الرواتب والضرائب والإصلاحات… كيف للبنان أن يستفيد من التجربة الإيطالية؟

 

 

كتب سيمون سمعان في مجلة “المسيرة” – العدد 1630

من الطبيعي أن تكون القضايا الإقتصادية الشغل الشاغل ليس لإيطاليا بالذات، وهي التي عانت من سلسلة أزمات إقتصادية ووضعت خططا للخروج منها، بل لكل أوروبا التي تتصف دولها بحالات وأوضاع إقتصادية متشابهة وتعاني أزمات ليست أقل خطورة مما يعانيه لبنان. ومن هذه القضايا مسألة الرواتب والضرائب والإصلاحات، وهي نفسها تحت المجهر اليوم في لبنان. فسلسلة الرتب والرواتب خرجت من الحكومة والمجلس النيابي ولم تخرج من دائرة الضوء بعد، ولا يبدو أن تداعياتها ستتلاشى في وقت قريب، خصوصًا بعد قرار المجلس الدستوري إبطال المواد الضريبية. «المسيرة» تسنّى لها أن تشارك في إيطاليا في فعاليتين إقتصاديتين على علاقة بالقضايا المثارة، على خلفية سؤال محوري وهو: كيف يمكن للبنان أن يستفيد من تجارب الآخرين للخروج من هذا التخبّط الذي لم يلامس قعر الهوّة بعد؟

 

 

ليس لبنان البلد الأول أو الوحيد الذي يواجه أزمة رواتب وضرائب وتحركات عمالية وتظاهرات مطالبة بتصحيح الأجور وتوفير حد أكبر من الضمانات الإجتماعية. أوروبا عرفت قدرا كبيرا من هذه الحالات عبر تاريخها الحديث، وخصوصا خلال السنوات الماضية، بنتيجة الأزمة المالية التي ضربت العالم في العام 2008، وأسقطت مصارف كبيرة وهزّت حكومات. وسواء بالتعاون مع المؤسسات المركزية ضمن الإتحاد الأوروبي، أو على صعيد الدول الأعضاء منفردة، عملت الدول الأوروبية ومنها إيطاليا على النظر في مستوى الأجور ولكن مع تجنّب أن يؤثر ذلك سلبا على النمو ومتانة الإقتصاد وقوّة النقد.

بين النظرية والتطبيق

في ندوة عن العمالة والأجور عقدت في مدينة ليتشي في جنوب إيطاليا، قال أحد المختصين المشاركين إن «الحسّ السليم في كثير من الحالات يمكن أن يكون خادعا، وما يبدو صحيحا في ضوء تجربتنا الخاصة، قد يسبب الآثار السلبية عند تطبيقه على اقتصاد بلد ما. ففي حالات الأزمات يقول المثال الكلاسيكي إن الحل هو في خفض الإنفاق عندما تسوء الأمور: أي عائلة تفعل ذلك، أي أنها تلجأ إلى خفض الإنفاق عندما تواجه أزمة مداخيل. ولكن في السياسة الاقتصادية الأمر يختلف، وهذا السلوك يصبح خطأ، لأن اعتماده يزيد من تفاقم الوضع».

ويضيف «لقد كانت لدينا أدلة وفيرة في سياق الأزمة، ما جعلها تطول، وهذا كان خطأ. وهو ما عُرف بنظرية «التقشف التوسعي». المسألة الجوهرية التي يجب النظر إليها في هذا السياق هي مسألة الإنتاجية إي زيادة الإنتاج لا خفض الأجور، لأن مثل هكذا إجراء يؤدي إلى خفض الإنتاجية وتراجع نوعيتها، وهو ما ينعكس سلبا على قيمة الخدمة المقدّمة، وبالتالي على مستوى المردود».

الندوة التي شارك فيها حوالى الـ 20 خبيرا إقتصاديا وحضرها عدد كبير من المهتمين والإعلاميين، ركزت في معظم حلقاتها على أن المفاوضة بين أرباب العمل والموظفين والعمال، هي الأساس في التوصل إلى الحلول المرضية، بحيث تتوازن مصالح طرفي الإنتاج وبالتالي تتأمن النتيجة المتوخاة من هذه الشراكة، لأنه بهذه الطريقة ستكون هناك صلة مباشرة أكثر بين اتجاهات الأجور والإنتاجية. كذلك ناقشت وضع الرعاية الإجتماعية في إيطاليا مقارنة مع الدول الأوروبية الأخرى، كما أُوليَ اهتمامٌ خاص لمواضيع الركود، والإنتاجية، وعدم المساواة، والحد الأدنى للأجور، وغيرها من الأمور المطروحة حاليا كقضايا ملحّة.

