
يعيش لبنان هدنة هشّة معرّضة في كلّ لحظة للإنفجار، والملفت أنّ هذه الهدنة مهدّدة بانفجارات مختلفة: أمنيّة أو اقتصاديّة أو حتّى اجتماعيّة. ولا تنفكّ مكوّنات الثّامن من آذار من اقتناص فعاليّة الدّولة من أيّ جهة استطاعت. فبعد القرار 1701 وإبعاد “حزب الله” عن جنوب الليطاني وانتقاله إلى الآتّون السّوريّ، ها هو اليوم يحاول فرض عمليّة تطبيع مع النّظام السّوري، الذي يعيش في مرحلة الإنعاش. فهل سيقوّض الدّولة أكثر لحساب دويلته ليعيد لبنان مجدّدًا إلى الحضن السّوري؟
يتحرّك الحزب وفق الأجندة الإقليميّة على إيقاع حراك خليجيّ سعوديّ تجلّى في زيارة الملك سلمان إلى موسكو، وتوقيع اتّفاقيّات بقيمة عشرة مليارات دولار أميركي، وذلك في محاولة سعوديّة للدّخول في التّسوية المرتقبة من خلال البوّابة الإقتصاديّة الرّوسيّة، لدعم نظريّة الدّول الوطنيّة وليس الميليشيات الرّديفة لتركيبة الدّولة، كوضع لبنان والعراق وسوريا واليمن. ويُعتبَر لبنان في صلب الأهميّات السّعوديّة كونه البلد الوحيد الثّابت؛ بغضّ النّظر عن الإختلافات والتّناقضات التي تحكم فلكه السّياسيّ.
لذلك، استنهضت السّعوديّة كلّ الهمم من خلال تفعيل علاقاتها مع رجالات 14 آذار التي لا تدور في الفلك السّوري، والأكثر، المعروفة بعدائها لهذا النّظام. فزمن الإنكفاء قد ولّى إلى غير رجعة. يريدون للسّياديّين أن يقبلوا بالتطبيع مع سوريا. كيف لنا أن نقبل وأسرانا ما زالوا مجهولي المصير وهم أخرجوا “داعش” ومنعوا الجيش من تكملة انتصاره ليحرّروا أسراهم في تلك الصّفقة التّفاوضيّة المشبوهة؟ فكأنّ ما هو مسموح لـ”حزب الله” وإيران غير مسموح للدّولة اللبنانيّة بأسرها.
أسرانا في السّجون السّوريّة، منهم من خُطِف بعمر 13 سنة، ومنهم من كان عمره 10 سنوات واتّهم بأنّه مظلّيّ إسرائيليّ، ومنهم الرّهبان الأنطونيين والكهنة اللبنانيّين والنّساء وعسكر في الجيش اللبناني وعناصر في المقاومة اللبنانيّة وكثر غيرهم، فهل هؤلاء أقلّ قيمة من لبنانيّين أسرهم “داعش” وحرّرهم الحزب بالتّفاوض؟ لن يستقيم الوضع في لبنان إلا عندما يصبح الكلّ أولاد ستّ وليس بعضهم، والبعض الآخر أولاد الجارية.
لا يا سادة. التطبيع مرفوض بكلّ أشكاله. ولن تستسلم الدّولة اللبنانيّة لإرادة السلاح غير الشّرعي. ذلك السلاح الذي لا صديق له. فحتّى من اعتبره صديقًا قد شنّ غارة عليه كلّفته سبعة قتلى. والأسباب مجهولة. فهل لأنّه خرج في هذه البقعة عن طوع الصّديق المزعوم؟
هذا من دون إغفال التّقارب التّركي – الإيراني لتطويق الحلم الكردي بالإستقلال الذي يشكّل ورقة ضغط كبيرة على الدّول التي تضمّ الأقليّات الكرديّة كسوريا وإيران وتركيا، وذلك لخوفهم من التحاق أكرادهم بأترابهم العراقيّين. وذلك بمباركة الإدارة الأميركيّة مع الرّئيس ترامب الذي بات مستعدًّا لأخذ أيّ خيار مقابل كلّ من يعترض تطبيق سياساته في العالم، من كوريا الشّماليّة في الشّرق الأدنى حتّى كوبا في الغرب مرورًا بالشّرق الأوسط وإيران وأوروبّا. فالعالم بأسره بات على فوهّة بركان.
ألم يسأل هؤلاء كيف يكون التطبيع مع وجود أكثر من مليون ونصف نازح سوريّ على الأراضي اللبنانيّة؟ وليس بحجّة إعادتهم يجب أن يطبّع لبنان مع سوريا. فعودة هؤلاء تكون بقرار سياديّ حكوميّ لبنانيّ وبمباركة وإشراف أمميّين.
كلّ هذه الأمور تؤثّر على الإشتباك السياسي الذي يستعر على إيقاع إلغاء البيومتريّة، وتفجير الملفّات الخلافيّة، من سلسلة الرّتب والرّواتب إلى مطلوبي عين الحلوة. فهل ستستمرّ الهدنة على هشاشتها في لبنان؟ أم أنّنا قادمون على انفجار قد يبدأ بالإقتصاد ولا ينتهي بالأمن؟