العلاقة بين “القوات اللبنانية” و”التيار الوطني الحر” لم تكن يوماً على قواعد مصلحية أو حصصية، خصوصاً أن “القوات” ليست من “أكلة الجبنة”، فيما ارتكزت العلاقة بينهما على بندين أساسيين: طي الصفحة الخلافية الماضية نظراً لانعكاسها السلبي داخل البيئة الوطنية المسيحية، فضلاً عن تحوّل مطلب المصالحة إلى مطلب شعبي.
البند الثاني يتصل بالبعد الميثاقي بعد وصولهما إلى قناعة مثبتة بالتجربة أن عدم تقاطعهما ينعكس سلباً على الشراكة المسيحية – الإسلامية في ظل استغلال القوى المعلومة للخلاف القواتي – العوني من أجل استمرار الخلل في المعادلة الوطنية الميثاقية، وقد دلت الأحداث على أن تقاطعهما أنتج رئيساً تمثيلياً كان يستحيل وصوله قبل تفاهم معراب، وأسفر عن ولادة قانون انتخابي تمثيلي ظل معلقاً منذ العام 1990.
وفي الحقيقة أنّ أحداً لم يكن يتصور طبيعة المولود الانتخابي الجديد الذي يشجع على الانفصال لا الوحدة، بمعنى أن عدم التحالف بين “القوات” و”التيار الحر” تحوّل مع قانون الانتخاب الجديد إلى مسألة طبيعية وإلى درجة أن التحالف بينهما غير طبيعي، وبالتالي البناء على هذه الواقعة للاستنتاج أن التفاهم قد انهار ليس صحيحاً.
وفي موازاة ذلك، لا شك في أن الخلافات أكثر من أن تعدَّ وتحصى في اليوميات السياسية بفعل الاختلاف في النهج بين الطرفين، ولكنّ الأساس الذي تحقق هو أن تقاطعهما أصبح ممكناً في أي لحظة وفي أي ملف واستحقاق، وهذا بحدّ ذاته ما تريده “القوات” لإبقاء الخيارات والاحتمالات مفتوحة.
والخلاف في اليوميات مع “التيار الحر” ينسحب على العلاقة بين “القوات” وتيار “المستقبل” حيث التباين بينهما لا يقل عن التباين بين “القوات” و”التيار الحر”، ولكن هذا التباين لم ينعكس يوماً على العناوين الاستراتيجية، وتقاطعهما أخيراً على إسقاط محاولة “حزب الله” تمرير التطبيع مع سوريا أكبر دليل على ذلك.
فلـ”القوات” نهجها وأسلوبها في ممارسة الشأن العام، وهي تسعى إلى تكريس نموذج جديد يعيد الأمل إلى الناس، هذا الأمل الذي تراجع وتبدد نتيجة العشوائية وتبدية المصلحة الخاصة على العامة، فيما استعادة الثقة تبدأ من خلال جعل المرجعية للدستور والقوانين المرعية.
ويبقى أن أحداً لا يمكنه المزايدة على “القوات” واتهامها بالمصلحية والمحاصصة، فتاريخها شاهد على مبدئيتها، وكل قيمة “القوات” أنها فعلاً، لا قولاً كما غيرها، رأسُ حربة في السيادة والإصلاح والشراكة، ومَن سيتطاول للمزايدة أو التغطية على وضعه، سيلقى الجواب المناسب.