
وطن على شفير الهاوية. استعراضات عسكريّة هنا وهناك، مواكب استفزازيّة تجوب المناطق اللّبنانية بحثاً عن أي ردة فعل تغذّي نيران الخلافات المستعرة في الشارع اللبناني، في ظل وضع سياسي متأزم وكأنّ الزمن يعود بلبنان إلى العام 1974، إلى ما قبل حادثة بوسطة عين الرمانة… ولكن “وين البوسطة هالمرة؟”.
اقتراحات المواجهة التي تتراوح بين الرد على الاستفزازات على قاعدة “العين بالعين والسن بالسن، والبادي أظلم” وصولاً إلى المجاهرة بالتقسيم كحل نهائي لمشكلة لبنان، مستندين الى وجهة نظرهم على فدراليّة الطوائف التي يقوم عليها الكيان اللبناني ومستشهدين ايضاً بالجارة قبرص التي انقسمت سنة ١٩٤٧ بين الجاليتين التركية واليونانية، وميل البعض إلى التطرف في هذا المجال، فيأخذ التجربة الفدرالية السويسرية معياراً ومرجعاً… لن تجدي نفعاً.
حتى أن أمين عام “حزب الله”، وفي إطلالته العاشورائية الأخيرة أرسل تهديداً مبطناً في قوله “إنّ تقسيم المنطقة سيصل إلى السعودية وهي أكثر دولة معرضة للتقسيم… وهذا السيف سيصل إلى أعناقكم وهذا السم سيوضع بأطعمتكم فانتبهوا”.
ولمن خانته الذاكرة، فإنّ الرئيس بشير الجميل كان من أول الّذين جاهروا بنظرية “كل في بيته”، معتبراً أنه إذا لم تكن السلطة بيد المسيحيين، فليتمّ إنشاء كانتون مسيحي في إطار فدرالي أو كونفدرالي؛ ولكنه كان أيضاً أول من تخلى عن هذه الفكرة ودفع حياته ثمناً لجمهورية ال ١٠٤٥٢ الواحدة الموحّدة. وتبعه الإمام المغيّب موسى الصدر، الذي قال: “سأبقى إن شاء الله في خدمة لبنان وفي صيانة هذا الوطن لأن هذا الوطن ليس ملكاً لأحد، الوطن للجميع نموت ونحافظ على وطننا”. وإن ننس لن ننسى ما قاله الشهيد رفيق الحريري “ما حدا أكبر من بلده”.
فقد أثبتت التجربة أنّ التقسيم لا يشكل الحل في لبنان. هذا الكيان المركّب من مجموعة أطياف طائفية متداخلة في بعض المناطق ومنفصلة في مناطق أخرى، مشكلته ليست بالإنتماء الديني – ولو لبست ثوب الصراع الطائفي، إنما تعود بالأصل إلى خلاف حول هوية لبنان وحول استمراره وفق الصيغة التي أنشئ عليها، أو القضاء عليه وإزالته تحت عناوين مختلفة، منها سوريا الكبرى أو مشروع الحزب السوري القومي الاجتماعي، أو ولاية الفقيه أو الجمهورية الإسلامية التي يسعى “حزب الله” إلى إنشائها وربطها بالمحور السوري الإيراني الذي يجاهر السيد نصرالله بالانتماء إليه، من دون أن ننسى احتمال قيام إمارة إسلامية سنّية كردّة فعل على الجمهورية الإسلامية الشيعية.
وهذا الخلاف تظهّر بأبهى صورة له إبّان اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري، حين انقسم الشارع اللبناني بين معسكري ٨ و١٤ آذار، وانضوت تحت راية كل منهما مجموعة من الأحزاب والتيارات من كل الطوائف، يجمع بينها إما الولاء للبنان وإما الولاء لسوريا. وأتت استقالة وزراء “حزب الله” و”أمل” من الحكومة في ١١١١٢٠٠٦ احتجاجاً على إنشاء المحكمة الدولية وصلاحياتها، لتؤكد أن الخلاف هو على هوية لبنان، وهذا ما يجب ألا نغفل عنه.
فعلى الرغم من كل المظاهر الاستفزازية التي تقوم بها قوى الثامن من آذار، سواء كانت مباشرة في الشارع، أو غير مباشرة من على المنابر، وسواء كانت تجول في المناطق مقنّعة مرتدية قمصاناً سوداء، أو في مواكب داكنة الزجاج توصلها إلى ملعب هنا أو عشاء هناك، لتعتلي منبراً تطلق منه تصريحات تخوينية تنفيذاً لأوامر أسيادها، طمعاً منها بمكافأة تأتي على شكل كرسي، على كل لبناني حر أن يتسلح بضبط النفس وألا ينجرّ إلى الهاوية، وإلا أصبح هو الوسيلة المجانية لتنفيذ أجندة المحور الإيراني، الذي لا تخفى على أحد المشاكل المالية التي يرزح تحتها نتيجة العقوبات المفروضة عليه.
وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن عدم الإنجرار لا يعني الاستسلام، إنما يجوز أن نطلق عليه اسم “رد من خلف خطوط العدو”. هذا العدو الذي يدرك جيداً أن الطائفية نقمة، يضرب بدون هوادة، ويبخّ السموم في النفوس إيماناً منه بمنطق فرّق تسُد، غاب عن باله أن قضية الكيان اللبناني التي دافع عنها المسيحيون وحدهم سنة ١٩٧٥ أصبحت قضية جامعة، وقد سبقهم في الأمس القريب في حمل رايتها، لبنانيون من كل الطوائف، وهم مستعدون اليوم وغداً وإلى أبد الآبدين أن يضعوا حياتهم على حدود الاستشهاد دفاعاً عنها.
فعذراً يا فتيان المحاور… الجمهورية المهدوية لن تظهر في لبنان، والإمارة السلفية لن يكون لها عرش وخليفة في لبنان، والدولة البطرسية لن تجد لها بابا في لبنان.
إن لبنان وطننا، وطن نهائي لنا، وطن كامل السيادة ضمن حدوده المعترف بها، وطن واحد يكفل دستوره حرّياتنا وواجباتنا.
ونحن، كلما دعا داعٍ أو داعش، للمقاومة جاهزون، وعهد علينا أن ننقش أسماءكم على صخور نهر الكلب، لنخلد ذكرى اندحاركم، فتكونوا عبرة في التاريخ الحديث لكل من تسوله نفسه التطاول على ذرة تراب من أرضنا.