
لبناننا بلد “رسالة” لكلّ الأوطان لا سيّما في منطقة تغلي من حوله. وما يشاع بأنّ حملة التّفتيت للشّرق الجديد باتت على قاب قوسين، وأن ما تشهده السّاحات العربيّة من استفتاءات انشقاقيّة ومن حروب انفصاليّة ومن اضطرابات انقساميّة، هو خير دليل. فهل سيخضع لبنان على اختلاف أطيافه لهذه الإنقسامات، لا سيّما أنّ طبيعة الإختلاف قد ولّدت في هذا البلد خلافات وصلت إلى حدّ الدّمويّة عبر التّاريخ؟ أم أنّ منطق العيش معًا سيغلب كلّ المخطّطات المرسومة لتفتيت المنطقة؟
إنّ نظريّة صراع الحضارات التي أطلقها المفكّر صمويل هنتنغتون في القرن الماضي تستعِرُ مفاهيمها اليوم في عصرنا. لذلك نحن بأمسّ الحاجة إلى لغة الحوار التي يجب أن تفضي إلى وضع أسس أخلاقيّات العيش المشترك التي باركها الدّستور في لبنان. لذلك، يجب أن يشكّل لبنان النّموذج في حال نجح في الحفاظ على حقيقته الثّابتة التي كلّفت استشهاد فخامة ودولة رئيس، وقافلة لم تُعرَف نهايتها بعد من الشّهداء القديسين الأحرار.
لن تحارَب هذه الثقافة الجديدة التي تجتاح منطقتنا إلا بثقافة الحوار الحرّ حول الحقيقة الثّابتة. نحن قوم اعتدنا على أن نقول الحقيقة مهما كانت صعبة. لذلك، ما نطلبه في الحوار معنا أن يقول الآخر الحقيقة التي يريدها من دون مواربة أو شكّ لا بنوايانا، ولا حتّى بإخفاء نواياه الحقيقيّة. لكن للأسف هذه المسألة في لبنان هي مسألة نسبيّة، فالحقائق المخفيّة التي يضمرها آخرون تجاهنا هي السّبب الرّئيس في عدم إيجاد المساحات المشتركة التي تسمح بالعيش معًا بطريقة سلميّة وسليمةٍ.
فالحوار المطلوب ليس عقائديًّا، بل جلّ ما نطلبه الحوار حول القضايا الإجتماعيّة الحياتيّة اليوميّة لنفهم الآخر من دون أن يخفي هذا الأخير حقيقته عنّا. وبالمقابل لسنا بحاجة لأن نتلوّن لنكسب مودّة الآخر واحترامه. لسنا بحاجة لأن نمسحِن الحسين أو النّبي محمّد ولا بأنّ نُحَسْيِن المسيح أو نُحَمِّد القدّيس شربل لأنّه بذلك لن نكسب ثقة ومودّة الآخر المختلف. فمراسم عاشوراء وتقاليدها هي لأهلنا الشّيعة الذين نجلّ ونحترم عقيدتهم، تمامًا كما لنا نحن مراسم الأسبوع العظيم والقيامة. والقضيّة هنا ليست في كسب بعض الأصوات غير المسيحيّة في دائرة مسيحيّة للوصول إلى النّدوة النّيابيّة. فهذه قمّة في التّزوير والغشّ الأخلاقي.
إنّ منطق العيش معًا يجب أن يتغلّب على كلّ الإختلافات وذلك لنستطيع أن نبني لبنان الغد. فلبناننا كتبه جبران في نبيّه وغربله نعيمة في غرباله. وصراحة النّبي هذه المطلوبة. فمكاشفة الحقيقة من قبل الجميع هي المطلوبة. وما هو غير مطلوب التّطابق الكاذب. المطلوب البحث عن الغنى في التّراثين الحضاريّين لنُغنيَ لبنان. ولإسقاط هذه الأشباح الإنقساميّة عن لبنان يجب إبعاد الدّين عن السياسة، وجعله فقط في خدمة النّاس وليس العكس.
هذه هي الطّريقة الفضلى لنتغلّب على المخطّطات الإنقساميّة التي تعصف رياحها في المنطقة. ماذا وإلا سنُجرَف مع هذه الرّياح. فهل سيبقى الحوار ممنوعًا والشّتم العلنيّ مسموحًا؟ وهل سيصبح لبنان نقطة ارتكاز جديدة في الخارطة الجديدة التي يُشاع بأنّها باتت شبه جائزة؟