الشيخ الجوهري لـ”المسيرة”: النظام السوري باع “رأس عماد مغنية” للغرب

كتب فادي عيد في “المسيرة” – العدد 1632

الشيخ الجوهريالنظام السوري باع “رأس عماد مغنية” للغرب

و”حزب الله” ورث كل الأدوات السورية في لبنان

اعتبر الشيخ عباس الجوهري ان من يمتلك القرار لدى الطائفة الشيعية هو الذي يتحمل مسؤولية الدم الذي يسقط في سوريا أمام الرأي العام والتاريخ. وأكد ان الشرعية تأتي فقط من صناديق الاقتراع لافتاً الى ان اللباس الديني لا يعطي الشرعية لأي فكرة. وأوضح أنه ابتعد عن “حزب الله” عندما وقف الحزب بوجه ثورة الجياع في بعلبك. ورأى ان المرجعية العليا للشيعة هي في النجف وان إيران دعمت المقاومة ضد إسرائيل لكن إنجاز التحرير جرى تسييله لحساب النظام السوري. وكشف ان النظام السوري قدم نفسه للغرب على أنه شرطي المنطقة وأنه يدجّن الإسلاميين ومنهم “حزب الله”، ولذلك لم يشارك الحزب في الحكومات إلا بعد خروج السوريين من لبنان. “النجوى – المسيرة” التقت الشيخ الجوهري وكان الحوار الآتي:

هل هي صحوة أم أن الإنتخابات النيابية المقبلة هي الحافز الأساسي لحصول هذا اللقاء بين القيادات الشيعية المناوئة لـ”حزب الله”؟

ليس هذا اللقاء الأول، إنه المحاولة الخمسين أو الستين، إن لم نقل المئة، من ضمن محاولات سبقت ومحطات أعلنا فيها معارضتنا للشأن العام في ساحتنا الشيعية وعلى المستوى الوطني، وكوننا نتضوّر ألماً من الإمساك بقوة بناصية القرار في الساحة الشيعية، كان لا بد من إعلاء الصرخة دوماً. إن الإستحقاق الإنتخابي شرعي وتتنافس الناس فيه بديموقراطية، ولأننا ديموقراطيون، نريد من هذا الإستحقاق أن يكون ديموقراطياً، وأن يشكّل محطة للتعبير عن الرأي، ولأننا نعتبر أن الشرعية تأتي من صناديق الإقتراع. ووفق القانون الإنتخابي الجديد، لم يعد من مجال أمام أي طرف للحصول على 51 في المئة من الأصوات، بل هناك فرصة أمام الجميع لإثبات رؤيتهم السياسية وخوض المعركة الإنتخابية لكي تستقيم الحياة السياسية في لبنان.

منذ نشأة “حزب الله” كانت النتائج محسومة على الساحة الشيعية ولم تكن انتخابات، واقتصرت المعارك على الساحتين السنية والمسيحية والدرزية. كيف تجرأتم على ما تقومون به؟

إن الجرأة موجودة في كل الأوقات، ولكن علينا أن لا نخفي حقيقة أن “حزب الله” راكم إنجازات مهمة في المقاومة ضد الإحتلال الإسرائيلي، وقدّم تضحيات أفضت إلى خروج المحتل. ووجد الشعب اللبناني في هذه المجموعة التي قاتلت العدو احتراماً كان مفقوداً في العالم العربي الذي ركع منذ زمن طويل للإملاءات الإسرائيلية، إذ أن قلة بسيطة من اللبنانيين أخرجت المحتل من أرضها. ولا نعتب على الشيعة لأنهم تمسّكوا بهذا الخيار، فكل المواطنين في العالم العربي والغربي نسيوا أن المقاومة شيعية وحملوا صور السيد حسن نصرالله. ولا يُلام الشيعة في لبنان لأن العرب اعتادوا تقديس الملوك والرؤساء، فكيف بمن أنجز ووفى بالوعد؟

لكن، يا للأسف، فإن هذا الإنجاز الكبير سُيّل لحساب النظام السوري، وكلنا نذكر كيف بدأ الحديث عن خروج السوري بعد خروج الإسرائيلي من لبنان. فالعلاقة التي جمعت الرئيس بشار الأسد والسيد نصرالله تطّورت منذ أن قرّر السيد نصرالله الدفاع عن الوجود السوري في لبنان، وقال “إذا خرجت الدبابات السورية من لبنان سنقف أمامها». إن هذه الوقفة هي التي أسّست لذهاب أبنائنا إلى سوريا لحماية هذا النظام، وهذا هو الخطأ. وعندما ارتفعت الأصوات في لبنان مطالبة بالخروج السوري، اعتمد النظام إجرامه، وبدأت مرحلة الإغتيالات في لبنان، لكن اغتيال الرئيس رفيق الحريري جاء بعكس المتوقّع، إذ انفلت الشارع اللبناني في المطالبة بخروج السوريين، وحصل ضغط عربي وغربي عليهم فخرجوا من لبنان. وهنا، ورث “حزب الله” كل الأدوات والأوراق السورية في لبنان، فأصبح يدير اللعبة في لبنان، بعدما لم يكن يشارك في الحكومات عندما كان السوري في لبنان، لأن النظام كان يقدّم نفسه للغرب على أنه “شرطي” المنطقة، وأنه يدجّن الإسلاميين، ومن بينهم «حزب الله»، حيث كان يلعب لعبة مزدوجة. وأعتبر أن الخطأ بدأ من هناك، وأن المقاومة كانت بغنى عن الوجود السوري لأنه لم يعطها الفرصة، بل أخذت القوة من غيابه. ومع الأسف أكملوا الطريق معه حتى 2007 عندما باع النظام السوري للغرب رأس عماد مغنيه، مع العلم أن هذا النظام، وعندما كان محشوراً في الزاوية، باع أوراقاً كبيرة، ولذلك انفتح الغرب عليه وذهب الرئيس سعد الحريري إلى سوريا. وما يؤرقنا أن “حزب الله” لم يفهم أن هذا النظام يبيع ويشتري، وإن إعطاءه قطرة دم واحدة من دماء أبنائنا هو جريمة. لذلك، أعتقد أن هناك تقديراً خاطئاً في تبنّي فكرة تثبيت النظام، لأنني إن كنت خائفاً على بلدي، يجب أن أبني سوراً وأقيم دولة وجيشاً، وليس أن أذهب إلى سوريا. إن «حزب الله» يقول إن سوريا هي خط الإمداد للمقاومة، ولكن السؤال اليوم، هل ما زال الحزب قادراً على مواجهة المحتل الإسرائيلي؟ إن الدخول في الوحول السورية لنجدة النظام خدم إسرائيل، ولذلك لاحظنا تسهيلاً من الغرب والروس لتدحرج الحزب في المستنقع السوري، وهنا، لا يجب أن يعتبر أحد أنه أذكى من اللاعبين الكبار لأنه سيضيع في اللعبة. وشيئاً فشيئاً بدأت تظهر الخسائر والإستنزاف مستمر لشبابنا في سوريا. نخشى أن تأتي لحظة نرى فيها أن ما حصل للمقاومة الفلسطينية يحصل لنا، لأن القضية الفلسطينية دخلت في المستنقع اللبناني فتخلى الناس عنها ولم يقف أحد مع الثورة الفلسطينية عندما خرجت من لبنان ومن بيروت. لذلك أعتقد أن هذه الخسارة لا تظهر في لحظتها، بل هي بحاجة للوقت لكي تظهر.

هل أنتم نواة حزب أو حركة أم تيار؟

نحن لدينا رؤية، والإستحقاق الإنتخابي يبلورها ويعبر بنا إلى تحقيقها، ولكن ذلك ليس آخر المطاف، سوف نكمل النضال من أجل إقامة دولة مدنية عصرية تحترم أبناءها ويشعر فيها المواطن أنه محترم وتصله حقوقه متساوياً أمام القانون مع نظرائه.

ألا تشعرون بحالة قمعية داخل المجتمع الشيعي؟

لا نريد أن نحكم بسرعة، حتى الآن لم يتعرّض أحدنا لأي أذى مباشر، طبعاً هناك حالة تعبوية في الجمهور الذي يسقط بعضه أخلاقياً خلال حملات الشتائم والسباب على مواقع التواصل الإجتماعي، نحن نرصد ذلك، لكن هذا مأزق لـ”حزب الله” وليس لنا، عندما تنحدر الأقوال والأحاديث إلى الشتائم. لكن في الساحة الشيعية متنوّرين وعقلاء راقبوا وتابعوا، وهم يطلقون مواقف تقول بضرورة عدم اتهام أحد قبل أن يثبت عليه تبعية لأحد، ونحن أمامنا تحدٍّ بأن لا نقبل التبعية لأحد، وأن نكون لبنانيين مستقلين نسعى من أجل مشروع وطني.

لستم إذاً شيعة السفارة كما يتّهمونكم؟

هذا التعبير أصبح ممجوجاً وتافهاً، ومن أطلقوه تافهون لأن كل قوتهم من السفارة الإيرانية، نحن ليس لدينا سفارة، الإعتراف سيد الأدلّة وهم يعترفون أنهم أتباع السفارات وعملاء السفارات.

من يقصدون، السفارة الأميركية أم السعودية؟

السفارات التي تناوئهم. لسنا ملزمين بأدبياتهم في العداء للآخرين، هم أحرار في عدائهم لأميركا، نحن لسنا عملاء لأميركا، ولكن لسنا مشاريع أعداء لها، ونحن لسنا عملاء للسعوديين، ولكن أيضاً لسنا مشاريع عداوة مع السعوديين، نحن ندعوهم إلى المصالحة مع العالم العربي. لذلك، عندما يعيبون علينا صداقات معينة، نقول لهم أن هذه ليست علاقات عمالة ولا استرزاق، أي أننا لم نقبض من أحد أي فلس، ونريد أن تكون إمكاناتنا من بيئتنا ومن رجال أعمال يؤمنون بفكرتنا ويقومون بدعمها. وكلما وجدوا فيها شفافية واستقامة كلما رأينا ازدياداً في الداعمين.

عندما يقول السيد نصرالله، سنكون حيث يجب أن نكون، ماذا تفهم من هذا القول؟ ومن يحدّد الواجب؟

هذا هو الخلاف الرؤيوي. نحن في دولة شرعيتها من العقد الإجتماعي، وشرعيتها أن اللبنانيين تعاقدوا أن تكون مؤسّسات الدولة هي الحكم وهي المرجع، فمؤسّسات الدولة المنتخبة شرعياً وتأخذ شرعيتها من صناديق الإقتراع هي التي تحدّد أين يجب أن نكون. لذلك، عندما يذهب فرد من أفراد لبنان إلى خيار دون العودة إلى إجماع وطني، يكون قد اختار هو لنفسه والشرعية يعطيها هو لنفسه، أما أن يلزمني بأن خياره شرعي ويجب أن أكون في الشرعية معه أينما كان، هذا خطأ في الفهم وخطأ في العقيدة، نحن لدينا حديث من النبي علي يقول له: “علي مع الحق، الحق مع علي، يدور معه كيفما دار” هذه تصحّ مع الإمام علي، أما سواه فلا. لذلك، عبارة «حيث يجب أن نكون سنكون» تصح على العوام من أتباعهم، لكن لا تصح على أي لبناني يعتبر أن السلطة الشرعية الرسمية هي التي تأتي من خلال الإنتخابات، وهي التي تقرّر أين تكون وأين يجب أن لا تكون، لكن اليوم هناك سلطة أمر واقع في لبنان، أي هناك أمور غير قانونية تمرّ.

إيران هي التي تقرّر أين سيكونون؟

حسب مفهومهم لمبدأ ولاية الفقيه، يرون أنهم أتباع ومطيعون لها، ولكنهم لا يستطيعون أن يلزموا الشعب اللبناني بهذا المبدأ. فالمرجعية العليا للشيعة في العالم وهي في العراق، لا تقول بهذا المبدأ بل بشرعية الدولة المدنية وتدعو الشيعة الى الاندماج بمجتمعاتهم ومن خلال سلطاتهم الشرعية المنتخبة.

من يتحمّل مسؤولية هذا الثمن الكبير الذي تدفعه الطائفة؟

من يأخذ القرار في الطائفة الشيعية يتحمّل أمام الله والتاريخ نتائج خسارة أبنائنا، والتاريخ بيننا.

هل بإمكان رجل الدين أن يختزل الحقيقة؟

أبداً، فرجل الدين بشري ولا يمتلك الحقيقة، وهو يخطئ ويصيب، وإنما الحقيقة هي أمر بيّن يجمع عليه العقلاء من الناس، واللباس الديني لا يعطي شرعية لأي فكرة، لأن الشرعية تأتي عندما توضع الفكرة على ميزان العقل.

الكثيرون يعتبرون أن “حزب الله” استنهض الساحة الشيعية؟

الناس أحبّوا المقاومة وقيادتها، وسكروا بها ولم يعودوا ينتبهون إلى الأخطاء التي يمكن أن تقوم بها، لأن البشر غير معصومين عن الخطأ.

ما الذي دفعك إلى الخروج من “حزب الله” وأنت تلميذ ولاية الفقيه؟

الصدمة الأولى التي فتحت عقلي على ضرورة الدراسة والتحليل هي وقوف “حزب الله” في وجه “ثورة الجياع” التي قام بها الشيخ صبحي الطفيلي في البقاع. وعندما وقف الحزب إلى جانب حكومة الرئيس رفيق الحريري في العام 97، اكتشفت أنه لا يريد الخير للناس ويريد التفرّد في السلطة من دون أي منافس شيعي. إنهم يتقاتلون على الدنيا والمناصب والمكاسب.

لكن ولاية الفقيه تقول بالمقاومة؟

وأنا أقول بالمقاومة، ولكن بمفهومي أنه بعد إخراج المحتل من الأرض، على المقاوم أن يعود لبناء الإنسان والوطن. نحن أخرجنا الإسرائيلي، وذهبنا لنبني أوطان غيرنا، ورحنا نبيع عمالة للآخرين، ولو بنينا منذ ألـ2000 الوطن، لكنا نملك اليوم بلداً أفضل. لكن اتضح لنا أن الذي كان يدعمنا، كان يريد أن يحقّق مصلحته. لقد شكرنا الإيراني على مساعدته، ولكنه لم يساعدنا على بناء الدولة التي تبني الإنسان، فكان التحرير دون فائدة.

كيف تصف علاقتك اليوم بـ”حزب الله”؟

لا أحمل لهم الضغينة، ولا أحب أن تكون علاقتي بهم مقطوعة. لكني أقدّم رؤيتي مقابل رؤيتهم، والرأي العام هو الذي يحكم. وإذا فشلنا بإقناع الرأي العام، نقدّم وجهة نظرنا للتاريخ حتى لا يقال ان هناك عمى على الساحة الشيعية. إن الجمهور لديه مصلحة يقدّمها له “حزب الله” الذي يأخذ موازنة مالية كبيرة من إيران، لذلك، لا أستطيع إقناعهم برؤيتي لأنني لا أستطيع تقديم بديل مادي، بل أقدّم القول وهم يختارون أحسن القول.

من هو حليفكم؟

إن كل مواطن لبناني يؤمن بإقامة الدولة اللبنانية العادلة هو حليفنا.

أين المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى؟

في أيام الإمام موسى الصدر كان المجلس مؤسّسة وشخص، ومع الإمام شمس الدين صار شخصاً بدون مؤسّسة، ومع الشيخ عبد الأمير قبلان لم تعد من مؤسّسة ولا شخص، مع احترامي الشديد لشخصه الطيب والوقور.

كيف تصف علاقتك مع معراب؟

منذ محاولة اغتيال الدكتور سمير جعجع اتصلت به وقلت له أن الله دافع عنك لأنك وقفت إلى جانب المظلومين من الشعب السوري الفقير، وأنت تعرف أن وقوف فريق لبناني من الأقليات إلى جانب السنّة هو مخاطرة في زمن الصراع بين الأقليات، فهو يسير عكس التيار كما أفعل أنا، ومن يومها بدأ الحوار بيننا، واستفدنا منه كثيراً.

كيف ترى مستقبل سوريا؟

في النهاية، ستكون تسوية مثل التسوية اللبنانية، ولكن الجيل الذي بدأ الحرب في لبنان لم ينهِ التسوية التي أتت بجيل جديد، وهذا ما سيحصل بعد وقت طويل في سوريا.

هل ستكون سوريا بقيادة بشّار الأسد بعد التسوية؟

على المستوى البعيد قطعاً لا، وعندما تنضج هذه التسوية لإقامة الدولة السورية، لن يكون على رأسها شخص دمّر الدولة.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل