
نحن هنا – كتب رئيس جهاز الإعلام والتواصل في “القوات اللبنانية” شارل جبور في مجلة “المسيرة” – العدد 1632:
لم تنتهِ الحرب اللبنانية إلا بعد ان نضجت ظروف إطلاق عملية السلام العربية – الإسرائيلية ووجوب ان يكون لبنان جزءاً منها او ألا تشكل بالحد الأدنى الساحة اللبنانية المتفجرة تشويشاً وتخريباً على العملية السلمية خصوصاً أن الدولة اللبنانية مجاورة للدولة الإسرائيلية.
ومن هنا يصعب أن تنتهي الحرب السورية سوى في حال وجود مصلحة دولية – إقليمية لإنهائها، فيما لا يبدو لغاية الآن ان هذه المصلحة موجودة، بل موجود عكسها، فضلاً عن ان الاشتباك الإقليمي على الساحة السورية يفوق بأضعاف المرات الاشتباك الإقليمي الذي كان قائماً على الساحة اللبنانية.
وإذا كانت وتيرة الحروب العسكرية في سوريا قد تراجعت، فإن تراجعها لا يعني بالضرورة ان سوريا ذاهبة إلى تسوية سياسية، بل هي ذاهبة إلى مناطق نفوذ داخلية مرسمة بخطوط حمراء ممنوع كسرها وتجاوزها بانتظار التسوية الموعودة، وأي تسوية يتعذر الوصول إليها ما لم تأخذ في الاعتبار وجهات نظر واشنطن وموسكو والرياض وطهران وأنقرة وتل أبيب، الأمر الذي يبدو أنه ما زال متعذراً في ظل استمرار الخلاف حول بقاء الأسد أو رحيله ومدة الفترة الانتقالية في حال الاتفاق عليها.
وتراجع حدة المعارك العسكرية لا يعني أيضاً أن إمكان تجددها واستعارها وحماوتها غير ممكن، بل يبقى الخيار العسكري أحد الخيارات الأساسية لانتزاع التنازلات في المفاوضات أو قبلها، وبالتالي يجب توقع اي شيء في هذه المرحلة، خصوصاً أن أطرافاً أساسية ليست بوارد الذهاب إلى اي مفاوضات قبل تحسين شروطها على الأرض ووضع الأسد أمام خيارات صعبة.
وفي موازاة ذلك فإن المتضرر الأكبر من الواقع الحالي هو محور الممانعة بسبب ان المعارك تجري أساساً على أرض دولة محسوبة عليه وكانت رأس حربة ضمن هذا المحور وحيث أن المعارك العسكرية عطلت دورها الإقليمي وأنهته وأصبح حتى وجودها داخل سوريا مجرد وجود صُوَري، وهذا من دون التقليل من الاستنزاف الذي يتعرض له “حزب الله” الذي فقد في معاركه السورية أكثر بكثير مما خسره في حروبه مع إسرائيل، والأمر نفسه ينطبق على طهران التي دخلت في حرب استنزاف في سوريا.
ومن هذا المنطلق بالذات تحول استمرار الحرب في سوريا إلى مصلحة استراتيجية للقوى المناهضة لمحور الممانعة بغية مواصلة استنزافه فيها ومحاصرته في المنطقة بدءاً من كردستان العراق وصولاً إلى إقفال الساحة الفلسطينية عليه من خلال المصالحة الفلسطينية بين “فتح” و”حماس” برعاية مصرية. ولعل الاستنتاج البديهي الذي يمكن لأي مراقب استخلاصه من المشهد في المنطقة أن دور محور الممانعة لا يتجاوز الدور التعطيلي لقيام دول سيدة على أرضها في لبنان وسوريا والعراق واليمن.
فلم ينجح محور الممانعة بتحقيق اي انتصار في الدول المشار إليها، بل على العكس من ذلك خسر في أقل من عقد ونصف عقد سيطرته الكاملة على لبنان وسوريا والعراق وسيطرته الجزئية على الورقة الفلسطينية، فيما يستحيل ان يستعيد سيطرته على تلك الدول، بل ما هو مطروح اليوم إخراج ميليشياته من كل تلك الدول لمصلحة نفوذ سياسي لا يتعارض مع قيام دول سيدة على أرضها، وبالتالي الطرف المأزوم هو محور الممانعة الذي تراجع دوره من الهيمنة الكاملة على دول محددة إلى الدور المعطل والتخريبي.
وعدم الاستقرار مرشح للاستمرار في المنطقة إلى حين هزيمة ميليشيات الممانعة او تسليم طهران بنفوذ سياسي إيجابي في المنطقة. وتراجع طهران عن السلاح النووي لم يحصل إلا نتيجة ضغوط دولية قوية وضعت إيران بين الانهيار او التسليم بالشروط الدولية، وبالتالي المسار نفسه والمقايضة نفسها ستنسحب على دورها في المنطقة عاجلاً أم آجلاً، سيما ان الضغوط بدأت تزداد ومقررات قمة الرياض التي جمعت الرئيس دونالد ترامب وقادة العالم العربي والإسلامي بدأت ترجماتها على أرض الواقع، وهذا من دون التقليل من دور رأس الحربة الذي تلعبه الرياض في الميدان وفي تطويق طهران دولياً بدءاً من موسكو.
ولا شك أن الأشهر القليلة المقبلة ستشهد المزيد من التطورات والحراك والمعارك الميدانية الرامية إلى إضعاف محور الممانعة، وبالتالي المنطقة مقبلة على مرحلة ساخنة وقد تتحول إلى حاسمة في حال قررت الإدارة الأميركية الذهاب الى المزيد من الخطوات الآيلة إلى محاصرة طهران من خلال ضرب أذرعتها بدءاً من الحرس الثوري وصولاً الى “حزب الله”، وبالتالي حسم النزاع في المنطقة وإرساء السلام.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]
