#dfp #adsense

شهداء أوترانتو وروما: مقاومة تختصر التاريخ

حجم الخط

كتب سيمون سمعان في “المسيرة” – العدد 1632

عادة ما يقصد السياح إيطاليا طلبا لزيارة مدن الأحلام كـ فنيز وميلانو وفلورانس، وطبعا روما أو حتى نابولي في الجنوب. لهذه المدن قصصٌ جميلة تمزج بين الرومانسية والفن بل بين الحقيقة والخيال. لكن قلة منا تقصد مدناً في إيطاليا مثل باري وليتشي وأوترانتو، وألبيروبيللو في الريف، أو سانتا ماريا دي لوكا في أقصى الساحل الجنوبي، أو تعرف كثيرا عن تاريخ هذه المدن ومقاومتها من أجل الحرية والسيادة، واستشهاد الآلاف من أبنائها في حروب الدفاع عن الأرض والمعتقد، ومنهم من رفعتهم الكنيسة إلى مرتبة القديسين. “المسيرة” أختارت أن تبحث عن كنوز وحكايات عابقة بتلك الروح المقاومة حتى الاستشهاد عبر تلك المساحات المترامية في عمق المتوسط. ومن هناك بدأت الرحلة، التي انتهت… ولم تنته في روما.

فما قصة الـ120 شهيدا – قديسا المرفوعة ذخائرهم في كاتدرائية أوترانتو؟ وكيف تصرفت البابوية تجاه دماء الشهداء المسيحيين في سرادب الكوليزيه؟

  معلوم أن الجنوب الإيطالي أقل غنى من شمال البلاد الزاخر بالمناطق الصناعية والسياحية والمنسجمة أكثر مع النبض الأوروبي. فالجنوب في الغالب مناطق زراعية، حتى أنها لم تعد موردا رئيسيا لأبنائها أو للدخل الوطني، بعد إهمال مساحات واسعة جدا من الأراضي المزروعة خصوصا ببساتين الزيتون، وتحوُّل المواطنين إلى التجارة والخدمات. لكن غنى المنطقة يكمن في تاريخها مع الغزوات البربرية ومقاومتها المعتدين حفاظا على الأرض والهوية، منذ آلاف السنين.

جمال وتراث و… حكايات

تبدأ الرحلة من مدينة باري عاصمة الجنوب الإيطالي بحثا عن كنوز غير شائعة الذكر وتهم الزائرين. فمدينة باري الواقعة في إقليم بوليا وقعت تحت سيطرة الغزاة في العام 847 وبقيت تحت سيطرة المهاجمين ممن كانوا يعملون على وقف اعتناق المسيحية، على مدى السنوات الخمس والعشرين التالية. المدينة التي تختزن تاريخا من الحروب، تتكئ إلى تراث ثقافي وعمراني عريق وطبيعة خلابة على المتوسط.

ومن باري إلى البلدة الساحرة ألبيروبيللو، لا يوحي كل ما يحيط بالطريق المتمايلة جنوبا عبر هضاب قليلة الإرتفاع، بما يميّز بين طبيعتها وطبيعة لبنان، قبل أن يصل الزائر إلى البلدة التاريخية المتميزة جدا بهندسة بيوتها، ما حوّلها بأسرها إلى مقصد سياحي. وحوّل تلك البيوت الغريبة الطابع إلى مقاه ومطاعم ومراكز لبيع التذكارات.

تضم بلدة ألبيروبيلو الصغيرة، مجموعة رائعة من الأكواخ التقليدية المبنية من الطوب الطيني يطلق عليها اسم «ترولي». وهي تتميز بسقوفها المرصوفة بالحجر الجيري والتي تأتي على شكل قبب مخروطية. ووفقاً لموقع اليونيسكو، بنيت أكواخ ترولي حوالى العام 1644، عندما كان بناء المساكن المستقرة يخضع لضرائب عالية، فبدأ أبناء المنطقة بناء منازل موقتة يمكن هدمها بسهولة ومن دون خسائر كبيرة، في حال زيارة مفتشي الضرائب المرسلين بأمر من ملك نابولي.