لكن التركيز كان أكثر على مسألة الإنتاجية التي اعتبر بعض المشاركين أنها سقطت لسنوات في جميع الاقتصادات المتقدمة بنتيجة ما وصفوه بـ «مرض بومول» نسبة إلى أول إقتصادي تقدَّمَ بنظرية في هذا الصدد، خلال حقبة الستينات. ومنذ ذلك الحين استمر هذا الاتجاه.

واستند أحد المشاركين إلى ما كتبه المحلل الإقتصادي كارلو كليريستّي على موقع «ريبوبليكا» تحت عنوان «مرض الإنتاجية» حيث اعتبر كاتب المقال: «أن الدرس الذي يمكن تعلمه من الأزمة هو أن على البنوك المركزية ضخ السيولة في النظام الاقتصادي. وعليها أن تفعل ذلك من دون تأخير، كما فعلت إيطاليا والبرتغال، لأن فشل البنوك في ذلك هو الذي ينبغي تجنبه مثل الطاعون لتجنب أزمات أكثر سوءا. وانتقد خفض الإنفاق وخفض الضرائب في حالات الأزمات، بدل زيادة الإستثمار العام وتحفيز الإقتصاد. وينهي كليريستّي مقاله باعتبار أن الحل الوحيد هو زيادة الإنتاج والإبتكار لتكون الإقتصادات قادرة على المنافسة. ولكن كيف يمكن تحقيق زيادة الإنتاج وخصوصا الابتكار، من دون زيادة الإستثمار العام؟

 

الإستفادة من تجارب الآخرين

هل يمكن تطبيق ذلك على حالات مماثلة في دول أخرى والإستفادة منه لمعالجة ما تعانيه من أزمات؟

يجيب أحد المشاركين في الندوة بأن هناك قضايا متشابهة ومشتركة في اقتصادات العالم كله، كما أن هناك حالات متطابقة بين اقتصاد وآخر، ولكن هذا لا يعني أن ما يصح على حالة معينة في اقتصاد ما يصح على أخرى مماثلة في اقتصاد آخر، معتبرا أن لكل اقتصاد خاصّيته كما أن لكل حالة حتى في الإقتصاد نفسه طبيعتها، وبالتالي طبيعة الحلول المطلوبة لها. إنما في المقابل يمكن الإستفادة طبعا من تجارب الآخرين وتكييفها بما يناسب الحالة المراد بحثها وإيجاد حل لها.

في السياق عينه يتفق خبراء لبنانيون مع ما ينصح به نظراؤهم الإيطاليون، حول أن مسألة الأجور لا نقاش فيها وهي حق لمن تشملهم سلسلة الرتب والرواتب، كما هي حق لزملائهم في القطاع الخاص، ولكن المسألة الواجبة المعالجة تكمن في نقطتين: العمل على زيادة الإنتاجية بما يتناسب مع زيادة الأجور. وإعادة هيكلة الضرائب بحيث لا يُحدث رفعها في بعض المجالات خللا في العدالة الضريبية أو ازدواجا ضريبيا أو لجما لحركة الإقتصاد المراد دفعها إلى مزيد من النمو لا لجمها. ويأملون في أن يُشكل قرار المجلس الدستوري، مدخلا وفرصة لتوجيه أنظار المعنيين نحو موارد أخرى بديلا من بعض الضرائب، منها الحد من الهدر والفساد الذي يكفي بمفرده لو تم تحقيقه، لتأمين مردود أكبر مما تتطلبه تغطية تكاليف السلسلة.

ويؤكدون أنه لو تم ذلك فعلا، وتحققت زيادة الإنتاجية، لكانت خطوة زيادة الرواتب والأجور أسست لتحقيق نقلة نوعية في الإقتصاد. لكن يجب التأكد أولا ممّا إذا كان أصحاب القرار يبحثون فعلا عن مخارج لتنمية الإقتصاد ودفع عجلته، أم أنهم يبحثون عما يؤمّن مصالحهم ومصالح بعض المتعاونين معهم من عالم المال والأعمال.

الخبراء المشاركون في الندوة الإقتصادية في ليتشي، استندوا أيضا إلى «بعض المعلومات المثيرة للاهتمام حول الإيرادات، من النشرة الاقتصادية التي صدرت عن البنك المركزي الأوروبي في كانون الثاني الماضي. ويشير مسح الدراسة، الذي يمتد إلى المسائل الجزئية على مستوى مؤسسة واحدة، إلى الظروف الاقتصادية واتفاقات الدفع في 25 دولة عضو في الاتحاد الأوروبي، في أسوأ فترة من أزمة الديون السيادية.

وتعتبر الدراسة، أن أرباب العمل يخشون العواقب السلبية لخفض الأجور على تحفيز الموظفين وإنتاجيتهم. وأن تقديرات الإقتصاد القياسي تشير إلى أن «جمود الأجور له تأثير سلبي على العمالة»، لافتة في المقابل إلى أن «زيادة فرص العمل تصبح أكبر عندما تنخفض الأجور. ولكن هذا يعني أيضا عكس ذلك، إي أنه «في حال الزيادات في الأجور، تزيد احتمالية حدوث انخفاض في العمالة».

ومن هذا المنطلق، تخلص دراسة البنك المركزي الأوروبي إلى أن «جمود الأجور في أوروبا خلال الفترة 2010 – 2013 أعطى نتائج أكثر سلبية على العمالة». ويرجع ذلك جزئيا إلى العقود الجماعية. وتلفت إلى أن الحالة الإيطالية كانت في تلك الفترة أكثر خطورة. موصية بضرورة أن تزيد الأجور في حال زيادة الطلب بدلا من الانخفاض في حال انخفاضه، ومؤكدة أن تفعيل الإنتاجية عبر زيادة الأجور في حال الأزمات يبقى أفضل من التقشف».

فأين لبنان من هذا النمط من البحث في القضايا المعيشية والإقتصادية؟ وأين السلطات المعنية من مناقشة هادئة وهادفة للأمور تعطي النتيجة الإيجابية المتوخاة لمتانة الوضع الإقتصادي وزيادة نموه، ولتحسين وضع العمالة والإنتاجية من دون تحميل المواطنين مزيدا من الضرائب المرهقة، في حين أن مسارب الهدر متواصلة الجريان؟

 

أوجه الشبه والإختلاف

واضح أن أوجه الشبه عديدة بين إيطاليا ولبنان، ليس فقط بالطبيعة والعراقة وما تركته الأمبراطورية الرومانية من آثار، بل أيضا ببعض نواحي الإقتصاد والأداء العام. أوجه الإختلاف بدورها كثيرة أيضا، فالتعاطي من قبل السلطات يتسم بالجدية عند تناول الشؤون العامة ولا سيما ما يمس المواطنين. والمواطنون – وهنا ربما وجه الإختلاف الأكبر – يعبّرون عن مطالبهم ويطالبون بحقوقهم بطريقة حضارية راقية. وقد تسنّى لـ«المسيرة» أيضا أن تشارك في مناسبة نظمها العمال في مدينة ليتشي للمطالبة بتحسين ضمان الشيخوخة الصحي والإجتماعي تحت أسم «لو جيورناتي دل لافورو» أي يوم العمل. وذلك في الفترة الممتدة من 15 إلى 17 أيلول الماضي. المناسبة وصفتها وسائل الإعلام لا سيما الخاصة منها، بـ«الحدث الكبير الذي عمل على التركيز على مواضيع العمل والحقوق والتحولات الاجتماعية والاقتصادية».

اللافت في الحدث أن المطالبين بحقوقهم أقاموا، من أجل ذلك، كرنفالا في إحدى ساحات المدينة في فترة المساء وزعوا خلاله كتيبات تشرح مبررات مطالبهم وأهميتها، ورقصوا على أنغام الأغاني والأناشيد، ولم يقطعوا الطرقات على العابرين في أوقات الذروة، ولم يكسروا زجاج السيارات ولا واجهات المحلات، ولم يوجهوا الشتائم لمن لم يلبوا مطالبهم. وهذا فارق يستحق التوقف عنده، والإقتداء به.

«مستقبل العمل بعد عصر الوساطة»، هو الإسم الذي اختير لنسخة 2017، وهي الرابعة التي تقام منذ انطلاق التحرك، وتعقد كل سنة في مدينة. وكانت محطة العام 2016 في فلورانس. وقد سبق نشاط العام الحالي إجتماع الجمعية العمومية لمنظَمة CGIL «سجيل» المنظِّمة للحدث والذي بحث جدول الأعمال المخصص للعام الحالي حول حقوق العمال والأجور والبطالة وقضايا ما بعد التقاعد. وخلال الأيام الثلاثة من الاجتماعات والمناقشات مع مشاركين من الأحزاب السياسية والنقابات، تبادل ممثلو المؤسسات والعمال والخبراء، الأفكار والمقترحات في ما وصفه الإعلام الإيطالي بأنه «لحظات من الثقافة والفن والترفيه.»

من أوجه الشبه أيضا إرتفاع الدين العام لإيطاليا الذي بات يمثل 2223.8 مليار يورو، ما نسبته 132.7 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهي ثاني أعلى نسبة في منطقة اليورو بعد اليونان التي تبلغ نسبة دينها 176.9 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. لكن طريقة التعاطي مع هذه القضايا تختلف جذريا عمّا هو سائد في لبنان. ومن الإختلافات الإيجابية المسجلة للبنان متانة نظامه المصرفي وحرفيته، فيما يواجه النظام المصرفي الإيطالي صعوبة بالغة، إذ تبلغ قيمته 40 مليار يورو، أي ما يعادل 2.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. وهو يعاني صعوبات منذ الأزمة المالية التي أطاحت بنوكا عملاقة في العالم منها «ليمن براذر» الأميركي وغيره العديد من البنوك الأوروبية، وأرخت بثقلها على البنوك الإيطالية حتى بعد أن تخلصت ألمانيا وفرنسا وسويسرا والولايات المتحدة نفسها، من تداعياتها.

لكن مع ذلك، يؤكد خبراء الإقتصاد الإيطاليون أن أساسات الإقتصاد صلبة ولا خشية من المخاطر. فهو الإقتصاد الثالث في منطقة اليورو والثامن في العالم. وهو متنوع تمثل الخدمات فيه 74.2 في المئة، والصناعة 23.6 في المئة، فيما تمثل الزراعة 2.2 في المئة، من الناتج المحلي الإجمالي. وعلى مدى السنوات الثلاث الماضية، أعلنت حكومة ماتيو رينزي العديد من الإصلاحات، ونفذت بعضها. لكن لا يزال الكثير مما يطالب المواطنون والنقابات بتنفيذه، مثل إصلاح الإدارة العامة، والنظام الضريبي، وسوق العمل، والقطاع المصرفي، وغير ذلك من العناوين.

ويتابع الخبراء أن ما تم تنفيذه من إصلاحات أثمر في دفع الإنتعاش وتعزيزه. وقال محافظ البنك المركزي الإيطالي إيغنازيو فيسكو، إن الأزمة التي واجهت إيطاليا في السنوات ال 10 الأخيرة كانت الأكثر خطورة، والأكثر عمقا في تاريخها، وربما أكثر خطورة من «الكساد الكبير»، نظرا لآثارها على المالية العامة والبنوك، لكن الانفراج سيأتي بالتأكيد». وتابع فيسكو، «أن المسألة المركزية، تتجاوز الإقتصاد، إنها تتعلق بهوية الناس. فمن الناحية الاقتصادية، إمكانيات النمو متوفرة، لكن يجب التركيز على قدرة النظام الإنتاجي على إعطاء العمل الكافي لمن يسعون إليه».

للدلالة على أن الحلول المعتمدة لإنعاش الإقتصاد أعطت نتائجها الإيجابية، إستخدم الخبير الإقتصادي جان كلود جونكر تعبير «الرياح عادت إلى الأشرعة الأوروبية». أما نحن في لبنان فما زلنا ننتظر وسط البحر رياحا توصلنا إلى بر الأمان لا يبدو أن هبوبها قريب. وقد يصح على حالنا ما قاله وزير التنمية الإقتصادية الإيطالي كارلو كاليندا قبل أيام، «نحن لن نتغلب على الأزمة إلا عندما نستطيع أن نقول إننا قد استردينا 6 نقاط من الناتج المحلي الإجمالي، وطالما لم يحدث ذلك، لا يزال يتعين علينا أن نشعر بحالة طوارئ، وإلا نكون كمن يستمتع بالرقص على حافة التايتنيك».

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل