
لم تكن السيدة جوزيت تعرف أن التشبث بانتمائها الى لبنانها ىسيدخلها الى هذا الحد، في مشكلة استغرقت أياماً لحلها.
فالسيدة قررت أن تطبق لبنانيتها بحذافيرها، وعزمت على استخدام يد عاملة لبنانية “مهما كان الثمن”.
هي التي تملك مطعماً في منطقة الدكوانة بالقرب من أحد الصروح الجامعية. قالت في نفسها: “نعم سيكبدني توظيف لبنانيين مصاريف أكثر، وسأضطر الى دفع الضمان وملاحقة شؤونهم في الدولة، ولكن لا بأس بذلك، قد لا يغير قراري واقعاً بأكمله، ولكن إن حذا البعض حذوي، نستطيع أن نبدأ بملء الكأس شبه الفارغة”، نعم، تحدت مجتمعاً معظمهم يقولون فيه “ما حدا بيشتغل هيدا الشغل، معاشات اللبنانيين عالية، شو بدك ب ه الشغلة يا جوزيت”، واستقدمت لبنانيين بدلاً عن آخرين من غير اللبنانيين، في مطعمها ولخدمة الـDelivery.
من بين طلبات العمل التي وقعت بين يديها، شاب اخبرها انه تلميذ في الجامعة وهو بحاجة الى هذه الوظيفة كي يؤمن تكاليف التعليم، كما أخبرها أنه يتحدر من عائلة مرموقة، ووالده ضابط في أحد الفروع الأمنية.
شدت السيدة عزيمتها وقررت مساعدة “المتقدم” الى الوظيفة الى أقصى الحدود. إقترحت عليه أن يعمل Delivery، لأنه وعلاوة على معاشه يستطيع أن يؤمن بعض العمولة أو ما يعرف بالـ Tips.
بدأ الشاب “الطموح” أول يوم عمل الثلثاء الماضي في العاشر من تشرين الحالي. بثقة استلم المهام وجمع طلبياته في أول مهمة له وخرج… ولم يعد.
أخذ “التوصيلة” ولم يوصلها، وذهب مع الدراجة الهوائية الى حيث لا أمن ولا قانون.
مرت ساعة ساعتان ثلاث، وجوزيت تحاول الإتصال به. ماذا جرى للرجل، هل تعرض لحادث ما؟ هل دهسته سيارة؟
إتصلت مراراً ولم يجب، ليأتيها رداً “واتسابياً” صاعقاً بعد ساعات ومن هاتفه: “خطفوني ويريدون فدية”…
كيف لمخطوف أن يراسل عبر “الواتساب”؟ انتفضت السيدة على الغش الذي لحقها، عندما علمت أنها وقعت في فخ… السرقة.
سرق الشاب الدراجة وقوائم الطعام المعدة لتوصيلها، منذ أول لحظة دخل فيها الى العمل.
صعقت السيدة… ما هذا الذي يجري، حتى أبناء البلد وأبناء المعاناة نفسها، يتجاوزون بهذه الطريقة، فهل يُعتب بعد على الغرباء؟
لكن جوزيت ممن يؤمنون بأن الدولة، وبهمة ابنائها، ستبنى يوماً، فهي لن تسكت، ليس فقط لأنها تعرضت للسرقة والكذب، بل لأن كثر سيكونون هم أيضاً ضحايا، فدخلت بالآلية القانونية واشتكت في النيابة العامة كما في مخفر الدرك… ليتبين أن الشاب سرق بالفعل الدراجة وليس مخطوفاً، وأن والده ليس ضابطاً بطبيعة الحال.
أما المفاجأة الأكبر فكانت عندما عاود “الشاب” الإتصال بها بعد ظهر الخميس 12 الحالي طالباً 400 دولار لإعادة الدراجة. رفضت جوزيت بشدة هذا الطلب، لتفاجأ بعد حين انه يراسلها من جديد، بعدما تلقى اتصالاً يخبره فيه المتصل أن الفيديو ومراسلات الواتساب ستخرج الى الإعلام إن لم يُعد ما سرقه. والمفارقة يقول الشاب في رسالته لجوزيت: “شكراً إلك… مش عيب يحكوني يهددوني؟ الله يسامحك”، شارحاً لها أنه سيعيد الدراجة وطالباً إليها أن تأتي لاستلامها من منطقة مار مخايل – الشياح، بعد حاجز قوى الأمن الداخلي، من أحد محلات السجاد، حيث ترك المفتاح”!… وبالفعل، إستعادت جوزيت دراجتها.
واقع أليم، يتكرر، رأيناه في سرقة السيارات عندما كان يُطلب من اصحابها دفع فدية على السيارة لإستلامها مجدداً، ونراه اليوم في سرقة الدراجات النارية، واقع لا بد أن يتغيير لأن الحق يعلو ولا يُعلى عليه ولأن ثمن التضحيات التي يعيشها كل لبناني مؤمن بوطنه، لن تذهب مع الرياح، ويبقى أن نرى “الشاب” موقوفاً من قبل الأجهزة الأمنية، لأننا لن نرضى إلا بدولة القانون، مهما كان الثمن ومهما طال الزمن.
