“القوات اللبنانية” أكثر من حزب… إنها ثقافة حياة ووجود!

يتكلم بعض المسؤولين في أكثر من حزب مسيحي في الفترة الحالية عن تاريخ حزبهم وحاضره، ويؤكدون في الوقت عينه أنهم مُستقبل هذه البلاد والعباد، على اعتبار أن التاريخ يبدأ منذ سنة او اثنتين او ثلاثة أو حتى منذ 20 عاماً.

اذا اردنا التكلم في التاريخ فلا بُدّ لنا العودة الى تاريخ ترقية تلميذ القديس مارون، الراهب يوحنا مارون أو يوحنا الفيلادلفي، الى أسقفية البترون في جبل لبنان “حيث انتقل وقتها من دير القديس مارون الى ابرشيته وتفانى في حراثة كرم الرب وردّ الى الإيمان القويم كثيرين من اصحاب بدعتي الطبيعة الواحدة او المشيئة الواحدة من رعيته وغيرها”.

في وقتها بدأ يوحنا مارون المقاومة المسيحية الحقيقية ضد اليعاقبة وبدعهم التي كان من شأنها ان تُبعثر الإيمان المسيحي، وقد عانى ما عانوه رهبان مار مارون من الدير الذي حمل اسمه على نهر العاصي وصولاً الى جبل لبنان.

يوحنا مارون، الذي أقيم بعد ذلك بطريركاً على انطاكيا، قرر المواجهة وهرب الى لبنان حيث بنى ديراً على اسم القديس مارون ووضع فيه هامته من ديره على العاصي. وهو لم يكتفِ بالمقاومة الدينية، بل أقام امراء وقادة جيش لحماية تلك الجماعة المارونية الصغيرة التي بدأت تتمدد أكثر في جبل لبنان متحدية كل الصعاب.

وكان هذا الفصل الأول من تاريخ المقاومة المسيحية في الشرق وتحديداً في لبنان، وكُتب من بعدها فصولاً كثيرة من المقاومة الشرسة في وجه كل المحتلين، وكان للكنيسة المارونية شهداءَ كُثر على رأسهم البطريرك دانيال الحدشيتي الذي قاوم جيوش المماليك وتمكن من إيقافها أمام اهدن أربعين يوماً ولم يتمكّنوا منها إلّا بعدما أمسكوا البطريرك بالحيلة، وكان القبض على البطريرك أعظم من إفتتاح حصن أو قلعة كما يروي المؤرخون.

عرف الموارنة في جبل لبنان حروباً كثيرة، عانوا من اضطهاد ومات المئات دفاعاً عن تراب هذا الجبل الغالي وعن كرامتهم وحريتهم، هم اختاروا قرار العيش بحرية منذ البداية، رفضوا الذمية والاستسلام، اختبؤا في عاصي الحدث وعاصي حوقا حتى الممات، فكان الموت أسهل من الاستسلام.

هذا التاريخ الذي يتجاهله البعض ويتناساه البعض الاخر، زاد هذه الاقلية في الشرق ايماناً واصراراً أكبر على البقاء، فاختلفت طرق المقاومة وبقي الهدف واحداً أوحد.

المقاومة المسيحية كانت في “الجلالي” التي بنوها في وادي قنوبين، هم قاوموا طبيعة الارض الصعبة. المقاومة المسيحية كانت بالانتشار في جبل لبنان من البترون وجبّة بشرّي الى الشوف. المقاومة المسيحية كانت بالاصرار على التعلم والتطور فكانت المدارس المجانية للموارنة. المقاومة المسيحية كانت موجودة بوجوه كل الرهبان الموارنة الذين حملوا السلاح دفاعاً عن وجودهم، هي كانت بأعمال القديس شربل ومعلمه نعمة الله الحرديني، وفي القديسة رفقا.

المقاومة المسيحية التي تكلم عنّها العلامة البطريرك اسطفان الدويهي كانت موجودة مع ثورة طانيوس شاهين، ومع شجاعة بشير الجميل، وهي موجودة اليوم مع اصرار سمير جعجع على الوصول الى الدولة القوية.

في الماضي القريب، لم يتأخر شباب “القوات اللبنانية”، ومن دون أي إطار تنظيمي، بتلبية النداء وحمل السلاح للدفاع عن لبنان بوجه كل الغرباء الطامعين بأرض هذا الوطن. سقط الكثير من الشهداء، في وقتها كانت المهمة مستحيلة أمام جيوش الدول المجاورة المدعومة من دول العالم، لكن مئاتٍ من شباب “القوات اللبنانية” قلبوا المعادلة وجعلوا من مهمة تلك الجيوش القادمة بالألوف مستحيلة.

وككلّ مرّة، تختلف الظروف وتختلف معها طريقة المقاومة، لكن القضية واحدة والهدف واحد. فانتقلت المقاومة من البندقية على اكتاف ابطال “القوات” على جبهات القتال الى ساحات المجد التي شهدت على تضحيات المئات من طلاب “القوات اللبنانية” وشبابها في وجه وصاية سورية همجية.

والآن وبعد 12 عاماً على خروج “الحكيم” من معتقله السياسي، أصبحت المقاومة المسيحية بقيادته رأس حربة في محاربة الفساد في الدولة وهي تعمل بكل قواها لتحقيق “حلم البشير” بالوصول الى دولة حقيقية سيدة حرة مستقلة.

في رسالة “الحكيم” لشهداء المقاومة اللبنانية في 10 ايلول، قال: “إطمئنّوا، فكما خُضتُم غمار نضالاتكُم العسكريّة بكُلّ نُبلٍ والتزامٍ واخلاقٍ وشفافيّةٍ، هكذا يُتابعُ رفاقٌ لكُم اليوم خوض غمار المُعترك الحُكُوميّ والنّيابيّ والسّياسيّ والتّشريعيّ بالصّلابة عينها والأخلاقيّة نفسها”.

مُخطئ من يعتقد أن المقاومة المسيحية هي فقط بحمل البندقية، ومُخطئ ايضاً من يعتقد أنه من صلب تاريخ المقاومة بالخطابات الرنانة، أو حتى بتغريدة من هنا أو رسالة مصورة من هناك. لا يا سادة. الامور ليست بكل هذه البساطة.

المقاومة المسيحية الحقيقية هي ثقافة حياة ووجود، لا يُمكن اكتسابها إلّا بالتضحية وبذل الذات من أجل مجتمع، هي بالتخلي عن ملذات هذه الحياة ورفض الرشوة ومحاربة الفساد، هي بالعمل الفعلي وليس بالخطابات الكاذبة.

المقاومة المسيحية هي برفض الذُمية حتى ولو تحت تهديد السلاح، هي عندما تبقى الحرية خياراً لنا أمام الخيارات الأربعة التي تحدث عنها الشيخ بشير، “إما العيش احرار برأسٍ مرفوعة كمسيحيين في هذه النقطة من الشرق، أو العيش ذميين، أو أن نشمل أو أن نُغادر”.

المقاومة المسيحية هي عندما نقرر المواجهة.. وهذا كان خيار “القوات اللبنانية” ولا يَزال.

ملاحظة: هذا المقال شارك فيه الزميل شدياق في جائزة “الكلمة الحرة” التي نظمتها اللجنة الإعلامية في منسقية ـ بشري في “القوات اللبنانية”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

خبر عاجل