#adsense

مجد الشهادة أعطي لهم… متحف لذخائر الشهداء وغابة أرز وشعلة للشهيد المجهول

حجم الخط

 

كتبت جومانا نصر في مجلة “المسيرة” العدد – 1632:

هي «حكاية مجد» كتبها أبطال مشوا على درب الشهادة عن إيمان، عن قناعة بقضية إنسان وحرية وطن. حكاية كتبوها على أرض لا تزال تشهد على أسماء وإن صار البعض منها محفورا على بلاطة مكللة بالمجد والكرامة. لكن الحكاية لم تنته فصولها بعد، فكان لا بد من أن يرويها من عايشوا تلك الحقبة ومن صاروا شهودا على سيرة مسطّرة بدم الشهادة.

حكاية المجد انطلقت من مكتب جهاز الشهداء والأسرى والمصابين في زحلة. هناك وقف أبطال خاضوا على أرضها أشرس المعارك خصوصًا في  نيسان 1981،  فكانت حكاية المجد المفعمة بذكريات وأسماء لأبطال قاتلوا بشراسة دفاعا عن مدينة فكر النظام السوري أن يجعلها ذات يوم موطئ ظلمه وبطشه فكان شباب المقاومة اللبنانية له بالمرصاد. لكن مجد الشهادة بقي العنوان لكل الحكايات.

وحتى لا يبقى العنوان مجرد شعار كان القرار بتحويله إلى ورشة وفاء من خلال برنامج عمل وضعه رئيس جهاز الشهداء والأسرى والمصابين في حزب «القوات اللبنانية» جورج العلم. ومن هنا تبدأ حكاية المجد على أن يكون للبحث صلة في حكايات مجد لابطال معركة زحلة.

الفكرة أو قل عنوان «حكاية مجد» انطلق مع رئيسة مكتب جهاز الشهداء والأسرى والمصابين في زحلة نوال أبو شهلا. وقبل 3 أشهر من موعد الإحتفال التكريمي الذي تقرر ان يكون في شهر تكريم شهداء المقاومة اللبنانية في أيلول الذي نظمته منسقية «القوات اللبنانية» في زحلة بالتعاون مع هيئة أعضاء المكتب، بدأت التحضيرات العملانية واللوجستية مع التركيز على أن تجمع الحكاية كل الأبطال، سواء من خلال شهادات حية أو من خلال استذكارهم. وهنا يؤكد رئيس جهاز الشهداء والأسرى والمصابين في «القوات اللبنانية» جورج العلم أن الأبطال ليسوا مصنفين درجات «فكل من شارك في تحضير وجبة طعام وتوزيع السندويشات وعبوات المياه على المقاتلين داخل ثكناتهم أو على الجبهات هو أيضا بطل وندين له بالوفاء مدى العمر».

«حكاية مجد» زحلة التي ستنشر «المسيرة» تفاصيلها تباعا من خلال لقاءات مع أبطال شاركوا في صنع هذه الحكاية لن تتوقف عند حدود دار السلام ومربى الأسود. ويؤكد العلم أنه سيتم تعميم الحكاية لتشمل كل المناطق التي خاض فيها شباب المقاومة معارك لتحرير الأرض من جحافل المحتلين من أقصى الشمال إلى الوسط فالجرد وصولا إلى بيروت والأشرفية وعين الرمانة وسواها من المناطق التي سجل فيها شباب المقاومة اللبنانية حكايات مكللة بالشهادة والكرامة والعنفوان.

لكن ماذا لو اختلفت طبيعة الأرض والمعركة، هل سيتغيّر سيناريو الحكاية؟ نسأل ويجيب العلم: «ليس بالضرورة أن تكون عملية تجسيد الحكاية على دروب شهدت معارك كما الحال في زحلة. قد تكون من خلال موقع بناية أو متراس. المهم أن نتذكر أبطالنا الأحياء والمصابين والشهداء لأن قصصهم تستحق أن تؤرخ على غرار سيرة أبطال مروا عبر التاريخ. ومن غيرالمقبول بعد اليوم أن تبقى سيرة مطلق أي مقاتل في المقاومة اللبنانية  أو شهيد خارج إطار الذاكرة حتى لو شكك البعض في ذلك».

في «حكاية مجد» زحلة، المتراس صار منبرا والحكايات أمانة موثقة للتاريخ والأحفاد. ووفاء لمجد الشهادة والشهداء أطلق رئيس جهاز الشهداء والأسرى والمصابين جورج العلم برنامج عمل بدأ الإعداد له قبل ثلاثة أشهر من تاريخ تسلمه الأمانة في 18 أيلول الماضي. ويقول: «مجد الشهيد يبدأ من اللحظة التي يتم فيها إحصاء عدد الشهداء والمصابين والأسرى ودعوة أهالي الشهداء وكل من المصابين والأسرى إلى القداس الإحتفالي الذي يقيمه حزب «القوات اللبنانية» مطلع شهر أيلول من كل سنة. وهذا المجد سيكلل هامة كل شهيد لأن مفهوم الشهادة موحد وشهداء القضية آمنوا بها عن قناعة تماما كما إيماننا باستمرارها. وما نضالنا اليوم إلا شهادة على ذلك».

الخطوة الأولى في برنامج عمل الجهاز تبدأ من مكتب الشهيد الذي يرأسه فيليب راضي ويعاونه 6 رفاق حيث يتولى أعضاؤه الإتصال بعائلة كل شهيد في تاريخ استشهاده لتبادل التعازي وشكرها على تقديم إبنهم قربانا على مذبح الوطن. ولأن رمز الشهادة لا يكتمل إلا بتخليد إسم الشهيد سيتم تجسيد هذه الخطوة في استحداث «غابة الشهيد» بمساحة 350 الف متر مربع في أحد جرود منطقة جبيل بحيث لا يطالها الإمتداد العمراني. وسيتم غرس أشجار الأرز على عدد شهداء المقاومة اللبنانية بعد الإنتهاء من إحصائه،  وتثبيت لوحة بإسم كل شهيد. ولهذه الغاية تم استحداث مكتب الغابة ويرأسه بطرس مهنا والمكتب الفني الذي يعنى بالخرائط الهندسية والشق التقني ويرأسه بسام المعلم والمكتب المالي برئاسة ألبير ضاهر.

ثمة «ذخائر» احتفظ بها الرفاق ليتذكروا أحباءهم ويعيشوا معهم من خلال عطر ما أو مدونة ما، ومنهم من أعاد الذكرى إلى حضن الإبن أو الحفيد من باب الأمانة والوفاء. قد تكون «الذخيرة» ورقة دون عليها الشهيد ملاحظات عسكرية أو كلمة إلى حبيبته أو أمه او إبنه، وقد تكون ورقة نقدية كانت في جيب البزة التي كان يرتديها لحظة استشهاده ولا تزال معطرة برائحة دمائه الذكية، أو قطعة من تلك الستارة التي كان يقف خلفها عندما اصطاده القناص وتلونت بدمائه. من هنا كانت فكرة «متحف الذخائر» الذي يضم صورا وملابس وبزات عسكرية وحتى قطعًا صغيرة كان يحملها الشهيد لحظة تعمده بميرون الشهادة او كانت تعني له الكثير خلال حياته «المهم إنو هالدخيرة بتحمل ريحة الشهيد وبتجسد معنى الشهادة» يقول العلم الذي لا يزال بدوره يحتفظ بقطعة قماش ملوثة بدماء شقيقه الشهيد.

حتى الساعة لم يتسلم مكتب متحف الذخائر الذي يرأسه إرنست يونس ولا رئيس الجهاز أية «ذخيرة». ويوضح العلم أن خطوة تنفيذه لم توضع بعد على سكة التنفيذ بسبب وجود عائقين: الأول تأمين الشروط الفنية لحفظ الذخائر وعدم تعريضها للتلف نتيجة العوامل الطبيعية والإضاءة مع مرور الزمن. وهذا الأمر يحتاج إلى المزيد من الدراسة والتخطيط. أما العائق الثاني فيتمثل بالكلفة لتنفيذ المتحف بالشروط التقنية المطلوبة. من هنا كان القرار في اعتماد متحف متنقل في المناطق اللبنانية يضم ما توافر من «ذخائر» وتذكارات خاصة بالشهداء بحيث يتم توضيبها في صناديق زجاجية بعد تفريغها بطريقة علمية من الهواء. وتعرض هذه الذخائر في خلال قداس إحتفالي يقام في المناسبة ويختتم بلقاء أو محاضرة حول مفهوم الشهادة.

لكن ماذا عن الشهيد المجهول الذي دفن في أرض المعركة؟ ماذا عن تلك الأم التي تزور مدافن الشهداء بحثا عن إسم إبنها الشهيد ومن دون جدوى؟ ماذا عن تلك الأم التي تصّر على مرافقة مطلق أي أم شهيد إلى المدفن لتصلي معها وعلى قبر إبنها لشهيدها الذي لم تستلم جثته ولم تتعرف إلى الموقع الذي استشهد فيه لتذهب إليه وتبحث عن رفاته؟ «إلى تلك الأم أم الشهيد المجهول سنشيد شعلة وهذا أقل ما يمكن أن نقدمه لها، وسنبني لأبناء كل الشهداء وأحفادهم جدار الشهيد ليكتبوا عليه أسماء أبطالهم الأحياء في الذاكرة» يجيب العلم.

وحتى يكتمل مشهد مجد الشهادة سيتم استحداث مكتب الذاكرة الذي يضم وثائق وحكايات عن كل شهيد ويرأسه الأستاذ المتقاعد جوزف رزق. أما المصابون فسيكون لهم «بيت المصاب» برئاسة فادي سعيد وسيتم تجهيزه لاستقبال مصابي الحرب وتأمين حياة كريمة لهم. ولفت العلم إلى أن مشروع بيت المصاب على طريق التنفيذ وسيضم جمعية «كروس رود».

يدرك رئيس جهاز الشهداء والأسرى والمصابين أن كلفة هذه المشاريع كبيرة وكبيرة جدا لكنها حتما لن تبقى أحلاما ولا مجرد أفكارا على ورق: «بعرف تماما إنو نحنا حزب وما عنا ميزانية كبيرة. بس كمان بعرف إنو ما راح وفرّ وسيلة لتحقيق كل هالمشاريع لأنو الشهيد ما استأذن أهلو بس حمل البارودة وراح ع الجبهة واستشهد، ولا سأل نفسو بلحظة، أنا شو عم بعمل ع الجبهة؟ ليش بدي إستشهد؟ وكرمال مين؟ والمقاتل اللي حولت رصاصة قناص أو شظية صاروخ أو قذيفة مدفع دبابة حياتو إلى إنسان مقعد مش مستعد يكمل مشوار العمر بالذل والقهر، والأسير المحرراللي تحمّل آلام المسيح تحت التعذيب ورجع ع الحرية مش مفروض يقضّي عمرو عم بيدق بواب بحثا عن فرصة عمل، أو حتى يأمن ربطة خبز لعيلتو. لهيك ما راح إتأخر لحظة عن تأمين المبلغ المطلوب لتحقيق المشاريع تباعا».

الطريق طويلة؟ صحيح. لكن مجد الشهادة يستحق.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

 

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل