أميركا دولة السلاح الأولى في العالم… هجوم لاس فيغاس بين العنف الداخلي وهاجس الإرهاب

خاص “المسيرة” – واشنطن ـ العدد 1631

من جديد طغت أحداث العنف الدموية على الهموم الأميركية الأخرى، أكانت داخلية أم خارجية، في جدلية تفرض نفسها بين نصوص ما يضمنه الدستور الأميركي من حق اقتناء السلاح، وبين المناهضين لهذا الحق المطالبين بتعديله بفعل التطورات التي طرأت على الأحداث المحلية والعالمية، وبروز ظاهرة الإرهاب وتحدياتها، منذ وضع التعديلات الدستورية وحتى اليوم.

ما لا يقل عن تسعة وخمسين شخصا قتلوا وأصيب المئات عندما دفع رجل مسلح يبلغ من العمر أربعة وستين عاما، بترسانة رشاشاته إلى أحد الفنادق الملاصقة لحفل موسيقى الريف الأميركي في مدينة لاس فيغاس ، وأطلق النار مستهدفاً جمهوراً بلغ تعداده نحو إثنين وعشرين ألف شخص قبل أن ينتحر. هذا العدد من الضحايا جعل هذا الهجوم الأكثر دموية في تاريخ الولايات المتحدة متخطيا حصيلة المذبحة في الملهى الليلي في أورلاندو العام الماضي التي قتل فيها 49 شخصا ونفذها مسلح بايع تنظيم الدولة الإسلامية. فهل يكون “داعش” وراء مجزرة لاس فيغاس أيضًا؟

ذكرت الشرطة الأميركية في لاس فيغاس أن المسلح هو أحد سكان المنطقة ويدعى ستيفن بادوك (64 عاما) وقال جوزيف لومباردو قائد شرطة مقاطعة كلارك للصحفيين إن بادوك أطلق الرصاص على نفسه قبل أن تدخل الشرطة غرفة الفندق التي كان يطلق منها النار وكشفت الشرطة أن بادوك، الذي أطلق الرصاص، على حشد كان يحضر حفلا موسيقيا موقعا عشرات القتلى ومئات الجرحى قبل ان ينتحر، كان لديه أيضا تاريخ من المشكلات النفسية، على غرار والده.

ووفق المعلومات حول شخص منفذ الهجوم أيضاً، فإن ستيفن بادوك كان طيارا مرخصا لمزاولة المهنة، ويهوى الصيد، ولم يكن له سجل إجرامي أو جنائي على الإطلاق. وهو يملك منزلا بقيمة أربعمئة ألف دولار اشتراه عام 2015 في تجمع سكني للمتقاعدين في بيسكيت، ويبعد عن مدينة لاس فيغاس مسافة تسعين دقيقة وكان يعيش مع عشيقته ماري لو دانيلي البالغة من العمر 61 عاما، التي قالت الشرطة إنها كانت تبحث عنها قبل أن تحدد مكانها في الخارج، وتعلن بعد التواصل والتحقيق معها، أنها غير ضالعة على الأرجح في المجزرة.

سجل والد منفذ الهجوم الإجرامي

وكشفت التقارير الأولية عن الذي نفذ هجوم لاس فيغاس ستيفن بادوك، أن والده كان ملاحقاً من قبل سلطات الأمن ومكتب التحقيقات الفدرالي على مدى أعوام بسبب سجله الإجرامي، ويدعى هذا الوالد بنجامين هوسكين بادوك، وكان أحد أبرز المطلوبين للعدالة في الولايات المتحدة خلال النصف الثاني من القرن الماضي.

وكشفت التقارير وثيقة صادرة عن مكتب التحقيقات الفيدرالي “أف.بي.آي” مؤرخة في 18 آذار 1969، تؤكد فيها أن بادوك الأب مطلوب للعدالة كونه لص مصارف ومصنف خطر جدا. وقالت إن الرجل الذي كان في عام 1969 يبلغ من العمر 42 عاما قضى 8 سنوات على لائحة أكثر المطلوبين للـ”أف.بي.آي” بعد هروبه من السجن، مشيرة إلى أنه شخص مريض نفسيًا.

“داعش” يتبنى والسلطات تستبعد

وقد أعلن تنظيم “داعش”، بعد ساعات من المجزرة، مسؤوليته عن الهجوم، وقال إن المنفذ اعتنق الإسلام قبل عدة أشهر وأن اسمه أو كنيته الإسلامية أصبحت “أبو عبد البر الأميركي”.

إلا أن مكتب التحقيقات الفدرالي سارع إلى الإعلان أن المعلومات الأولية تشير إلى عدم وجود صلة بأي جماعة متشددة دولية، وهو ما أكدت عليه أيضا وكالة المخابرات المركزية الأميركية، فقد نفى مسؤول مكتب التحقيقات الفيدرالي في لاس فيغاس آرون راوس Aaron Rouse وجود علاقة بين منفذ الهجوم وأي تنظيمات إرهابية دولية، وقال خلال مؤتمر صحفي إن قرار الوكالة بناء على التحقيقات الأولية، حتى الآن هو أنه ما من صلة مع مجموعة إرهابية دولية، مؤكداً أن عمل الوكالات الأمنية على هذه الجريمة سيتواصل لضمان استمرار التحقيق باجتهاد وبأسلوب يعتمد على الحقائق لكي نكون قادرين على جلب السكينة والسلام لهذا المجتمع.

وقال جوناثان ليو المتحدث باسم وكالة المخابرات المركزية الأميركية سي.آي.إيه إن المخابرات على دراية بإعلان جماعة إرهابية أجنبية المسؤولية عن إطلاق النار في لاس فيغاس، وبالتالي فإن الوكالة تنصح بالحذر من القفز إلى استنتاجات قبل التوصل إلى الحقائق.

وقال تنظيم الدولة الإسلامية في إعلانه الذي نشرته وكالة «أعماق» التابعة له إن المسلح اعتنق الإسلام قبل عدة أشهر دون أن تذكر اسمه أو أي أدلة. مع الإشارة إلى أن هذا التنظيم قد أعلن في الماضي مسؤوليته عن هجمات من دون أن يقدم أدلة.

جدل حول حق امتلاك السلاح

وقد أعاد الهجوم مجدّداً الجدل الداخلي حول حق اقتناء السلاح وحمله في الولايات المتحدة. فعلى الرغم من أن التعديل الثاني للدستور الأميركي يحفظ الحق في حمل السلاح الفردي، فإن حيازة أكثر من عشرة بنادق وإدخالها إلى فندق في مدينة سياحية تعرف بأندية القمار والحياة الليلية، يُحمّل الشرطة المحلية المسؤولية لجهة الحفاظ على أمن هذه المدينة السياحية وعدم حصول أي خروقات أمنية أكانت متصلة بقضايا داخلية أم بتهديد الإرهاب.

وهكذا إذاً أثار الهجوم غضب مؤيدي الحد من حيازة الأسلحة فيما تمسّك الناشطون المؤيدون للحق في حمل السلاح بهذا البند الدستوري بشدة، وكان لافتاً في هذا السياق أن الهجوم استهدف حفلاً لغناء الريف الأميركي وهذا النمط من الموسيقى يهواه في العادة المواطنون ذوو التوجهات اليمينية، وهي الشريحة من الناس التي تؤيد وتدعم حق حمل السلاح.

واستباقاً لرفع مستوى السجال الداخلي حول هذه القضية، سارع البيت الأبيض إلى رفض بحث أي تعديل على التعديل الدستوري الثاني قائلاً إن من السابق لأوانه بحث السياسات الخاصة بفرض قيود على حمل السلاح، وعبّرت المتحدثة باسم البيت الأبيض سارة ساندرز للصحفيين صراحة عن رفض الإدارة الأميركية الإثارة السياسية لهذا الموضوع لا سيما وأن السلطات المختصة الأمنية لم تحدّد حتى الآن عناصر جميع الحقائق حول ما حدث في تلك الليلة. وحث الرئيس دونالد ترامب الأميركيين على الوحدة في مواجهة الشر، وقال في خطاب وجههه للشعب الأميركي إن التحقيقات ستستمر للتعرف على دوافع الهجوم

ودعا الرئيس ترامب إلى الحفاظ على الأمل على رغم الألم في لحظات الكوارث والهلع، وقال: “تقف أميركا موحدة كما كانت دائما، وندعو الى تعزيز الروابط التي توحدنا وتوحد عائلاتنا وقيمنا المشتركة، ونحث على دعم أواصر المواطـَنة والمجتمع، ورفاهية الطبيعة البشرية المشتركة. لن يتمكن الشر من تشتيت وحدتنا، و لن يكسر العنف روابطنا حتى وإن كنا نشعر بالغضب العارم إزاء القتل المتعمد لمواطنينا فإن الحب هو ما يميّزنا وسيكون كذلك دائمًا”.

وطالب كريس ميرفي السناتور عن ولاية كونيتيكت بأنه آن الأوان للكونغرس أن ينتفض ويفعل شيئا من أجل ضبط عملية حمل السلاح في البلاد.

فيما رأى مراقبون أن جميع مشتريات السلاح يجب أن يسبقها وقت يسمح لوكالة الترخيص بالتأكد من خلفية المشتري، واقترحوا أن تنفذ أقصى عقوبة لجرائم السلاح حتى يتعظ من يفكر في عمل أي جريمة، وأنه ينبغي على الولايات أن تختبر من يحمل السلاح وأن تمنحه دورات تدريبية حول كيفية استخدامه.

وكان الكونغرس الأميركي قد أقرّ في العام 1993 نصاً يحمل اسم “قانون برادلي” فرض التدقيق في السوابق الإجرامية والعقلية قبل بيع أي سلاح، لكن ما نسبته نحو أربعين في المئة من مبيعات الأسلحة لا يشملها القانون لأنها تجري بين أفراد على مواقع إلكترونية متخصصة مثلا تقوم بدور وساطة بين شخصين، ولا يطال القانون سوى التجار الذين يملكون تصريحا بهذه التجارة.

وهناك ثغرات فى السجل العدلي الفدرالي للأفراد، فقد كشفت جمعية “رؤساء بلديات ضد الأسلحة غير المشروعة” أن ملايين الملفات حول أشخاص مختلين عقليا لم تحوّل إلى مكتب التحقيقات الفدرالي.

ومن أصل خمسين ولاية، لا تفحص 13 ولاية إلا سجلاتها العدلية في مكان بائع السلاح، لذلك لا تظهر أي سوابق إجرامية سجلت في أي ولاية أخرى أو على المستوى الفيدرالي.

وحتى تعريف الأسلحة الهجومية متفاوت في النصوص التنفيذية للقانون، فالأسلحة الرشاشة أو الأوتوماتيكية هي محظورة على المستوى الفدرالي باستثناء تلك التي أنتجت قبل 1986 والتي تخضع مع ذلك لإجراءات صارمة لتسجيلها.

منظمة NRA

تعتبر منظمة السلاح الأميركية “إن أر إيه NRA ، اللوبي الأقوى في الولايات المتحدة، وتضم ملايين الأعضاء، بالإضافة إلى أنها تتبرع بملايين الدولارات بصورة مباشرة للحملات الانتخابية، مما يجعل الأعضاء المنتخبين على مستوى الإدارة وفي الكونغرس يعملون لها ألف حساب، ولا يوجد أي لوبي ينافس هذه المنظمة وهو ما ساعد منظمة السلاح الأميركية على مدى عقود في أن تنجح في مواجهة كل المساعي الرامية لفرض قيود على السلاح، مهما وقع من حوادث وجرائم بسبب انتشار السلاح.

السلاح في أميركا وقائع وأرقام

  • أميركا هي الدولة الأولى في العالم في عدد المسدسات والأسلحة الموجودة بين المدنيين، وهي الدولة الأولى في العالم في نسبة السلاح إلى عدد السكان.
  • في كل صباح يحمل مليون أميركي سلاحهم معهم خلال اليوم، و مليونان آخران يحتفظون بسلاح في سياراتهم.
  • (12 في المئة) فقط من الأسلحة الموجودة في أميركا مرخصة (88 في المئة) من الأسلحة الموجودة لدى الشعب الأميركي غير مرخصة.
  • أكثر من نصف المسدسات التي تصنع في العالم كله تصنع في الولايات المتحدة الأميركية. ويصنع في أميركا مسدس كل 10 ثوان.
  • تزايدت الجرائم في بعض الولايات بدرجة (300 في المئة) عندما تم تحجيم حق الأفراد في حمل السلاح، ومنها العاصمة الأميركية واشنطن ومدينة نيويورك.
  • يتعرض (100) ألف أميركي كل عام لإطلاق النار.
  • للإشتراك في “المسيرة” Online:http://www.almassira.com/subscription/signup/indexfrom Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

خبر عاجل