إيماني ساطع

مهما تأخر جايي … ما بيضيع اللي الجايي… ما حدا بيعرف هاللي جايي …كيف يبقى جايي… ايماني ساطع … ما بيتكسر ايماني… ولا بيتعب ايماني …من خلف العواصف جايي ربيع …

صحيح أنّ هذه الكلمات هي من قصيدة دينيّة من كلمات وألحان الأخوين رحباني، رنّمتها السيّدة فيروز في الماضي القريب، لكنّها تحمل أبعادًا وجوديّة كيانيّة، فهل من يتّعظ؟ وهل من يقدّر القضيّة الكبرى قبل المصالح الشّخصيّة الضيّقة، قضيّة بقاء واستمرار لبنان؟

يمرّ لبنان في مرحلة يبدو الحسم فيها ضروريًّا جدًّا لتتأمّن ديمومة هذا الكيان، الذي دفعنا ثمنه كمسيحيين أكثر من 1400 سنة من المقاومة، وكلبنانيّين أكثر من 42 سنة من “المقاومة اللبنانيّة” سقط في سنتها السّابعة رئيس الجمهوريّة، فخامة الشّهيد الشّيخ بشير الجميّل. وكلّنا يقين بأنّ كلّ من سبقه ولحقه من رفاق لنا استشهدوا تحقيقًا للقضيّة اللبنانيّة، لن ترتاح أرواحهم إلا بعد صدور الحكم في القضيّة نهار الجمعة المقبل. لذلك، “مهما تأخّر جايي”، لقد انتظرنا الحقيقة 35 سنة رفعنا فيها الصلوات لروح البشير ومهما تأخّرت هذه الحقيقة لا بدّ آتية. وعندها فقط سنرفع الصّلاة مجدّدًا لربّ القوّات كي يسامح كلّ الذين ارتكبوا الخطيئة بحقّ لبنان. وكذلك لينير عقول كلّ الذين ما زالوا يرتكبون المعاصي بحقّ لبنان وينحرون خاصرة الأرز بواسطة سلاح غير شرعيّ يقوّض من وجوديّة هذا الوطن كلّ يوم أكثر فأكثر.

والأكيد أيضًا، أنّه  “ما حدا بيعرف هاللي جايي كيف يبقى جايي”، صحيح نحن ننتظر الولادة المسيحانيّة هنا، ولكنّنا ننتظر لبنان ونحن نعرف كيف سيأتي. لبنان سيأتي بصلوات القدّيسين والشّهداء، وبدموع الأمّهات. سيأتي لبنان حتمًا لأنّ صوت الضّمير، صوت نواب “القوات اللبنانية” ما زال يصدح تحت قبّة البرلمان ويطالب بالتّدقيق المالي في حسابات المصرف المركزي للبحث عن الأموال المهدورة ليس في جيوب الفقراء.

إيماننا ساطع، لا يتكسّر ولا يتعب مهما اشتدّت ضربات الجلادين التي رسمت باعتقادهم خرائط الذلّ على ظهورنا، لكنّها شكّلت كيان لبنان الجديد بحسب قناعاتنا واعتقادنا، لبنان الرّسالة التي أرادها القدّيس يوحنّا بولس الثّاني، رسالة لكلّ العالم عن كيفيّة العيش معًا. نعم، نحن  لا نخاف الآخر المختلف لأنّنا نتفهّم هواجسه لذلك نريد مشاركته في وجوديّة هذا الكيان. وما لم يفهمه هذا الآخر بعد، أنّ كيانيّة لبنان لا تقدر أن تكون على قياسه وحده لأنّ ولادة لبنان الوطن هكذا كانت وهكذا ستبقى. من هذا المنطلق، إيماننا لم ينكسر طوال 4114 يومًا ولن ينكسر أبدًا.

نعم، “من خلف العواصف جايي ربيع”، هذا الرّبيع الذي سيزهر لأنّه ارتوى بدماء الشّهداء، هذا الرّبيع الذي انتظرناه حتمًا آتٍ. ومن لم يتّعظ بعد بأنّ لبنان قد حقّق أولى قياميّاته في مصالحة الجبل وثانيها في عودة العماد عون من المنفى وخروج الدّكتور جعجع من معتقله السياسي، وثالثها وأعظمها في المصالحة المسيحيّة – المسيحيّة التي كتبها اتّفاق معراب بخطٍّ أحمر عريضٍ، فحريّ به أن يحقّق ذاته على حسابه الخاص.

هذه القياميّات الثلاث لن تمحوها أطماع انتخابيّة من خلال شراء بعض النّفوس الضّعيفة التي صفّقت لمن حاول اقتناصها على حساب القضيّة الكبرى، قضيّة وجوديّة وكيانيّة لبنان. وإن لم يتّعظ هؤلاء بعد، فسلام على من أحبّ السلام فقط. ومن  له أذنان للسّماع فليسمع.

خبر عاجل