
قصصهم المؤلمة قد تكون مضحكة في بعض الأحيان. وحكايات الماضي هي الحاضر بالنسبة إليهم. أمّا الشكوك والعناد فهما محور أفكارهم وتصرفاتهم. وإن أصبحت غريبا بالنسبة إليهم فتأكد أنهم قد أصيبوا بهذا المرض!
إنها مؤشرات لكنها تدل على اضطرابات عصبية تسمى بمرض «ألزهايمر»، أو ما يُعرف بموت خلايا الدماغ مما يسبب فقداناً في الذاكرة وتدهوراً في القدرة على الإدراك. ولعلّ معظمنا يرى في ذلك فكرة غريبة وخيالية وبعيدة من حياته اليومية، أو يحاول تجاهل هذا الواقع الذي لطالما بات يتزايد في أيامنا هذه.
وإن أنكروك، أستنسى كم كانوا يحبونك؟ أستخجل من إظهارهم أمام النّاس؟ وهل ستتخلّى عنهم وتسلمهم لدار العجزة؟
قبل الدخول في تفاصيل معاناة مرضى ألزهايمر والمحيطن بهم، لا بد من إلقاء الضوء على مفهومه من الناحية العلمية. ما هو مرض ألزهايمر؟ وماذا يميّزه عن الخرف؟
غالبا ما يظنّ البعض أنّ الخرف هو مصطلح آخر لمرض ألزهايمر. إلّا أنّ هذا المعتقد خاطئ. فألزهايمر هو نوع من أنواع الخرف وأكثرها شيوعاً. هذا المرض هو تنكسي عصبيّ مزمن يبدأ بشكل صامت ليتفاقم مع مرور الوقت ويصيب الذاكرة. وعندما يصاب المرء بألزهايمر تتوقف الخلايا الدماغية عن التجدد ومعالجة نفسها من التلف، ما يؤثّر سلباً على القدرات العقليّة والوظائف المعرفيّة.
وبحسب المعهد الوطني للشيخوخة، فإن الخرف هو نوع من الاضطراب في الدّماغ الذي يؤثر على الأداء اليومي للأنشطة والاتصالات. أمّا ألزهايمر فهو نوع من الخرف الذي يؤثر على الذاكرة واللغة والفكر. وعلى رغم أنّ هذا المرض يصيب كبار السن، إلا أن الشباب أيضاً معرضين للإصابة به.
يمكن أن تتداخل أعراض كل من مرض الخرف والزهايمر، ولكن ثمّة بعض الاختلافات. فكلاهما يمكن أن يسببا انخفاض القدرة على التفكير وضعف الذاكرة وضعف القدرة على التواصل.
أمّا أعراض مرض ألزهايمر المختلفة، فهي: صعوبة تذكر الأحداث الأخيرة أو المحادثات، واللامبالاة والاكتئاب والارتباك والعدوانيّة والتغيّرات السلوكية، بالإضافة الى صعوبة في النطق، وصعوبة البلع أو المشي في مراحل متقدمة من المرض.
شهادات من قلب المعاناة
يوم 21 أيلول من كل عام يحتفل العالم باليوم العالمي للتوعية من مرض الزهايمر الذي يعاني منه نحو 35 مليون شخص على مستوى العالم، ومن المتوقع أن يرتفع هذا العدد إلى 115 مليونا بحلول سنة 2050، بحسب تقديرات الجمعية الألمانية لهذا المرض.
لكن الكلام في أرقام المصابين بهذا المرض لا يكفي. وحدها الشهادات تتكلم عن واقعهم المأساوي ومعاناة الأحباء المحيطين بهم.
مروة امرأة في السبعين من العمر، أصيبت منذ عامين بمرض الزهايمر ولم تعد تتذكر أولادها ولا أحفادها. وتخبر ابنتها بأن والدتها في البداية كانت تنسى بعض الأمور والأحداث القريبة لكن أبناءها لم يعيروا الأمر أهمية، إذ رأوا بأن ذلك طبيعي مع التقدم في السن. لكن حال النسيان بدأت تزداد شيئا فشيئا، حيث راحت مروة ترمي أغراض المطبخ في سلة المهملات، وتخرج من المنزل في ساعات الليل المتأخرة من دون معرفة سبب الخروج. وتطوّرت حالتها أكثر حين بدأ المرض يؤثر بشكل أكبر على قدراتها العقلية، الى أن سألت مروة عن جدتها التي توفيت منذ أكثر من 15 عاما.
هذا الواقع أثار اهتمام إبنة مروة وانزعاجها أحياناً، إذ إن والدتها التي كانت تتميّز بذكائها وحكمتها أصيبت بالـ «خرف»، وكانت تتساءل في قرارة نفسها: «كيف عليّ أن أتقبل هذا الواقع؟ هل ستصبح والدتي مهزلة الناس؟» أسئلة كثيرة كانت تراود الابنة التي لم تتقبل مرض والدتها. وقد أعربت عن يأسها قائلة: «مرض أمي كسر لنا ظهرنا… فالسيدة الجبارة والقوية أضاعت ذاكرتها وأصبحت أحاديثها فارغة.»
الابنة أهملت منزلها وعائلتها بسبب انشغالها بوالدتها لدرجة أنها لم تكن ترى زوجها سوى يومين في الأسبوع. ونتيجة لذلك مرّت بكثير من المشاكل، كما شعرت بالاكتئاب والقلق المستمر. وتشير الى أنها كانت دائما تحاول تهدئة نفسها ومعاملة والدتها برقة ولطف، لكن عبء المشكلة أصبح يفوق قدرتها على التحمّل. وتقول: «الأمر الوحيد الذي يصبّرني على تحمّل كل هذه الأوجاع النفسية والجسدية هو تضحيات أمي اللامتناهية في صغرنا وابتسامتها التي لا تفارق ذهني.» وتضيف: «الله يكون بعون كل مريض!»
كلير امرأة عزباء في الثمانين من العمر، أصيبت بهذا المرض منذ 5 أعوام، حيث كانت تقطن في منزل شقيقتها المتزوجة والأم لثلاثة أولاد في أواخر العقد الثاني من عمرهم. كان النسيان أول أعراض هذا المرض بالنسبة إليها. فغالبا ما كانت تنسى الجيران والأقارب وترفض استقبالهم في المنزل. وعلى رغم ذلك كانت تلقى الرعاية اللازمة من أختها وأولادها الذين أولوا خالتهم كل الحب والاحترام. بقيت تصرفات الخالة مضحكة من حين لآخر، حيث كانت تخزّن الطعام في غرفة النوم وتوضّب الصحون تحت سريرها، وتتحدث عن مغامرات الصبا وكأن هذه الحكايات جرت معها منذ أيام قليلة. كانت تصرفاتها مسلية يقول أولاد أختها، فتسألهم تارةً عن موعد الحصاد وتوبّخهم تارة أخرى كونهم أغراب عنها ويدخلون المنزل خلسةً.
تستحضر الخالة الحكايات القديمة، فالماضي هو حاضرها، والحاضر مجرد وهم ليس له وجود حتى لو حاول أحدهم الحديث عنه. تسألك في الجلسة السؤال نفسه كل خمس دقائق، أسئلة من قبيل: «ماذا يفعل هؤلاء الشباب في بيتي؟» تجيبها أختها بأنهم أولادها فتفرح كلير وتقبلهم وتتحدث معهم. وبعد خمس دقائق تكرر السؤال وتتهم الشباب بأنهم سرقوها وحاولوا خطفها. وتسأل مجدّداً: «ماذا يفعلون هنا؟ أبعدوهم عن المنزل!» فالنسيان أكل عقلها، حتى باتت تكرر الحكاية نفسها كل خمس دقائق وبالتفاصيل ذاتها، لدرجة أنك ستعتقد هذه الاحاديث مسجلة.
قصصها مضحكة أحيانا لكنها أيضا مؤلمة كونها بحاجة لرعاية دائمة وللانتباه الكامل. تمر كلير في بعض الاحيان بلحظات غريبة، كأن تبكي وتسأل لماذا أفعل هذه الأمور، لكن بعد بضع دقائق تعود الى حالتها المرضية السابقة. وضعها كان حساسًا جدا إذ تفاقمت حالتها وأصبحت تقضي حاجاتها في كلّ مكان وأينما وجدت، ما سبَّب الإحراج لأهل المنزل خصوصا وأنهم شباب في أول عمرهم يشعرون بالخجل عندما يقصدهم أصدقاؤهم ويرون حالة خالتهم. هذا الأمر دفع الشباب لاصطحاب خالتهم الى مأوى عجزة حيث ستلقى الرعاية المناسبة، ويقولون: «ما عادت تنترك لحالها ونحنا بالنهار بالشغل وإمي صحتها على قدّها». لكن في نهاية الأسبوع يقومون بزيارتها ويصطحبونها الى المنزل لتمضية يومين برفقتهم ومن ثم تعود الى دار العجزة حيث تمكث باقي الأيام.
واختتم الشباب حديثهم قائلين: «كلّ مريض الزهايمر بحاجة الى رعاية واهتمام وبال طويل لأنه يفقد السيطرة على تصرفاته، ويكون النسيان سيّد الموقف.»
أمّا طلال فقد أصيب بمرض الزهايمر بعد أن سافر ابنه مع عائلته للعيش في بلاد الاغتراب، فأصبح يعيش وحيدا في المنزل. كان يلهو في النهار مع أحفاده وفي المساء مع ولده وزوجته عند عودتهم من العمل. فكيف له أن يتأقلم مع فراغ المنزل بعد أن كان ضجيج الأولاد يملأ البيت؟ عانى طلال من الوحدة، ورفض العيش مع ابنته وعائلتها كونه لا يريد أن يترك منزله العزيز على قلبه. وتقول ابنته إن الرجل العاقل الممتلئ نشاطاً وحيوية، أصيب بالمرض في سن الـ70 عاما. واستمر هذا المرض الصامت في التسلل إلى الدماغ ليبدأ رحلة من التوهان. ولم يتم تشخيص المرض باكرا لأن ابنته كانت تزوره في نهاية الأسبوع فلم تنتبه الى حالة والدها عندما أصابه المرض في مراحله الأولى. ولكنها علمت بوضعه عندما اتصل بها أحد الجيران يوما ليخبرها بأن والدها يخرج من المنزل في منتصف الليل ويترك أبواب المنزل مشرّعة، ويعود في ساعات الصباح الباكر. وقد حاول الجيران مساعدته وعدم السماح له بالخروج لكنه بادلهم بتصرفات عدوانية رافضاً سماع كلامهم وكأنه بكامل وعيه.
هذا الأمر دفع ابنته لاصطحابه الى منزلها رغماً عنه. وتقول: «رحلتنا مع الزهايمر مؤلمة وهي أصعب من رحلة المريض نفسه، لأنه لا يتألم ولا يشعر بأي شيء فقط ينسى كل يوم أمورًا مختلفة. محزن أن ترى والدك، مثالك الأعلى ورمز الرجولة، يقوم بتصرفات غير طبيعية وغريبة.» وبالنسبة لابنته فهي تعيش حاليا أصعب الأيام، لأنه بدأ ينسى حفيدته البالغة من العمر 5 سنوات والتي كانت تحب أن تستمع الى حكايات جدها المضحكة. فتحاول الطفلة مداعبة جدها واللهو معه كالعادة، إلّا أنه يرفض تصرفات حفيدته، التي أصبحت بالنسبة إليه شخصًا غريبًا لا يمتّ إليه بأي صلة.
وتشير ابنته الى أنّ والدها عاد طفلا صغيرا، تصرفاته تشبه تماما تصرفات طفلتها الصغيرة. فهي تعتني الآن بطفلين لكن المؤلم أنها لا تستطيع أن تتصور والدها كيف كان رجلا محترماً وكيف أصبح طفلا عنيدا. فالأمر صعب جدا عليها حتّى من ناحية تفسيره لابنتها الصغيرة التي عليها تفهّم حالة جدّها. وتضيف: «تصرفات ابنتي تغيّرت مع جدها، فأصبحت تهتم به كما كان يفعل معها سابقا… فالأمر صعب ومتعب جداً.»
رؤية شخص عزيز على قلبك يفقد القدرة على الإعتناء بنفسه أو التحكم في تبوله أو التعرف الى أبنائه وأحفاده أمر قاس جدا. لكن الأكثر قساوة من ذلك هو درجة الصبر وكيفية التعامل مع المريض، خصوصاً في غياب حلول طبيّة ناجعة لمثل هذه الحالات. فحبّ الأم والأب والأجداد لا يقتصر على الزيارات. فهو مسيرة عطاء وتضحية، إنه مهمة تتطلب منا بذل الوقت والبحث عن طرق لنجعل أيامهم سعيدة. وحتّى لو أصابهم «الخرف» علينا ألّا ننسى عطاءاتهم وعواطفهم عندما كانوا بكامل صحتهم وأننا قد نصبح يوما ما مثلهم!
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com
