إجراءات أميركية مشددّة ضدّ إيران و”حزب الله”

 خاص “المسيرة” – واشنطن ـ العدد 1632

منذ تسلم الإدارة الأميركية الجديدة سلطاتها الرسمية في البيت الأبيض، تكشفت سريعاً معالم السياسة الخارجية التي ستتبعها طوال سنوات الحكم، وذلك في الكثير من الأزمات الدولية والإقليمية على عكس ما كان سائداً في عهد الرئيس السابق باراك اوباما ونهجه الخارجي الذي بدأه ب “خطاب الإعتذار” من جامعة القاهرة. منذ ذلك الخطاب تبيّن أن الديمقراطيين يبدؤون عهدهم بمنطق التسويات والهروب إلى الخلف في القضايا الخارجية، مما سبّب نقمة واضحة لدى الكونغرس الأميركي بغالبيته الجمهورية، كما لدى حلفاء أميركا في العالم. وعليه بدأت إدارة الرئيس ترامب سريعاً سلوك نمط مغاير في السياسة الخارجية وفق رؤية تعيد للدور الأميركي طليعيته ليس من منطلق دفاعي، بل من واقع المواجهة في الكثير من الملفات، وخصوصًا ملفي إيران و”حزب الله”.

من هذ المنطلق فإن تحديد مفهوم الإرهاب على مستوى الدول والمنظمات كان لدى إدارة ترامب أكثر وضوحاً من التعريف الذي وضعت إدارة الرئيس السابق نفسها فيه، وهذا يعني عملياً التركيز على الإرهاب الذي يجسده التطرف السني والشيعي في المنطقة على حد سواء، فلا يمكن تجاهل دور الإثنين معاً، أو حتى الإيحاء بأن هناك دوراً للتطرف الشيعي في مكافحة الإرهاب، طالما أن النظام في إيران وملحقاته في لبنان والعراق يمارسون الإرهاب ذاته، ليس في هذه المرحلة بل منذ عشرات الأعوام، والاعتداءات التي بدأها “حزب الله” في ثمانينات القرن الماضي ضدّ الأميركيين في بيروت خير دليل على ذلك.

من هنا يمكن فهم أسباب وضع إقرار مجلس الشيوخ الأميركي، لمشروع قانون العقوبات المعدل ضد “حزب الله” بعدما أقرته لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب في طريق التنفيذ، ضمن خطة متكاملة بين الكونغرس والبيت الأبيض لمواجهة إيران وملحقاتها.

وأكدّ مجلس الشيوخ، أن من شأن مشروع القانون تعزيز وتوسيع نطاق العقوبات الاقتصادية والمالية التي فرضها قانون منع تمويل الإرهاب الدولي الصادر عام 2015.

السناتور ماركو روبيو Marco Rubio الذي قدّم المشروع في مجلس الشيوخ بالاشتراك مع السناتور جين شاهين Jeanne Shaheen، شدّد على إن “إرهابيي “حزب الله” المدعومين من إيران مسؤولون عن مقتل مئات الأميركيين.. ولا يزالون يشكلون تهديدا خطيرا على الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها”.

وأضاف “يجب على الرئيس والكونغرس أن يبنيا على النجاحات التي حققها قانوننا لعام 2015 الذي استهدف “حزب الله” ووكلاءه، وسنّ هذا المشروع الجديد لتعزيز الجهود الدولية لمكافحة تمويل وتوسيع نطاق التهديدات الإرهابية والصاروخية لـ”حزب الله” والاتجار بالمخدرات وغير ذلك من الأنشطة الإجرامية”.

وقالت شاهين إنها “تفخر بانضمامها لجهود السناتور روبيو في دفع التشريع الى فرض ضغوط مالية اضافية على حزب الله وهو الوكيل الإرهابي الايراني في لبنان”، وشدّدت على “ضرورة أن يلجأ  الكونغرس إلى كل وسيلة تحت تصرفه لمواجهة النشاط الإيراني المزعزع للاستقرار في المنطقة خارج الاتفاق النووي الإيراني، ولا سيما في لبنان، حيث يواصل “حزب الله” تخزين الصواريخ وغيرها من الأسلحة التي تهدد بشكل مباشر الأمن في المنطقة، وتقديم الدعم العسكري للقاتل الدكتاتور السوري بشار الأسد”. مشيرة إلى أن “هذا التشريع هو بمثابة تذكير آخر بأن الديمقراطيين والجمهوريين متحدون في التزامنا بمواجهة هذا التهديد والسلوك غير المقبول “.

وسيزيد مشروع القانون الجديد العقوبات الاقتصادية واللوجستية المفروضة على “حزب الله” ويقوّض بشكل كبير تدفق الموارد نحو نشاطاته في جمع التبرعات والتجنيد. كما أن قانون تعديل تمويل منع التمويل الدولي عن “حزب الله” سيفرض عقوبات جديدة على الأفراد والشركات الأجنبية الذين يقدمون قصداً دعما ماليا أو تكنولوجيا مهماً للكيانات المعروفة بجمع الأموال أو التجنيد نيابة عن أي منظمة إرهابية أجنبية تابعة لـ”حزب الله” ووكلائه والشركات التابعة له. ويطلب القانون من الرئيس تقديم تقرير للكونغرس عما إذا كانت المؤسسات المالية الأجنبية في إيران وغيرها من الدول الراعية للإرهاب تسهل المعاملات نيابة عن “حزب الله”، وسيتقرّر في ضوء هذا التقرير ما إذا كان سيتم فرض المزيد من العقوبات الإضافية.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن التشريع الجديد سيفرض عقوبات على “حزب الله” للقيام بالاتجار بالمخدرات وغيرها من الأنشطة الإجرامية العابرة للحدود الوطنية، ويعزز متطلبات الإبلاغ عن أنشطة الحزب في مجال التسلح والجهود التي تبذلها الحكومات الأجنبية لعرقلة الشبكات اللوجستية العالمية التابعة له وجمع الأموال وتمويل أنشطة غسل الأموال. وسيسمح القانون باتخاذ المزيد من الإجراءات للكشف عن الفساد المتفشي في المنظمات الإرهابية الأجنبية، وهذا الأمر يتطلب أيضاً وضع تقرير عن القيمة التقديرية الصافية لكبار أعضاء “حزب الله” وأي أفراد يقررهم الرئيس يتمّ تصنيفهم في خانة كبار الشخصيات السياسية الأجنبية الداعمة لـ”حزب الله”.

خطة مفصلة لتطويق إيران و”حزب الله”

وتذهب الإدارة الأميركية بعيداً في عملية ملاحقة “حزب الله” ليس على مستوى القانون الإجرائي، بل تخطط إدارة ترامب للبدء بحملة عامة جديدة تهدف الى القضاء على الجناح العسكري لـ”حزب الله” في لبنان بشكل أكبر، وهي جزء من جهود أوسع لمكافحة إيران الداعم الرئيسي لتحركات الجماعات الشيعية المسلحة في المنطقة.

وكشفت مصادر رسمية في الإدارة أن الخطة تتضمن دفعة جديدة من الإجراءات ستشمل اقامة مكافآت نقدية لنشطاء جماعة “حزب الله” المطلوبين دولياً، وتكثيف جهود المخابرات الأميركية وجهود تطبيق القانون، وتهدف الخطة كذلك الى حشد الحلفاء لبذل المزيد من الجهود لتقويض الشبكة العالمية لهذه الجماعة.

وتعتبر الخطة أن ما يُسمّى بـ”حزب الله”، يتمتع بكتلة سياسية قوية في الحكومة اللبنانية. وهو لا ينظر إليه كونه فقط عدواً لإسرائيل، بل هو كان مسؤولا عن سلسلة من الهجمات ضد الولايات المتحدة والمصالح الغربية الأخرى لعقود طويلة، وتبعاً لذلك صنفت وزارة الخارجية الأميركية في العام 1997 “حزب الله” جماعة إرهابية.

وأوضح مسؤول في الإدارة الأميركية ان الهدف الرئيسي للحملة العامة الجديدة هو “كشف سلوك “حزب الله” الحقيقي” والسعي الى تقويض الشرعية السياسية لـ”حزب الله” في لبنان.

وبحسب مراقبين في واشنطن فإن هذه الخطة تشكل تحولاً نموذجياً في طريقة نظرة الولايات المتحدة إلى “حزب الله”، وبالتالي كشف الأساليب التي يلجأ إليها، ففي الوقت الذي تقوم فيه هذه الجماعة بمحاولة كسب المزيد من المشروعية داخل النظام السياسي، فهي تواصل القيام بأعمال إرهابية في المنطقة والعالم، وهذا الأمر لا يمكن القبول به بعد اليوم. وعلى هذا الأساس يؤكد المسؤولون الأميركيون ان الاستراتيجية الجديدة جاءت بعد من مراجعة أكبر للبيت الأبيض حول دور إيران.

ويقول هؤلاء إن واشنطن قرّرت بالفعل لا بالقول هذه المرة، مواجهة أنشطة إيران الخبيثة، مضيفين ان التركيز الجديد على “حزب الله” هو جزء لا يتجزأ من ذلك والجميع يدرك ان هذه الجماعة تتصرف كوكيلة لطهران في كل ما تقوم به من أعمال ومخططات. وستسمح الخطة الجديدة للإدارة الحالية، بردود أميركية أشد قسوة على قوات إيران ووكلائها في العراق وسوريا ودعمها لجماعات متشددة.

وبحسب ما أعلنه مسؤول كبير في الإدارة فإنه على النقيض من التعليمات التفصيلية التي قدمها الرئيس السابق باراك أوباما وبعض الرؤساء السابقين، فإن القادة العسكريين والدبلوماسيين وغيرهم من المسؤولين الأميركيين سيتولون تنفيذ الأهداف الاستراتيجية للخطة. ويتمحور الهدف من خطة زيادة الضغط على طهران حول كبح برامجها للصواريخ الباليستية ودعمها للمتشددين، وهذه الاستراتيجية ستكوون شاملة لكل الأنشطة الإيرانية الضارة، ولا سيما منها ما يتناول الأمور المالية ودعم الإرهاب وزعزعة الاستقرار في المنطقة ولاسيما في سوريا والعراق واليمن وتستهدف الخطة أيضا التجسس الإلكتروني وأنشطة أخرى وربما الانتشار النووي.

وقال مسؤول أميركي إن الخطة تشمل تعزيز عمليات الاعتراض الأميركية لشحنات الأسلحة الإيرانية مثل تلك المتجهة إلى المسلحين الحوثيين في اليمن والجماعات الفلسطينية في غزة وإلى شبه جزيرة سيناء .وإضافة إلى ذلك فإن القوات البحرية الأميركية يمكن أن ترد بقوة أشد عندما تتحرش بها زوارق مسلحة سريعة تابعة للحرس الثوري الإيراني.

وفي عودة إلى خطة تطويق “حزب الله”، يرى المسؤولون الأميركيون أن دور الحزب في مساعدة الأسد على الاحتفاظ بالسلطة قد كلفه بشكل كبير وخسارة الكثير من مسلحيه، ولكنه قدّم لهم المزيد من الخبرات في ميدان المعركة. وقال مسؤول أميركي إن جماعة حزب الله فقدت الكثير من القوات على الأرض لكنها اكتسبت الكثيرمن الخبرة.

وفي حين تنفي واشنطن وجود أي معلومات استخبارية جديدة تشير الى ان احتمال أن يشن “حزب الله” هجوما داخل الحدود الأميركية، يؤكد المسؤولون الأميركيون أن لدى الحزب القدرة على القيام بذلك. ولكن قد لا يكون لديهم النية للتصرف اليوم.

ومع ذلك تتخذ سلطات إنفاذ القانون المزيد من التدابير الإحترازية لتطويق الجماعات الإرهابية والقضاء عليها وعلى ومحاولتها تنفيذ هجمات داخل الولايات المتحدة، أو القيام بعمليات لدعم تلك الجماعات. وعلى هذا الأساس فإن الدفعة الجديدة للعقوبات كانت مدفوعة بتهم أطلقها القضاء الأميركي في شهر حزيران الماضي ضدّ لبنانيَّين يحملان الجنسية الأميركية يشتبه بانتمائهما إلى جماعة “حزب الله”، على خلفية العمل على تحديد أهداف لارتكاب اعتداءات محتملة في الولايات المتحدة وبنما.

ويومها أعلن مكتب النائب العام في جنوب ولاية نيويورك، جون كيم، توقيف كل من علي كوراني (٣٢ عاما) في حي برونكس في نيويورك، وسامر الدبك (٣٧ عاما) في منطقة ليفونيا (ميشيغان، شمال) في ديترويت. وبحسب ما كشفت التحقيقات القضائية، قد يكون علي كوراني أقدم بشكل خاص على جمع معلومات عن الأمن في مطارات عدة في الولايات المتحدة وعن طريقة العمل فيها، وراقب مباني عائدة إلى قوات الأمن في مانهاتن وبروكلين.

وبعد وصوله إلى الولايات المتحدة عام ٢٠٠٣، قد يكون كوراني، اللبناني الأصل، خضع لتدريبات عدة في معسكرات تدريب لـ”حزب الله” في لبنان، ويُشتبه في أنه يأخذ أوامره مباشرة من أعضاء في الحزب المدعوم من إيران.

أما في ما يتعلق بسامر الدبك، فقد أجرى أيضا تدريبات عدة داخل منشآت لـ”حزب الله” بهدف التأقلم مع الاستخبارات واستخدام السلاح وتصنيع المتفجرات واستخدامها. وهو متهم بالإقدام على تحديد مواقع في بنما وخصوصا سفارتي الولايات المتحدة وإسرائيل، وبالسعي إلى العثور على ثغرات أمنية في منشآت قناة بنما. وقد وجه القضاء الأميركي رسمياً إلى الرجلين، اتهامات عدة، وبشكل أساسي تقديم الدعم لمنظمة إرهابية فضلاعن المشاركة في تدريب عسكري على يد منظمة إرهابية.

وهكذا إذاً تتضح معالم الخطة الأميركية الحاسمة لمواجهة طهران ووكيلها “حزب الله”. فبعد الكشف عن أول محاولة للقيام بعمليات من هذا النوع في الداخل الأميركي، علق مسؤول رسمي بالقول “من المحتمل ان تكون هذه المحاولة غيضٌ من فيض”.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل