#adsense

قصة مشهدية قداس الشهداء أيلول 2017… ماذا قال طلال حيدر لسمير جعجع؟

حجم الخط

 

 

 

كتبت جومانا نصر في مجلة “المسيرة” – العدد 1630:

دائما كانت هناك قصة تروى للشهداء في القداس الذي يقيمه حزب «القوات اللبنانية» لشهداء المقاومة اللبنانية مع كل طلعة أيلول. دائما كان هناك حوار مع الشهيد من خلال مشهدية، أو حوار أو حتى في أغنية أو نشيد يتردد صداه في كل مكان وزمان. ذاك الحوار كان يختصر إلى حد ما  شعار القداس – النذر الذي يكلل سنويا شهر أيلول بقطرات الإيمان والوفاء لشهدائنا. لكن مشهدية قداس الشهداء 2017 كسرت التقليد واختصرت عصارة حوار كان لا بد أن يكون. حوار المصارحة والمصالحة بين الشهيد والشهيد وبين الشهيد والمشككين بجدوى استشهاده وبين الشهيد ومن لم يتصالحوا بعد على مفهوم الشهادة.

في ذاك القداس وقف الكبير رفعت طربيه على خشبة المسرح. وصارح الشهداء بحوار كتبه «ذاك الآتي من المقلب الآخر» الشاعر طلال حيدر وخاطب رئيس الحزب والشهداء وأهاليهم بكلمات لم تخرج إلى العلن لأسباب تقنية. كلمات من القلب نكتبها للشهداء والتاريخ.

أسدلت الستارة. انتهى القداس السنوي؟ لا ما انتهى.

 

 

ذاك المساء في العاشر من أيلول 2017 كانوا معنا فوق، في معراب يصلون لنا لأمهاتهم لأولادهم لعائلاتهم ولكل من وقف على قبر شهيد وصلى. انتهى القداس ومنح الكاهن بركة الختام. فجأة دخل عملاق المسرح رفعت طربيه المشهدية. كثر انتظروها لأن تفاصيلها بقيت تحت الضوء ولم يعلم بتفاصيلها حتى لحظة تجسيدها على المسرح إلا عدد قليل من منظمي القداس الإحتفالي وأبطالها.

في نهاية المشهدية كان يفترض أن يعتلي خشبة المسرح كاتب كلماتها التي تضمنت أغنيتين، الشاعر طلال حيدر ويلقي كلمة قبل أن يؤدي التحية مع أبطالها. لكنه اعتذر بحجة أنه سيكتفي بما صرّح به قبل أيام ضمن برنامج “نجوم الضهر” عبر إذاعة “لبنان الحر”.  لكن المشهد على الأرض حرك في داخل الشاعر طلال حيدر الكثير من المشاعر وأبطل كل الكلام الذي اتفق عليه وراء الكواليس مع منظمي الإحتفال. فكانت الكلمات التي خاطب بها الشهداء والحكيم. كلمات لم يصدح صداها ولم يسمعها حتى الحضور كما المشاهدون عبر شاشات التلفزة التي كانت تنقل القداس مباشرة، لأسباب بحت تقنية إذ لم يكن مقررا أن يلقي كلمة نزولا عند طلبه. فكانت كلمات ليست كالكلمات: «يا حكيم، هيدا الحديث اللي سمعتو اليوم محفور بقلبي من زمان. أنا جايي من المقلب الآخر، جايي قلك اشتهيت كون شهيد بالقوات اللبنانية… نيالن». نظر طلال حيدر في عيني الحكيم وأهالي الشهداء. حدّق بها مليا. ألقى تحية الختام وعاد إلى صفوف الجمهور، إلى أهالي الشهداء، إلى الشهيد نفسه الذي خاطبه بالصوت والكلمة. ولم تسدل الستارة بعد على مضمونها.