تحولت الأكواخ مع العقود الأولى من القرن الـ20، إلى متاجر، ومطاعم، ومنها ما لا يزال مأهولا بالسكان المحليين. وتم تصنيف ألبيروبيلو كموقع للتراث العالمي لليونسكو بفضل هذه الأكواخ التقليدية التي يبلغ عددها حوالى الـ 1500 كوخ. ويقول السكان المحليون أن هذه الهندسة المميزة في العمارة مأخوذة عن نمط مشابه لقرى في شمال شرق تركيا، وربما يكون الأتراك نقلوه معهم عند احتلالهم للجنوب الإيطالي قبل قرون. وربما يكون منقولا عبر مهندسين إيطاليين زاروا تلك القرى في الشمال التركي ورأوا فيها ما يناسب متطلبات تلك الحقبة.

لكن ليست هذه الهندسة المميزة في فن العمارة هو الأثر الوحيد الذي تركه الأتراك في هذه المنطقة بل هناك حقبة كاملة من التاريخ والحروب والمقاومة تشهد عليها كاتدرائية مدينة أوترانتو المجاورة وقلعتها، فما هي؟

قصة الشهداء القديسين

لمدينة أوترانتو في أقصى الجنوب حكايات بطولات وشهادات في مقاومة الغزاة. تقع المدينة على خليج ساحر الجمال وتضم قلعة تاريخية ونقوشا متناهية الدقة تميّز مبانيها، وأسواقا وميناءً رحبا للمراكب السياحية. كل هذه المعالم تجعل المدينة من المواقع السياحية المقصودة في الجنوب الإيطالي. كما كانت عبر تاريخها موقعا استراتيجيا يطمع الغزاة بالسيطرة عليه. ولذلك فإن حكاية المدينة مع المقاومة ضد الغزاة والعلاقة مع البابوية التي ساعدت على تحريرها من العثمانيين، قد تكون أبرز ما يشد السائح إلى التقصّي عنه ومعرفته، خصوصا مع زيارة القلعة التاريخية المطلة على البحر، والكاتدرائية الحاضنة ذخائر الـ 120 قديسا المعروفين بشهداء أوترانتو أو أبناء الشهادة للحق… حتى الموت.

ونظرا لموقعها الإستراتيجي تعرضت أوترانتو لغزوات عديدة عبر التاريخ أبرزها في العام 1480 عندما غزاها أسطول عثماني حيث تم إسقاط قلعتها والإستيلاء على المدينة. لكن البابا سيكستوس الرابع نادى لحملة صليبية، فجمع فرديناندو الأول ملك نابولي قوة كبيرة، ودارت معركة في العام 1481 انتهت بنصر نابولي واستعادة أوترانتو. وقد ساهم في ذلك ضعف الأمبراطورية العثمانية وعوامل خارجية عدة.

وبعد عودة المدينة إلى ذاتها أعيد ترميم الكاتدرائية ووضعت رفات 120 شهيدا على الجدار خلف المذبح لتخليد ذكراهم. وحسب المراجع الكنسية، شهداء أوترانتو هم مجموعة تضم 800 شخص ترأسهم أنطونيو بريمالدي، قتلوا في 17 آب 1480 على يد جند الدولة العثمانية بتوجيه من أحمد باشا، لرفضهم إنكار مسيحيتهم، بعد سيطرة الدولة العثمانية على منطقتهم. وقد أعلن قداستهم البابا فرنسيس في ساحة القديس بطرس في الفاتيكان يوم 12 أيار 2013.

فعندما  اتخذ أحمد باشا من النساء والأطفال رقيقًا، أقلية من السكان، استطاعت اللجوء إلى كاتدرائية المدينة للصلاة ومعهم رئيس الأساقفة المطران ستيفانو أكريكولي وآخرون في القلعة، بينما قتل الأسقف ستيفن بندينلي وقائد الحامية، الكونت فرنشسكو زورلو بالمنشار أحياء. لكن أحمد باشا أمر بإعدام رئيس الأساقفة بداية بأن قسّم جسده إلى أقسام ووضع رأسه على حربة طاف بها في شوارع المدينة. ثم قرر إعدام جميع من كان في الكاتدرائية على تلة مينيرفا، وتوزعت عمليات الإعدام بين الذبح والشنق. والآن فإن بعض رفات الشهداء ال800 محفوظة في كابيللا الشهداء في كاتدرائية اوترانتو وفي كنيسة سانتا كاترينا في نابولي.

وتشير الوثائق المحفوظة في الكنيسة إلى أن مراحل دعوى التطويب بدأت في العام 1539، وانتهت في 14 كانون الأول 1771 حين أعلنهم البابا كليمنت الرابع عشر طوباويين وحدد منهم ثمانية عشر شخصية هم الذين ذبِحوا على تلّة مينيرفا، ومنذُ ذلك الحين أصبحوا شفعاء البلدة. أعيد فتح الدعوى من قبل رئيس أساقفة أوترانتو في 6 تموز 2007، على عهد البابا   بنديكتوس السادس عشر، وقد صادق عليها في 20 كانون الأول 2012، وحدد في 11 شباط 2013 تاريخ الاحتفال بالإعلان، الذي قام به خليفته البابا فرنسيس.

روما حاضنة التاريخ

من الجنوب إلى روما لوحات طبيعية وقرى متهادية وخضار لا يخرقه إلا ذاك الخط الأسود الطويل، هو الطريق إلى متحف العالم وعاصمة الفن وحاضنة الفاتيكان، روما. وإن استغرق اجتياز تلك الطريق أكثر من خمس ساعات فالأمر لا يبدو غريبا بالنسبة إلى اللبناني الذي ينفق ما يقارب هذا الوقت يوميا لاجتياز الطريق من المدفون إلى بيروت.

أما الجبال والوديان المترامية على هذه الطريق فلا تختلف كثيرا عن جبال لبنان، تخترقها أنفاق وتعلو أوديتها جسور، وهو نفسه مخطط لينفذ من الضبية إلى نهر ابرهيم عبر جبال حريصا وفتوح كسروان، بحسب خرائط مجلس الإنماء والإعمار… ولم ينفّذ بعد.

في مباني روما ومنحوتاتها وطرقاتها وكل ناحية فيها، يعبق التاريخ ويزخر الفن وتستريح العراقة. فطرقاتها المرصوفة بالحجر البازلتي الأسود منذ عهد الرومان، لا زالت تعبرها عربات الخيل، وإن كان للنزهة السياحية. ولكن يجعلك المشهد أكثر التصاقا بتاريخها، فيما يجعلك مشهد العابرين على الـ AirBoard أكثر تطلعا إلى المستقبل. في روما يحار الزائر أي مكان يقصد، وكل أرجاء المدينة عابقة بالمواقع الرائعة. وإذا كانت زيارة الفاتيكان أمرا بديهيا فإن باقي الوجهات تفرض نفسها على وقع الوقت المتبقي. ولكن يبقى أفضلها “البانتيون” ونصب الجندي المجهول و… طبعا الكوليزيه، وما يحويه من قصص اضطهاد المسيحيين زمن الرومان، والتعديلات التي أُدخلت عليه بأمر من البابوية، ثم إعادة إحيائه مع موسوليني.

في الفاتيكان تسنّى لـ«المسيرة» القيام بالزيارات الأخيرة لجثمان البابا يوحنا الثالث والعشرين قبل نقله إلى قريته سوتو إل مونتي الصغيرة في شمال إيطاليا. ويوحنا الثالث والعشرون هو البابا الحادي والستون بعد المائتين تولّى قيادة الكنيسة بين العام 1958 والعام 1963 في أقصر بابويّة خلال القرن العشرين، بعد يوحنا بولس الأول، غير أنها كانت حافلة خصوصا بعد دعوته لعقد المجمع الفاتيكاني الثاني. ويوحنا الثالث والعشرون الذي يعتبر من البابوات الأكثر شعبيّة في التاريخ المعاصر، أعلن طوبايًا في 3 أيلول العام 2000 على يد البابا يوحنا بولس الثاني.

وعلى مقربة من الفاتيكان، يقع المعلم السياحي الأبرز في إيطاليا والعالم، الكوليزيه أو الكولوسيوم، وهو اختير موقعًا للتراث العالمي من قبل اليونيسكو في العام 1980 وأدرج في العام 2007، ضمن عجائب الدنيا السبع الجديدة. والمبنى الضخم تُمكِن رؤيته من أماكن متعددة في المدينة نظرا لموقعه الإستراتيجي وبنائه المميز. بدأ بناء الكولوسيوم في القرن الأول بين عامي 70 و72 بعد الميلاد، وتم الانتهاء منه بشكل أساسي عام 80 وهو المدرج الأكبر في العالم والعمل الأكبر الذي شيدته الأمبراطورية الرومانية. تراوح سعة المسرح ما بين 50,000 إلى 80,000 شخص في المدرجات المكونة من ثمانية صفوف. كان يجلس في المقدمة بالقرب من الساحة الرملية الإمبراطور وأعضاء مجلس الشيوخ، بينما كان يجلس في الأعلى الطبقات الدنيا من المجتمع.

لكن أهمية المبنى، لا تكمن في هذه الجوانب فقط. فقد استخدمه الأباطرة الرومان لاضطهاد معتنقي المسيحية في بداية انطلاقتها في تلك الفترة. فكانوا يسجنون في سرادبه تحت الأرض وفي أقبية أدنى من أقبية الحيوانات التي كانت تستخدم لحلقات المصارعة، والتي كان يرمى المسيحيون في نهايتها لتفترسهم الأسود. وبعد سقوط الأمبراطورية الرومانية في نهاية القرن الخامس، انتقم المسيحيون لفترة الإضطهاد بمحاولة تحطيم الكولوسيوم ونهب الرخام والحديد المستخدم فيه، لما يمثله المبنى في ذاكرتهم الجماعية من مكان للتعذيب والقهر. لكن البابوية استدركت الأمر وطلبت وقف تلك الأعمال باعتبار أن المكان بات مقدسا بعد سقوط الشهداء فيه، فداء لإيمانهم المسيحي.

ومن يومها حوّلته البابوية الى كنيسة وأنشأت في محيط الساحة الداخلية حيث كان يُعدم المسيحيون مجسمات لمراحل درب الصليب ورفعت صليبا في الوسط. ولا يزال الكولوسيوم مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالكنيسة الكاثوليكية، حيث يترأس البابا درب الصليب في جمعة الآلام. وفي عهد موسوليني كان المبنى مهملا لعقود فأمر بتنظيف محيطه من الأشجار وحتى المباني بحيث يتمكن من رؤيته بوضوح من شرفة قصره. ومن الداخل أمر بإزالة الصليب ومراحل الآلام، ما ولّد إشكالية مع البابوية التي رفضت ذلك وضغطت لعدم مواصلة إزالة الرموز المسيحية لأن المكان مقدس وانتهى الأمر بأن أبقي على الصليب ولكن إلى طرف الساحة وليس في الوسط، ونجت مرحلة واحدة من مراحل الآلام ما تزال قائمة حتى اليوم.

روما التي تختصر التاريخ، لا يمكن اختصارها بسطور. فالكلام عنها يطول ولا يفي بالتعبير الدقيق. ويصح فيها حقا المثل اللبناني الشائع: “الحكي مش متل الشوفة”.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل