ما هو السر الذي أخفاه الفاتيكان مئة عام؟

تحت عنوان “مقام بادري بيو في سان جيوفاني روتوندو: إحتفالات وحشود وصلوات… ما هو السر الذي أخفاه الفاتيكان مئة عام؟” كتب سيمون سمعان في مجلة “المسيرة” – العدد 1631:

إحتفلت الكنيسة الكاثوليكية والرهبنة الكبوشية في إيطاليا بعيد سان بيو المعروف باسم القديس بادري بيو، في 23 أيلول الماضي وسط حشد كبير من المصلين من إيطاليا ومن خارجها. معروف أن للقديس بيو الكثير من المحبين والمؤمنين بشفاعته من اللبنانيين وحول العالم ممن يتناقلون أخبار أعاجيبه وسيرة حياته، غير أن للوقوف أمام جثمانه المسجّى في الطابق السفلي من الكنيسة التي شيدت على إسمه في بلدة سان جيوفاني روتوندو حيث أمضى فترة ترهبه ورسالته الكهنوتية، إحساساً آخر لا تُعين الكلمات على وصفه. أما في الخارج فتحضيرات في كل اتجاه احتفالا بالعيد، وبهجة في كل مكان مشفوعة بنعمة الحلول في حضرة القديس.

23 أيلول هو العيد الليتورجي للقديس بيو، وهو ذكرى انتقاله إلى جوار الرب بالروح، فيما بقي حاضرا بيننا بالجسد كعلامة للمؤمنين على قداسته. وبعد خمسين عاما على وفاته ما زال جسم القديس بيو ينضح دماً عند وخزه بإبرة أو بحد سكين. ولا تنطوي سيرة قديس إيطاليا على حالات معدودة من هذه الظواهر، بل هي زاخرة بالكثير من الأسرار والعجائب، كما بعطر القداسة. وقد كان من نعمه أن تمكنت «المسيرة» من زيارة المقام ليلة الإحتفال بعيده حيث كانت التحضيرات قائمة والكنيسة وساحاتها الواسعة تستعد لإحياء هذه المناسبة الكبيرة. والحشود تؤم المكان كأنها تستعجل حلول العيد.

حشود تُميّز المكان

تقع بلدة سان جيوفاني روتوندو حيث كاتدرائية سان بيو، في الجهة الشرقية لجنوبي إيطاليا في مقاطعة فودجا. وهي تبعد حوالى خمس ساعات بالسيارة من روما. تجثو البلدة على واحدة من مجموعة تلال خضراء تتهادى بصمت كأنها تأهبت لتحرس مقام القديس. الطبيعة جبلية بامتياز والجو هادئ والطريق تتلوى صعودا من مدينة مانفريدونيا. كأنها الطريق نفسها التي توصل من جبيل إلى عنايا أو من المدفون إلى كفيفان وجربتا. وكأن أشجار الصنوبر المنتشرة على امتدادها وعلى جنباتها، ما وجدت إلا لتُكمِل المشهد، فتخاله صورة نمطية لمسارات القديسين.

داخل البلدة تعتمر البيوت القرميد وتحتمي بعشرات الأديرة والكنائس الإيطالية الطابع والهندسة. لا تستغرق الطريق من مانفريدونيا إلى سان جيوفاني روتوندو أكثر من عشرين دقيقة ليجد الزائر نفسه أمام زحمة سيارات وحافلات ومشاة وفدوا للزيارة والتبارك، فيعرف من غير استعانة بالـ «غوغل ماب»، أنه بلغ المكان المقصود… إلى أين؟ يسأل بإنكليزية ممزوجة بالإيطالية أحد العاملين على تنظيم الوقوف في باحة الكاتدرائية. إلى مزار بادري بيو. فيحاول من غير عناء إفهام الزائرين بأنهم بلغوا المكان المقصود. فيندفعون بقوة مستعجلين اللقاء.

الكنيسة من الخارج قد لا تُحدث ما يتوقعه الزائر أن يُحدثه فيه بلوغه مقام بادري بيو. ربما لهندستها المختلفة تماما عمّا دأب الإيطاليون على اعتماده من هندسة وزخرفة في بناء الكنائس عبر التاريخ. لكن بمجرد الدخول إلى رحابها، تحل ساطعة رهبة المكان، وتخال في المقابل أن تمثال القديس بيو في آخر القاعة إلى يسار المذبح رافعا يده، هو القديس نفسه يحيّي الزائرين. فتتباطأ الخطى ويسود الصمت لتتواصل صلوات الساجدين في كل مكان ومن جنسيات مختلفة، طالبة الشفاعة والغفران. أما في الخارج فتتواصل التحضيرات الضخمة للإحتفال بالعيد.

إبداع تظلله القداسة

الكنيسة الجديدة تم تصميمها من قبل المهندس الإيطالي رينزو بيانو بمسعى من الرهبان الكبوشيين. وبناها باسكوالي فوجيا. وتم تمويل العمل بالكامل تقريبا عبر مساهمات المؤمنين. تبلغ المساحة الداخلية للكاتدرائية 6 آلاف متر مربع، وهي قادرة على استيعاب 7 آلاف شخص، وتُعدّ واحدة من أكبر كنائس إيطاليا. وقد افتتحت أمام أكثر من ثلاثين ألف شخص في 1 تموز 2004، وكرست من قبل ممثل البابا بنديكتوس السادس عشر دومينيكو أومبرتو أمبروسيو، بعد حوالى عشر سنوات من العمل. لكن المبنى أثار انتقادا في إيطاليا إذ اعتُبِر غير متجانس مع الهندسة الكنسية التقليدية.

تقع الكنيسة على جبل سان جيوفاني روتوندو وهو مجاور للدير الذي عاش فيه القديس، كما هو الحال مع كنيسة مار شربل في عنايا. وهي مشادة من الحجر والحديد ومقاومة لأخطار الزلازل. الأمر الذي استلزم سلسلة من الاختبارات والتجارب على يد عدد من الجيولوجيين الذين أكدوا قدرتها على تحمل زلزال من قوة 6 درجات. وتتميز بتصميم مَواضِع الأجراس التي رُصفت في شكل أفقي إلى يمين الساحة الشرقية للكنيسة بجانب صليب ضخم يبلغ ارتفاعه أربعين مترا ويطل على المنطقة بأكملها. وعند إضاءته، تُمكِن رؤيته من مناطق بعيدة. وتتكون منصات الأجراس المميزة من ثمانية أجراس، تمثّل القديسين الفرنسيسكان، وقد خُصّص الثالث منها لجهة الصليب ليكون للأب بيو.

من جهة الغرب بمحاذاة الواجهة الزجاجية التي تتكون من أكثر من 100 رسمة مزخرفة تتضمن مشهد نهاية العالم، يمتد بستان من 24 شجرة زيتون تمثل الرسل الـ 12، و12 من الأنبياء. ومن أجل ضمان احترام البيئة المحيطة، تم زرع عشرات آلاف أشجار السرو والصنوبر والزيتون، التي تخضع لنظام ري خاص.

اللافت من الداخل هو سقف الكنيسة المصنوع من النحاس والمغطّى بعوارض صفائحية طولية شعاعية، متصلة بعوارض خشبية ضخمة. والأورغ إلى يمين المذبح المصنوع على الطريقة التقليدية القديمة. وفي الوسط يتصدر المذبح وهو من تصميم المهندس أورنالدو بومودورو وإلى جانبه عند الدرج يمتد تمثال حجري رمزي. ومن قاعة الكنيسة إلى الطابق السفلي حيث العديد من السرادب والقاعات والسلالم، تتوزع على جدران الممرات رسوم مرهفة الفن تمثل مجموعة أعاجيب بيو. إضافة إلى مركز للتذكارات، وثلاث قاعات للمؤتمرات تتسع الصغرى منها لـ 249 مقعداً والوسطى لـ 292 مقعداً والكبرى لـ 366 مقعداً.

بحثاً عن السر المدفون

من قاعة الكنيسة نزولا يصل الزائر إلى حيث يعرض جثمان سان بيو. حشود متناهية التأمّل، وعيون يغلبها الدمع كلما اقترب المؤمنون من القديس «النائم» الذي يبدو وكأنه راقد لفترة قصيرة سيعود بعدها الى الصلاة. فالوقوف أمام جثمان القديس، يوحي بكلام متلعثم لا يُقال ولا يُكتب. والتأمل بتفاصيل وجهه البريء الحي العاكس لوجه الله، تسقط له الدموع فتغني عن كل ما تحمله الكلمات من تعابير. هي حالة تجعل الكلام ليس وصفا فيّاضا لأمر عادي، إنما انهمار للحظات تأثُرٍ تجتاح الزائرين، وتفرض نفسها في لحظة اتحاد بالمشهد، فور التماهي مع الحالة والمكان.

في هذا المكان يُعرض جثمان بادري بيو، في شكل دائم إعتباراً من أول حزيران 2013. والجثمان كان عرض 17 شهرا بين 2008 و2009 في كنيسة سيدة العطايا في منطقة سانتو ستيفانو. وقد قصدها للصلاة أمام القديس الأكبر في إيطاليا بعد القديس فرنسيس الأسيزي، وحامل آثار جروحات المسيح، نحو 5 ملايين مؤمن بينهم البابا بنديكتوس السادس عشر.

وكشف فرانشيسكو كاستيلي وهو مؤرخ ومتابع لدعوى تقديس يوحنا بولس الثاني، في كتابه «السيرة الذاتية السرّية»، أن لقاء تمّ بين كارول فويتيلا وبادري بيو في نيسان من العام 1948 فاعترف له الأخير حينها بسر بقي محفوظا في أرشيف الفاتيكان لمدة مئة عام. فما هو هذا السر؟

ما لم يعلم به كثيرون هو أن القديس بيو يحمل، إلى جروحات المسيح الخمسة، جرحاً كان أعمق من كلّ الجروح، لم يكشف سرّه مباشرة لأحد إلا أمام من أصبح بعدها البابا يوحنا بولس الثاني. كان بادري بيو من القديسين القلائل الذين حملوا على جسدهم علامات آلام المسيح الواضحة واختبر الآلام الرهيبة الناتجة عن الجرح الإضافي. وهذا يؤكد ما كشفه يسوع للقديس بيرناردو مباشرةً حول وجود جرح مؤلم وغير معروف في كتف بيو.

وتروي محفوظات الفاتيكان أنه يوم الرابع عشر من حزيران العام 1921، وقف كاهن أربعيني أمام دير سان جيوفاني روتوندو قارعًا الباب. كان يرتدي زيّ الكهنوت المعتاد، إلّا أنّه لم يكن كاهنًا عاديًّا أبدًا. إنّه المطران رافايلّو كارلو روسّي، المبعوث من قبل المكتب البابوي للتّحقيق سرًّا بما يحصل خلف جدران هذا الدّير الإيطالي وفي غرفة بادري بيو على وجه الخصوص. المطران الذي أصبح كاردينالًا، أمضى ثمانية أيّام في الدّير الكبوشي يسأل ويسجّل كل ما يسمعه أو يراه. وقد التقى بادري بيو واطّلع على جروحات المسيح الغامضة التي حملها على جسده.

بعد جمعه كل الأدلة، سجّل المحقق تقييمه الخاص عن بادري بيو حيث تضمن التّقييم أسباب اعتقاده بأن هذه الجروحات في جسد بادري بيو هي إلهية. وأرسل تقريره واستنتاجاته إلى روما حيث ظلّت مدفونة ما يقارب القرن، إلى أن أمر البابا بنديكتوس بفتح أرشيف الفاتيكان لمئة عام خلت. فظهرت حقائق عديدة عن حياة القديس بيو ومعجزاته.

في التقرير يروى الأب بيو كيف نال سمات المسيح الظاهرة في 20 أيلول 1918: «حصل ذلك في صباح أحد الأيام، في موضع الخورس، فيما كنت أتلو صلاة الشكر بعد القداس. فجأةً، أصبتُ برعشة قوية تلاها هدوء، ورأيتُ ربنا في وضع شخصٍ على صليب (لكنني لم أميّز ما إذا كان هناك صليب)، راثياً لجحود البشر، بخاصة المكرسين له والمفضلين عنده. وهذا ما كشف ألمه ورغبته في إشراك النفوس في آلامه. دعاني المسيح إلى المشاركة في أحزانه والتأمل بها. في الوقت عينه، حثّني على العمل من أجل أحزان الرب، فسألته عما أستطيع فعله. عندها، سمعتُ هذا الصوت: «أشركك في آلامي». وعندما اختفت الرؤيا، عدتُ إلى وعيي، ورأيتُ هذه العلامات التي كانت تقطر دماً. ولم يكن لديّ أيٌّ منها من قبل»…

ليست هذه كل الحكاية. وليس الكلام عن القديس بيو، مهما صدق وصفا، كما الوقوف أمامه وفي ظل نعمته. وليس الخروج من ذلك المكان المقدس، أبدا كما الدخول إليه…

مسيرة قداسة في سيرة قديس

ولد بيو المعروف بـ «بادري بيو» أي الأب بيو بتاريخ 25 أيار من العام 1887 في بيترلشينا في بينيفنتو – إيطاليا لوالديه أورازيو فورجونية، وجوزبا دي نونزيو. وكان اسمه عند الولادة فرانسيسكو. التحق بدير الآباء الكبوشيين في موركونيه وهو في عمر الخامسة عشرة. وأصبح راهباً بتاريخ 22 كانون الثاني 1903، وسيم كاهناً واحتفل بقداسه الأول على مذبح رعية كنيسة العذراء مريم والملائكة بتاريخ 10 آب1910 .

استقر بيو لاحقاً في دير القديسة حنّة في فوجا وذلك في شهر شباط من العام 1916، بعدها انتقل إلى دير جيوفاني روتوندو وبقي فيه لا يغادره إلا نادرا، حتى وفاته في 23 أيلول 1968، عن عمر 81 عاما. وخلال حياته الكهنوتية مارس بيو نشاطات اجتماعية وإنسانية متنوعة. وكان افتتاح مستشفى «بيت التخفيف من الألام» من أبرز إنجازاته. في 18 كانون الأول1997  أعلنه البابا يوحنا بولس الثاني مكرماً، وطوباوياً بتاريخ 2 أيار 1999، ثم قديساً في 16  حزيران 2002.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

 

المصدر:
المسيرة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

خبر عاجل