على مدى 12 عاما كانت المشهدية التي تلي قداس أيلول السنوي لشهداء المقاومة اللبنانية محصورة بأطر مفهوم الشهادة. «بكل مرة منحاول نختصر مفهوم الإستشهاد من خلال نشيد أو مشهدية ونجاوب على سؤال بعض المشككين: ليش استشهدوا وكرمال مين ولشو؟ والأهم إنو نكسر الحاجز بين الشهدا والناس اللي من أجلن، من أجلنا استشهدوا. ما كان فينا نروح لمطرح تاني لأنو أيا فكرة بدا تكون من خلال العلاقة مع الشهدا». بهذه الكلمات يختصر رئيس جهاز الأنشطة في حزب «القوات اللبنانية» إيلي يحشوشي الصراع الذي يعيشه مع الفريق المسؤول عن تنظيم القداس السنوي لإعطاء هذا النذر حقه على المستوى الروحي والنضالي والفني. ويضيف: «على مدى الأعوام السابقة كان حزب «القوات اللبنانية» يعمل بصمت وهدوء وثبات وإصرار للوصول إلى مفهوم الدولة القوية. الخطوة الأولى كانت من خلال تفاهم معراب والمصالحة وصولا إلى انتخاب رئيس جديد للجمهورية وإقرار قانون إنتخابي جديد والمشاركة في الحكومة من خلال أربعة وزراء».

خطوات كلفت الكثير من النضال والمثابرة ولا تزال هناك الكثير من الخطوات للوصول إلى تحقيق الهدف المتمثل بالجمهورية القوية  لكن الهاجس الأساس بقي هناك عند الشهداء. صحيح أن المشهديات التي قدمت على مدى الأعوام السابقة كانت تروي قصة للشهداء وعنهم، وتختصر العلاقة المميزة بين الشهيد وأهله ومحيطه وكل من استشهدوا من أجلهم، «بس كنا شوي خجولين بالتعاطي معن». يقول يحشوشي ويضيف: «بس هالمرة كنا أكتر صراحة. هالمرة صار فينا نقلن بلش حقكن يوصل، صلّولنا».

قبل ثلاثة أعوام بدأت خيوط المشهدية التي ترجمت العلاقة مع الشهداء تُحبك في مخيلة إيلي يحشوشي، إلى أن دقت الساعة. ساعة المصارحة بعد المصالحة. وهنا يعود يحشوشي إلى قداس العام 2011 يوم كان الفنان عبدو ياغي يؤدي دور والد الشهيد في المشهدية التي تلت القداس الإحتفالي في معراب حيث صدح صوت الشهيد قائلا: «يا بيي نحنا علقانين بين السما والأرض. شو بدنا نعمل؟». تلك الكلمات حفرت وجعا كبيرا خصوصا أنه على رغم كل جلسات المصارحة التي كانت تترجم في كل قداس إلا أن المطلوب كان المصالحة بين الشهيد ومحيطه، بين الشهيد والشهيد. فكيف تمت ترجمة الفكرة؟

«كما ذكرت الفكرة موجودة منذ ثلاثة أعوام ولطالما تكلمت عنها مع صديقي الموزع الموسيقي والمايسترو إيلي العليا وكان يقول «يلّلا شو ناطر؟» إلى ان دقت الساعة. والتوقيت لم يأت عبثا إنما هو نتيجة سلسلة الخطوات التي حققها حزب «القوات اللبنانية» بدءا من تفاهم معراب وصولا إلى تشكيل حكومة تضم أربعة وزراء قوات. وحتى تستحق هذه المشهدية صفة المصارحة مع الشهيد كان لا بد من عمل مميز يخرج عن إطار الأغنية أو النشيد فكانت فكرة الحوار الكلامي. وبعد نضوجها اتصلت بعملاق المسرح رفعت طربيه الذي تربطني به علاقة صداقة قوية وهو إبن القضية وعرضت عليه الفكرة فبدا شديد الحماسة لكن المشكلة كانت في الكلمة التي سيجسدها رفعت طربيه أداء. فقال لي رفعت: «ما إلك إلا (الشاعر) طلال حيدر، أو الفيلسوف كما أسميه. وقبل أن يكمل رفعت كلامه اتصلت بالشاعر طلال حيدر وكان أيضا متحمسا للفكرة وأذكر أنه قال: «بدي إتشكرك لأنو عم تعطيني فرصة حتى خاطب الشهدا».

جملة أفكار طرحت خلال اللقاء الذي عقد قبل 3 أشهر من تاريخ القداس في 10 أيلول وجمع الشاعر طلال حيدر وعملاق المسرح رفعت طربيه والمايسترو إيلي العليا ويحشوشي. «كنا عم نطرح أفكار إلى أن التقينا على فكرة إنو تتضمن المشهدية ديو غنائي أو تريو، وحوار مع الشهيد بيأديه رفعت على المسرح». بعد ثلاثة أيام رن هاتف إيلي يحشوشي. على الخط الشاعر طلال حيدر: «ما بخفي عليكي، بلحظتا فكرت إنو طلال بدو يعتذربس كانت المفاجأة بس قللي: وينك؟ قلتللو بالمكتب خير طمّني؟ قللي؟ بتحب تسمع الحوار؟ كتبتو بنفس الليلة بعد ما رجعت من لقاءنا». وأردف قائلا: «بس بالمقابل بدي إطلع ع معراب وشوف الحكيم».

المشهدية بكاملها كانت بمثابة حوار يحاكي الشهيد ومصارحة بين الشهداء وأهل الأرض. وتضمنت أغنيتين الأولى بعنوان: «بدنا نكمل» وهي عبارة عن ديو بين الفنان زين العمر وميا حداد ألحان وتوزيع المايسترو إيلي العليا، والأغنية الثانية بعنوان «الله ولبنان» أداها الفنان نقولا الأسطا ومن ألحان وتوزيع العليا. بالإضافة إلى الحوار الخاص برفعت طربيه.

في معراب كان اللقاء الفني والروحي الراقي الذي ضم إلى رئيس حزب «القوات اللبنانية» الدكتور سمير جعجع الشاعر طلال حيدر ورفعت طربيه ويحشوشي. وفي معراب قرأ طربيه للمرة الأولى المشهدية على مسامع الدكتور جعجع والحضور ولم يكن تم تقطيعها وتوزيعها. غادرنا معراب. وقبل أن يودعنا بادرنا طلال بالقول: «أنا أنجزت مهمتي. كفّو شغلكن». وبدأ العمل. فتولى المايسترو إيلي العليا تقطيع المشهدية «وهنا لا بد من الإعتراف بالإبداعية التي تفوّق بها العليا حتى على نفسه في مسألة تقطيع المشهدية وتوزيعها بين أغنيتين ومشهدية حوارية. واتفقنا على أن تكون البداية مع أغنية «الله ولبنان» ويعتلي بعدها رفعت المسرح ليخاطب الشهداء. بعدها أغنية «بدنا نكمل» ثم يعود رفعت إلى المسرح ليدخل مع المجموعة في المشهد وتقفل المشهدية».

المشهدية التي أطلق عليها إيلي يحشوشي عنوان «ورد أيلول» تم تجسيدها من خلال توزيع الورود الحمراء على الحاضرين واستكمالا لمضمونها الذي يرمز إلى المصارحة والمصالحة مع الشريك تم إشراك كل شرائح المجتمع لإيصال رسالة إلى الرأي العام مفادها أن «القوات» هي جزء من كل شرائح المجتمع وطبقاته الإجتماعية. حتى الحوار كان أكثر من شفاف: «خبرنا الشهيد شو صار ع الأرض من خلال الراوي رفعت طربيه بدءا من مصالحة معراب مرورا بانتخاب رئيس جديد للجمهورية وصولا لإقرار قانون إنتخابي جديد. وهنا جاء الرد من الشهداء من خلال أغنية: «الله ولبنان».

يا ألله إلى هذه الدرجة ما زالوا يؤمنون بلبنان؟ الجواب واضح «بدنا نكمل» مما يؤكد على تمسك الشهداء كل شهداء المقاومة المسيحية بإيمانهم وعقيدتهم. تراهم ارتاحوا؟ الجواب في المقطع الختامي من المشهدية حيث يلتحم الشهداء وأهل الأرض ويشبكون أياديهم بعضهم ببعض وتصدح الكلمات: «نحنا شبكنا الأيادي تا نخلص لبنان».

أسدلت الستارة لكن المشهدية لم تنته. فالوفاء لشهدائنا مستمر مع كل طلعة شمس. صارحناهم في الأعوام السابقة؟ صحيح. تصالحنا معهم لينعموا بسلام أكبر في 2017؟ أيضا صحيح. ومن فوق المساحات اللامتناهية صرخوا: «نحنا استشهدنا لنخلص لبنان. ودمنا ما راح هدر».

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل