واشنطن و”حزب الله”: صراع وجود بلا حدود

كتب نجم الهاشم في افتتاحية “المسيرة”  – العدد 1633:

ليست المرة الأولى التي تعلن فيها واشنطن عن مكافآت مالية مقابل معلومات يمكن أن تؤدي إلى اعتقال بعض قياديي “حزب الله”. بدأت مع عماد مغنية الذي وصلت المكافأة المخخصة به إلى 25 مليون دولار واليوم تنتقل إلى من تولى المسؤولية بعده وبعد خلفه مصطفى بدر الدين، طلال حمية وفؤاد شكر. ولكن ما يمكن التوقف عنده هذه المرة أن المبادرة الأميركية تأتي في إطار ما يمكن أن يكون حربا شاملة ستشنها واشنطن على الحزب وعلى إيران والحرس الثوري في مرحلة إعادة رسم خارطة المنطقة. فهل سينجو الحزب؟ أم أنه سيستمر في خوض حرب وجود بلا أفق ولا حدود؟

منذ العام 1983 برز اسم عماد مغنية على لائحة الأهداف الأميركية والإسرائيلية عندما تم ربط اسمه بالتفجيرات الإنتحارية التي استهدفت مقر السفارة الأميركية في عين المريسة في بيروت في 18 نيسان 1983 ومقر المارينز على طريق المطار في 23 تشرين الأول 1983 والسفارة الأميركية في عوكر في 20 أيلول 1984 وبخطف طائرة TWA الأميركية في 14 حزيران 1985. ولكن على رغم ذلك استمر مغنية في دوره الأمني والعسكري في “حزب الله” وتحوَّل إلى ما سمي “الشبح” نظرًا لتعذر اكتشاف مكان محدد له أو حتى صورة واحدة رسمية. على رغم اختفائه بقي مغنية حاضرًا وجاهزًا للعمل تحت اسم الحاج رضوان ولم تحل ملاحقته دون أن يصبح الرجل العسكري الأول في الحزب على رغم تبدل القيادة من الشيخ صبحي الطفيلي إلى السيد عباس الموسوي إلى السيد حسن نصرالله بقي مغنية الثابت الدائم.

في 12 شباط 2008 اغتيل عماد مغنية في دمشق. الشبح الذي تمكن من التواري 25 عاما ظهر في حي كفرسوسة وظهر أيضًا أن المكان الذي اعتقد أنه يمكنه أن يستمر متخفيًا فيه كان أصبح مكشوفا. ومن سوء حظ “حزب الله” أن الأراضي السورية ستتحول إلى ممر العذاب والقتل الذي سيغرق فيه وسيؤدي إلى خسارته أبرز قادته العسكريين الذين شاركوا في الحرب السورية دفاعًا عن النظام السوري.

كان عماد مغنية باني القدرات العسكرية في “حزب الله” التي استخدمت في حرب تموز 2006. بعد تلك الحرب وبعد القرار 1701 الذي وضع حدًا لها وكرس وقفاً لإطلاق النار على طول الخط الأزرق في الجنوب كان لا بد من أن ينتقل الحزب إلى الجبهات السورية منذ انطلقت الأحداث في 15 آذار 2011. ولكنه لم يكن مقدِّرًا أن هذه الحرب ستستمر كل هذا الوقت وأنه سيدفع فيها أثماناً باهظة ولن يكون في استطاعته أن يحدد متى وكيف سيخرج منها.

بعد اغتيال مغنية برزت أسماء عديدة لخلافته. من بينها أسماء مصطفى بدر الدين وطلال حمية. كان مصطفى الملقب ذو الفقار متهمًا من لجنة التحقيق الدولية في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005. وكان الأوفر حظا في تولي الموقع الذي كان يشغله مغنية خصوصًا أنه يمت إليه بقرابة مصاهرة وكان رفيقه في التخطيط والتجهيز والعمليات وكان أيضا مثله كأنه شبح حيكت حوله أساطير كثيرة من بينها اعتقاله في الكويت في العام 1983 بعد محاولته تنفيذ عمليات إرهابية منها محاولة تفجير السفارة الأميركية واغتيال أمير الكويت وتمكنه من الفرار من السجن بعد اجتياح صدام حسين للإمارة الخليجية.

بعد اتهامه باغتيال الرئيس رفيق الحريري زاد غطاء السرية عليه. أمين عام “حزب الله” السيد حسن نصرالله اعتبره مع المتهمين الآخرين قديسين لا يمكن الوصول إليهم لا اليوم ولا بعد 300 عام. ولكن كما عماد مغنية كانت دمشق هي المكان الذي سيشهد نهاية بدر الدين.

إذا كان “حزب الله” اتهم الموساد الإسرائيلي باغتيال مغنية من دون أن يقدم رواية رسمية للطريقة التي نفذت فيها العملية، وإن كان تم تسريب روايات عن طريق وسائل إعلام قريبة منه، فإنه أيضًا لم يكن مقنعًا في اعتباره أن بدر الدين قتل نتيجة سقوط قذيفة على المكان الذي كان فيه في 13 أيار 2016 بعد وقت قليل على انتهاء اجتماع بينه وبين اللواء قاسم سليماني قائد فيلق القدس الذي غادر في طائرة عبر مطار دمشق.

منذ العام 2008 فشل “حزب الله” في الرد على اغتيال مغنية. حكي عن عمليات كثيرة تم إفشالها في عدد من الدول وصولاً إلى اعتقال اثنين من عناصره حزيران الماضي في الولايات المتحدة الأميركية “شكلا خطرًا على أمنها” وهما أميركيين من أصل لبناني “تدربا في معسكراته ويقدمان له الدعم”.

وبحسب البيان الصادر عن مكتب النائب العام في جنوب ولاية نيويورك جون كيم فإنه تم اعتقال المتهمين كل على حدة، حيث اعتقل “علي كوراني”، وهو لبناني الأصل (32 عاما) في حي برونكس في نيويورك، بعد أن أكدت التحقيقات أنه أقدم بشكل خاص على جمع معلومات عن الأمن في مطارات عديدة في الولايات المتحدة وعن طريقة العمل فيها، وراقب مباني عائدة إلى قوات الأمن في مانهاتن وبروكلين.

وبحسب البيان أيضا، فإن كوراني خضع لتدريبات عديدة في معسكرات تدريب لـ”حزب الله” في لبنان.

كما اعتقل “سامر الدبق” (37 عاماً)، في ديترويت بعد أن تم إثبات تدريبه داخل منشآت لـ”حزب الله” بهدف التأقلم مع الاستخبارات واستخدام السلاح وتصنيع المتفجرات واستخدامها، واعتقل الدبق بتهمة الإقدام على تحديد مواقع في بنما وخصوصا سفارتي الولايات المتحدة وإسرائيل، وبالسعي إلى العثور على عيوب أمنية في منشآت قناة بنما.

الولايات المتحدة كانت صنفت “حزب الله” كمنظمة إرهابية، منذ إنشائه في ثمانينات القرن الماضي ودائما بقيت تطالب بتسليمها عناصره المتهمين بتنفيذ العمليات الإرهابية ضدها. ولذلك لا يمكن اعتبار المكافأة التي حددتها مقابل معلومات عن طلال حمية وفؤاد شكر تطورًا جديدًا وأساسيا. فبحسب المعلومات تولى حمية موقع مصطفى بدر الدين ووحدة العمليات الخارجية ويتولى شكر مسؤولية المجلس الجهادي في الحزب.

هاتان الوحدتان كانتا دائما محط متابعة استخباراتية إسرائيلية وأميركية إلى الحد الذي أدى ألى كشف عدد من العمليات التي كان يحضر لها الحزب قبل حصولها. ومنها عملية في تايلند في نيسان 2014 أدت إلى اعتقال يوسف عياد وداود فرحات وعملية في نيجيريا في حزيران 2013 أدت إلى اعتقال عبدالله طحيني ومصطفى نوار وطلال روضة وعملية في البيرو أدت إلى اعتقال محمد همدر وعملية في منتجع بورغاس في بلغاريا في تموز 2013 التي قتل فيها منفذها محمد حسن الحسيني. اكتشاف هذه العمليات قبل حصولها واعتقال عناصر «حزب الله» المكلفين تنفيذها أدى إلى كشف الحزب عن اعتقال عميل داخل وحدة التدخل الخارجي يدعى محمد شوربة في العام 2014 بعدما كان تم الكشف أيضا عن توقيف عميل آخر كان يعمل لمصلحة المخابرات الأميركية ملقب بـ”أبو تراب” في العام 2011.

القرار الأميركي الجديد المتعلق بطلال حمية وفؤاد شكر تكمن خطورته في أنه يأتي ضمن حملة شاملة تخوضها واشنطن ضد “حزب الله” وإيران. وهي تشبه إلى حد ما الحملة التي تعرض لها النظام السوري من أجل إجباره على سحب جيشه من لبنان في العام 2005 بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري تنفيذًا للقرار 1559 الذي طالب بسحب هذا الجيش وبنزع سلاح “حزب الله”. وإذا كان الشق المتعلق بالنظام السوري تم تنفيذه في 26 نيسان 2005 فإن الحملة الجديدة قد تكون متعلقة بحمل “حزب الله” على تنفيذ الشق المتعلق به وهو الأمر الذي طالما رفضه الحزب وتصرف على قاعدة أن ذاك القرار ليس “إلا حبرًا على ورق وخلّيهم يبلّوه ويشربوا ميّتو”.

لا شك في أن الحزب يقرأ أبعاد الحملة الأميركية التي تأخذ أبعادًا أمنية ومالية وسياسية. في خطاب ألقاه يوم الأحد 8 تشرين الأول الحالي في مناسبة أسبوع على مقتل أحد قادته العسكريين في سوريا علي العاشق تحدث الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله عن سيرة هذا القائد العسكرية التي بدأت منذ انطلاق “حزب الله” في العام 1982 وعرفته كل المواجهات والجبهات وسقط في النهاية في الساحة السورية التي استهلكت عددًا كبيرًا من قادة الحزب. نصرالله تحدث أيضًا عن أن الأميركيين يمنعون الإنتصارعلى “داعش” في سوريا وعن أنهم يتحكمون بمسار الحرب في المناطق الحنوبية، وتحدث أيضا عن ظاهرة الولد الوحيد الذي يذهب للقتال في بلاد الشام وعن الأولاد ما دون الثامنة عشرة. في الخطاب نفسه تحدث نصرالله عن قوة المحور الذي ينتمي إليه وعن أنه بات أقوى من أي مرحلة سابقة. وفي خطاب سابق له في يوم عاشوراء هدد إسرائيل بحرب مدمرة. فهل سيتسمر الحزب في خوض هذه الحروب وهل سيتمكن من الصمود أمام الهجمة الأميركية على المنطقة؟

هناك من يعتبر أن دور “حزب الله” في سوريا كان للإستهلاك العسكري في المواجهات ضد تنظيم “داعش” والتنظيمات الأخرى وأن ما تحقق هناك ليس انتصار بقدر ما هو نجاح في الإسهام في تفكيك الدولة السورية وأنه مع الإنتهاء من تنظيم «داعش» وبدء التحضير للمرحلة الإنتقالية في سوريا لن يكون هناك دور للحزب. فهل سينضبط ضمن قواعد اللعبة؟ أم أنه سيستمر في خوض حروب من دون حدود؟ وإذا كان النظام السوري نفسه انصاع في العام 2005 للقرار الدولي وانسحب من لبنان فهل سيتمكن “حزب الله” من الوقوف في وجه القرار الدولي الكبير الذي يعيد رسم خارطة المنطقة؟

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل