
ليس لأنه أيلول سُمي أيلول الشهداء، لا ورقه الأصفر ذاك المنهمر حنينا وحده العلامة، ولا تلك الإشارات الحمراء الموشّحة بالبنّي المؤذنة الى رحيل ما، هي وحدها الأحساس بفائض الحنان، ولا هي تلك الأيام المهرولة صوب الأفول هي باب العناق الحار وتلك المشاعر، هي المواسم، نعم، الآن عرفتُ الإجابة، هي المواسم وسطوح المؤونة والكوارة الغافية بحضن ستي عند ذاك الضياء المشع ذكريات، هو التراب حين تبلله آخر أيام الصيفية بأول قطرات السماء، هو عبق الأرض وعندما نحكي العبق نقول الشهداء، نقول إن صيفهم أيلولهم الذي ضج بصورهم وحكاياتهم، هو كذلك وسيبقى لأنه أيلول المواسم وهم موسم العنفوان الدائم، هم بَرَكة التراب نعمة السماء، شهداؤنا بعد ما خلص أيلول…
أفلفش الصور، يعبق البخور، الكثير من الورود الحمر هنا وهنالك وهناك. لم يكن أيلولا عاديا، فلفشنا في دفاتره الكثير الكثير من الحكايات والصور والمواقع والحنين. لم نفتح قبرا ، لم نفعلها يوما اذ نعرف ان ما عندنا ساكنو قبور، لكن فتحنا كتب النصر والاستشهاد والحكايات، وضعنا الورود، الكثير الكثير منها ليس على بلاطات رخام باردة آيلة للحطام والاندثار، وضعنا الورود، الكثير منها عند أقدام الرب يسوع، تحت الصليب تماما، عند جسده ورائحة نبيذه المعتق بدمه، وتشاركنا، جميعا في كل تلك المساحات بوليمة الولائم، خمر يسوع وخبزه ونوره وناره أيضا.
.jpg)
كل شيء كان استثنائيا في أيلول ذاك، تصوروا مشينا معا نحو المذبح، التفتنا فوجدنا ان رمزي عيراني سبقنا إليه، نظرت خلفي فوجدت كيروز بركات، لحقه سليم معيكي، بجواره تماما سمير وديع، لم يتأخر النائب أنطوان غانم ومرافقه بيار ضو في اللحاق بهم، وإذ بنديم عبد النور يهرول مسرعا لتناول يسوع، كان الشيخ بشير ينتظر جانبا مراقبا، عاقد الحاجبين مترقبا،واذ به تنفرج أساريره، ها هم شهداء زحلة يعبرون بسلام، لم ينقص أحد، لم يزاحموا أحدا، كانوا بين الناس يتسللون كنفحة ريح ناعمة، تبعهم شهداء الأشرفية، الشمال، كسروان، جبيل، القاع، دير الأحمر، الدامور، الجبل، البقاع الغربي… هكذا وبسلاسة توزعوا على لبنان، في القداديس، في الورد المتناثر، في الذكريات، في النضال الآتي بعد، الآتي بعد ويبدو أنه لن يتوقف قريبا لتحقيق ما استشهدوا لأجله، لبنان حر حقيقي كبير صغير حنون واسع بوسع الكرامة والحب.
.jpg)
من معراب الى كل الساحات توزعت اللقاءات، قد نقول القداديس لكن في القداس كان اللقاء مع أول الثوار الشهداء وأكثرهم شبابا، يسوع المسيح، وصولا للقاء بنا ومعهم. كان ثمة الكثير من تلك الدموع المترقرقة على خدود الزمن الذي حُفر شوقا في مآقي الأمهات والآباء والأهل والرفاق، غريب كيف يمكن لدمعة، مجرد دمعة، أن تعكس عمرا من الشوق والحنين والشجن الذي بدأ حزنا كبيرا لا يوصف، وصار شجنا رقراقا ناعما مشبعًا بالحنان والرجاء والشوق الى حضن من غاب عن العيون لكنه سكنها، شهيدًا.
من معراب انطلقت الاحتفاليات على وقع رومانسية أيلول، وهل في الحزن رومانسية؟ نعم. نغمة أيلول رشفة من فنجان شوكولا ساخن في قهوة رصيف والشجر من قربها ينهمر أوراقا مترنحة بالبرد الناعم ايذانا بتشرين، نغمة أيلول استدعاء لشهيد ليجالسه تلك القعدة الى رصيف الحياة ولو كان هو هناك في عمق الغياب، وحتى اللحظة، حتى اللحظة لم يغب شهداؤنا، يجلسون الى موائدنا، ويرتشفون الحب عند كل بسمة لايلول، أو رشفة حنين من فنجان قهوته تلك، جلس أيلول الى رصيف الصلاة، أرخى أوراقه المتحايلة الألوان، فتح كوارة الذكريات وأخرج ما عنده من مؤونة وحكايات، ومعهم ولأجلهم أنشد ألحان الرجاء، القيامة مع المسيح، نده عليهم أن يكونوا فوق حيث هم أغنية لبنان، فيروز السماء حيث لا صوت أنقى من تلك الأصوات، ولا مخمل يضاهي ذاك الملمس النادر، وملمسهم الضياء هل من يستطيع أن يرسم حدود ذاك الضياء ذاك الحب؟
تنقلت الحكايات طوال الشهر لتجعل من حضورهم مؤونة أعمارنا، في كل كنيسة كان لهم إكليل غار، عند كل مذبح ورود ورود حمراء وشموع تتلألأ كلما عبر نسيمهم، وكلما تنهّدت أم لذكر تلك الكلمة «الشهيد حي فينا»، كانوا يجتاحون الأمكنة، يجلسون قربنا متلاصقين الى الكراسي.
.jpg)
في مكان ما إنحنى أيلول، إنحنى حامل الحنين لمن حملوا بأجسادهم ندوب النضال، الناس يقولون عنهم انهم شهداء أحياء، أبدا، أبدا ليسوا كذلك، هم مناضلون أحياء، هم أبطال أحياء يعيشون لأجل ما آمنوا به، وهم كثر، يحملون كراسيهم النقالة، جراحاتهم الظاهرة، ويجلسون مرفوعي الرأس يراقبون ما أنجزوا، وأنجزوا الكثير، حسبهم انهم يعيشون تلك الحرية التي من أجلها قدموا كل حالهم، هم كثر ولا أعرف أسماءهم جميعا، اعرف تلك الفراشة التي ما ان حلقت حول ضوئها حتى حاولوا أحراقها بالكامل فكانت مي شدياق الحرة الطليقة العائدة من موت كان محتما فانتشلها مار شربل لتعود أيقونة من أيقونات الصمود اللبناني المستحيل، هكذا اصطف هؤلاء الرفاق في قداديس أيلول يحاكون رفاقهم الشهداء ويبتسمون، أحيانا بمرارة لكن يصلّبون على وجوههم ويهمسون في أذن شهيد، معليش يا رفيقي يمكن كنا للحظة رح نعيش سوا حد ربنا بس ربنا رسملنا غير طريق ونحنا مكفيين الطريق». ويبتسم الشهيد سعيدا ان الرفاق الأحياء هنا اكثر بكثير من بيت الشهداء فوق فثمة من يجب ان يبقى ليكمل طريق الأرض في اتجاه السماء في اتجاه القيامة والحرية في اتجاه لبنان…
حلّ المساء، يقولون في الضيعة «قلبي ورمان من الحب»، قلب أيلول متضخّم، كثير عليه هذا الدفق من الحنان، عاد مثقلا بالوهج فجلس يرتاح الى مقهاه عند رصيف الأيام، طلب كوبا ساخنا ليهنأ وهو يتصفح صور من التقاهم على مدى الثلاثين يوما تلك، وجد الألبوم معجوقا بالصور، نظر الى وجوه الناس في مناطقهم، كلها مشعّة، كلها تحمل وجها آخر مزدوجا، عرف انها وجوه الشهداء، ما زالوا يسكنون اللفتات والصفحات والقامات العالية التي تنحني الا ليسوعها… وارتمى أيلول في حضن تشرين، ونام الشهداء بسعادة في أحضان يسوع، وها نحن نكتب وهم يخطّون السطور…
.jpg)

.jpg)
