هي الموازنة بين العناصر الأربعة الآنفة الذكر، وبين تسليم “حزب الله” بتلك الرباعية، ولكن في اللحظة التي سيسعى فيها الحزب إلى هز شباك الرباعية سيدخل لبنان في أزمة وطنية.
ومن لديه الخيار الأفضل او البديل فليتفضل.
كثيرون اعتقدوا أن جيش النظام السوري سيبقى في لبنان الى الأبد. ولكن في النهاية انهارت مقولة “ضروري وشرعي وموقت” وغادر عهد الوصاية لبنان صاغرًا لتبقى مقوّمات الدولة التي تحتاج الى رفع موروثات ذلك العهد. وكثيرون يعتقدون اليوم أن ثلاثية حزب الله “جيش وشعب ومقاومة” ستبقى. ولكن كما انتهت تلك الثلاثية ستنتهي هذه، لأن الدولة هي التي ستبقى ولن تدوم إلا ثلاثية “الجيش والشعب والدولة”، ولن تكون مقاومة إلا من أجل قيام هذه الدولة.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com
