«مارت مورا» شفيعة بقرزلا العكارية قولا وفعلا.. أعاجيب وشفاءات وإحتفالات منذ بداية القرن الماضي

 

كتبت أغنس الحلو زعرور في مجلة “المسيرة” – العدد 1631:

 

 

 

تقرع أجراس الكنيسة، ترتفع الأيادي مهللة بالصلاة، وتنزل نعم من السماء. فعلى قدر إيمانهم يرزقون، وشفيعتهم القديسة مورا لم تردهم يوما خائبين. كبارا وصغارا، مقيمين ومغتربين، يشارك أهل بقرزلا في احتفالات عيد مارت مورا الذي يصادف في 25 أيلول من كل عام. وعلى رغم أن الإحتفالات ضخمة والسهرات عامرة إلا أن ما يشدهم إلى الكنيسة ليس ليالي الأنس والسمر، إنها مارت مورا التي يحلفون باسمها، يصلّون لها ويؤمنون بشفاعتها. هو الإيمان الذي يستمدون صلابته من وجودهم المسيحي في عكار.

 

 

ترتفع كنيسة مارت مورا على تلة ويرتفع الصليب شامخا فوقها. تحيط بها أشجار السنديان والصنوبر وترخي هذه الأشجار بظلالها على مغارة أقل ما يقال عنها إنها عجائبية. تكفي الرهبة التي تعتري كل من يدخلها والخشوع الذي يحل على الزائرين. وفي خارج المغارة تستقبلك أوراق وُضعت داخل شخص القديسة مورا الفاتح ذراعيه أو عُقدت على جذوع الأشجار تركها أصحابها نذورًا لنيل النعم.

هذه السنة احتفل أهل بقرزلا بعيد القديسة مورا على مدى أربع ليال متتالية. الليلة الأولى خُصصت للأطفال، حيث شاركوا أبطال المسرحية التي قُدمت في باحة الكنيسة. الليلة الثانية تخللها قداس احتفالي ترأسه مطران عكار للموارنة جورج أبو جودة، وتلاه زياح حول الكنيسة. وفي الليلة الثالثة أقام أهالي القرية عشاء وسهرة فنية في باحة الكنيسة. أما في الليلة الرابعة والأخيرة وهي ليلة العيد، فحضرت «الهريسة» الشهيرة بعد القداس الإحتفالي وتحلق أهل القرية حول «الدست» للأكل وأخذ البركة، قبل أن يشاركوا في الرقص والغناء.

 

مارت مورا لا ترد أبناءها خائبين

تضم بقرزلا ثلاث كنائس للقديسة مورا ومغارة. ولكن عيد القديسة مورا يقام في الكنيسة المجاورة للمغارة حيث ظهرت قديما ومنذ ذلك الحين سميت المغارة على اسمها والقرية شُملت بشفاعتها.

أخبار وحكايات أهالي بقرزلا عن القديسة مورا وماذا تعني لهم يرويها كبار السن الذين يختزنون الكثير من المعلومات عن القديسة وشفاعتها. تقول زينة موسى: «كانت الطريق للوصول إلى مارت مورا قديما ضيقة جدا وكنا نذهب سيرا على الأقدام. مارت مورا ما في منها، هي الأوّل والآخر وهي أم الكل».

أما شمّا موسى ابنة 82 عاما فلم تطلب شفاعة القديسة مورا إلا وردّتها مفعمة بالإيمان والشكر، وتروي: «بجانب الكنيسة كانت هناك فسحة كبيرة حيث تقام الإحتفالات والمسرحيات. ويأتي الناس من كل القرى المجاورة بكافة طوائفهم حتى من طرابلس للمشاركة في هذا العيد. بالنسبة إليّ لم أطلب منها شيئا إلا وحققته لي. فهي شفيعة الأمراض خصوصًا الجلدية منها. أذكر عندما كنت يافعة ظهرت «تواليل» صغيرة على رجلي وبدأت تتكاثر وتزعجني. فنصحني أبناء البلدة بالصلاة لمارت مورا لتشفيني. فذهبت سيرا على الأقدام إلى المغارة وركعت وصليت وملأت السراج زيتا وأوقدته لأحصل على نعمة الشفاء. وبعد بضعة أيام اختفت التواليل وشفيت كليا».

كان أهالي بقرزلا والقرى المجاورة يبدأون بزيارة الكنيسة منذ بداية شهر أيلول، وفي أسبوع العيد كانوا يقيمون إحتفالات وتقرع الطبول وتقام المسرحيات وتعمّ البهجة قلوب الكبار والصغار.

ويأتي أهل القرية إلى زينة لتطلب شفاعة مارت مورا وتستجيب لصلواتهم. ومن العجائب التي تخبر عنها زينة، «أتتني والدة شاب مصاب بالسرطان صليت لهم ونذرت وشفي. تأتي القديسة مورا قبل العيد بيومين وتغادر يوم العيد. وتضيف: «أحد أحفادي أصابه ديسك في ظهره وكان لا يزال تلميذاً على مقاعد الدراسة حتى أصبح من الصعب أن يجلس. أخذته أمه إلى المستشفى وقبل أن يدخل غرفة العمليات أخبر الطبيب والدته أن العملية خطرة وهناك إحتمال ان يصاب بشلل لأن العملية قريبة من النخاع الشوكي. فقررت والدته، أي ابنتي، ألا تجري له العملية وأحضرته إلى القرية. فذهبت إلى القديسة مورا وتوسلتها الشفاعة لشفاء الطفل وأحضرت ترابا من مغارتها ودهنته على ظهره. فحصلت الأعجوبة وشفي تمامًا».

فريدة عبود حصلت على نعمة الشفاء من القديسة مورا مباشرة. وتروي: «منذ 40 عاما أصبت بمرض لم أعرف ما هو ولكنه يصيب الجسم بالارتخاء التام ولم يستطع أي طبيب تشخيصه أو علاجه، ولكن شفيعتي القديسة مورا، ظهرت لي في الحلم وكانت تحمل مبخرة في يدها وتبخّر قالت لي أصبري ولا تذهبي إلى طبيب، أيقظت عائلتي ليلا وأخبرتهم أن مارت مورا طلبت مني ألا أذهب إلى طبيب مهما حصل. وإذا بي صباحا أشفى كليا من مرضي».

ومارت مورا ليست شفيعة الكبار في السن فقط بل شفيعة جيل الشباب أيضا. فقد أخبرتنا دالي يونان العشرينية، الناشطة في الكنيسة وفي القرية «لا نطلب شيئا من القديسة مورا إلا وتحققه لنا. فحتى المغتربين يعودون إلى القرية في عيد شفيعتها. ومعروف أننا نحلف بها لما لها من أهمية في قلوبنا. إنها قديسة تعذّبت كثيرا ولكنها شفيعتنا في كل المحن».

ويتداول أهل القرية حديثا مفاده أن مارت مورا أبت أن تجلس بين المقابر لذلك هبطت الكنيسة التي بنيت بين المقابر مرتين، وعلى إثر ذلك بنيت كنيسة أخرى على القمة في عشرينات القرن الماضي.

تاريخ دخول القديسة مورا إلى القرية بقي مجهولا، ويخبر جميل الخوري، «بعدما تدمرت الكنيسة القديمة بين المقابر مرتين، تم بناء الكنيسة الجديدة على القمة. أول أعجوبة للقديسة مورا حصلت بجانب الكنيسة. في قرية ضهر حدارة المجاورة، وهي قرية سنيّة بالكامل، كان هناك طفل مقعد طريح الفراش، فطلبت والدته من زوجها أخذه إلى القديسة مورا لتشفيه. استجاب الرجل وحمل ابنه إلى بقرزلا في شهر أيلول، ووصل إلى باحة الكنيسة، ووجد «العرضة»، وهي منصات يبيع فيها أهالي القرية  الألعاب والحلويات حول الكنيسة. ففرش الحصير بجانب الكنيسة ومدد ابنه عليه. ترك ابنه صباحا وذهب إلى منزله. وفي اليوم التالي وفيما كان يشرب القهوة مع زوجته أمام المنزل شاهد ابنه آتيًا ماشيًا نحوهما وكأنه لم يكن مقعدا في يوم من الأيام. فسأله كيف وصلت إلى هنا يا بني؟ أجابه الولد: شاهدت في الحلم امرأة لا أعرفها تقول لي قم واذهب إلى منزلك. ومنذ ذلك الوقت يأتي أهالي كل القرى المجاورة من كافة الطوائف لزيارة مارت مورا والصلاة لها».

تغيّرت الأيام وتغيّرت طريقة الإحتفال بعيد مارت مورا، فمن «العرضة» والمسرحيات وقرع الطبول إلى العشاء الساهر والطرب. ولكن ما بقي على حاله هو القداس الإحتفالي و»دست الهريسة» في كل سنة.

وككل إحتفال أو عمل ضخم هناك جنود مجهولون يقومون بالعمل في كل سنة لإنجاح الاحتفالات وإخراج عيد مارت مورا بالصورة الجميلة التي يظهر بها. والجندي المجهول في بقرزلا هي الحركة المريمية الرسولية. وحول مساهمة الحركة في تنظيم عيد مارت مورا تتحدث رئيستها رندلى إدو: «تقام في عيد مارت مورا كل سنة تسعاوية صلاة قبل العيد، نهتم كحركة رسولية مريمية بخدمة القداس ككل. وتشارك الحركة في تنظيم المنصات التي تعرض وتبيع التذكارات الدينية والمأكولات والحلويات. علاقتنا مع القديسة مورا جميلة جدا، فهي شفيعتنا».

حياة القديسة مورا ومعنى الشهادة في المسيحية

القديسة مورا هي قديسة مصرية من الصعيد وقصة حياتها تدل على أهمية التمسك بتعاليم الكنيسة حتى الشهادة. وحول القديسة مورا وحياتها يقول كاهن الرعية الخوري نعمة الله حديد: «أول ظهور للقديسة مورا كان في المغارة، وإثر هذا الظهور تمت تسمية الرعية على اسمها. القديسة مورا قديمة في التاريخ منذ العام 286. والمفارقة أنها كانت زوجة القديس تيموثاوس، الذي كان قارئا في الكنيسة. أمر الإمبراطور الروماني بإلقاء القبض على تيموثاوس وتعذيبه كي ينكر الدين المسيحي لكنه رفض. حتى أنه صلبه بالمقلوب ولكنه لم ينكر الدين المسيحي. في النهاية أحضروا عروسته مورا وزينوها ورشوها بالعطور لمحاولة إغرائه لإنكار المسيحية وإكمال حياتهما الزوجية وتأسيس عائلة. وكان الجنود قد انتزعوا عينيه فلم يعد يستطع أن يرى. فعندما سمع صوت عروسه عرفها ولكنه بدل أن يشم رائحة العطور قال: «إنني اشم رائحة نتنة»، وهي رائحة محاولة زوجته حمله على ترك الدين المسيحي. وعندها انفتحت عينا مورا على الحقيقة وبدل محاولة إقناعه ترك إيمانه قامت بالعكس على تشجعيه ومساندتها له في المسيحية. عندها غضب الحراس فقطعوا أصابعها وشدوها بشعرها فاستشهد الإثنان فداء الدين المسيحي.

وعن معاني الشهادة في الكنيسة يروي الأب حديد: «أعلن سيدنا البطرك مار بشارة بطرس الراعي، سنة 2017 للتأمل بمعنى الشهادة والاستشهاد. بالنسبة لنا كمسيحيين الشهيد هو الشخص الذي يضحي بحياته في سبيل المسيح. وليس بالضرورة أن تسفك الدماء ليسمى شهيدا في الكنيسة. فقد تغيّر مفهوم الشهادة عبر التاريخ. ففي السابق كانت الشهادة تعني أن يموت الإنسان تعذيبا ولكن اليوم المحيط الذي نعيش فيه يسهل كثيرا إنكار الدين المسيحي. ولكن تمسكنا بأرضنا وبتقاليدنا هي الصخرة التي بني عليها إيماننا الذي لا يتزعزع. وهذه هي حقيقة معنى الشهادة في يومنا هذا، أن نشهد ونتمسك بإيماننا بوجه كل التيارات المعادية. في بقرزلا هناك الكثير من الخبرات التي عاشها أهالي البلدة والمنطقة مع القديسة مورا. وهذه شهادتهم لقوة هذه القديسة مع زوجها تيموثاوس».

يتحدث الأب حديد عن آخر أعاجيب مارت مورا في عهده، «في الباحة الخارجية للكنيسة هناك العديد من أشجار السنديان تم صب الإسمنت عليها في السابق. يبست الأشجار لأن المياه لم تعد تصل إلى جذورها. فأتى شخص من البترون ونذر للقديسة مورا لتمنحه نعمة الأولاد. وبعد عامين رُزق بطفل. فأتى ليوفي نذره، وعندما رأى أشجار السنديان يابسة أخذ على عاتقه حفر الأرض حول كل شجرة لتصل إليها المياه. وفي غضون عامين انتعشت وعادت أشجار السنديان لتنمو وترخي بظلالها على باحة الكنيسة.»

 

 

 

«القوات» في بقرزلا: وجود تخطى المحظور

«القوات اللبنانية» ليست حديثة العهد في عكار عمومًا وفي بقرزلا خصوصا. فقد  بدأت القوات في بقرزلا عام 1995 أيام الوجود السوري، حيث كان يجتمع الرفاق فيها سرا، تحت شعار الطلاب، وكانوا يعتقلون وتمارس عليهم كافة أنواع الضغوط. وأضاء رئيس مكتب «القوات اللبنانية» في بقرزلا توفيق الأحمر وأمين السر آلان الخوري على تلك الحقبة من الوجود القواتي الذي انتقل من السري إلى العلني. وقال الخوري: «في تلك الفترة كانت الأمينة العامة د. شانتال سركيس تجتمع معنا هنا في بقرزلا، وزوجها الأستاذ جان حنا. وعلى رغم أنهما من القبيات إلا أن قريتهما كانت تخضع لضغوط كبيرة، وبالتالي تعذر على «القوات» التحرك في نطاق القبيات. فلجأت الكوادر الحزبية إلى بقرزلا حيث كنا نحرك «القوات»، كان عددنا في ذلك الوقت حوالي العشرين شابا. وبعد نداء المطارنة الموارنة وسيدنا مار نصرالله بطرس صفير في أيلول عام 2000 بوجوب خروج الجيش السوري من لبنان، أصبحنا نتحرّك بعلنية وحرية أكبر. استمرت قوتنا بالتنامي، حتى خرج الحكيم من السجن. عندها خرجنا معه من سجننا الأكبر ونظمنا الإحتفالات الكبرى والنشاطات الضخمة في القرية. فأصداء احتفالات البهجة في يومي العفو عن الحكيم وخروجه من المعتقل لا زالت حتى  اليوم صاخبة في آذاننا وذاكرة أهالي بقرزلا

وحول الوجود القواتي اليوم في القرية والنشاطات التي تقوم بها «القوات»، قال رئيس المركز توفيق الأحمر، «افتتحنا مكتبا عام 2005، وخضنا منه الإنتخابات النيابية في العام نفسه. والآن يوجد لدينا 56 منتسبًا من حاملي البطاقة الحزبية في المكتب، وهناك طاقم ناشط في بقرزلا. والنشاطات التي قمنا بها متنوعة نذكر منها: مآدب عشاء خيرية، وإحتفالات بعيد البربارة، وتوزيع الهدايا في عيد الميلاد، وريسيتال ديني مع جوقة الفيحاء عام 2014، وندوات، ومشاركة الجيش في عدد من النشاطات. باختصار إننا ناشطون في الأفراح والأتراح. «القوات» هي المكتب السياسي الوحيد الموجود في بقرزلا والناشط فيها

 

المصدر:
المسيرة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

خبر عاجل