قضية بشير… الحكم

كتب نجم الهاشم في افتتاحية “المسيرة” – العدد 1633

20  تشرين الأول 2017. تاريخ صدور الحكم في قضية اغتيال الرئيس الشيخ بشير الجميل. خمسة وثلاثون عامًا تأخر هذا الحكم. منذ 14 أيلول 1982 انتظر لبنان هذا الموعد. اغتياله لم يكن اغتيالاً لشخص رسم طريق الخلاص لشعب كان يريد أن يخرج من خلاله من الحرب، بل كان اغتيالاً لوطن أريد له أن يبقى أسير الإحتلالات والحروب والفقر والفوضى والفساد. فهل سيكون الحكم في هذه القضية كافيًا ليعيد إلى الرئيس الشهيد حقه؟ وهل كان على المجلس العدلي أن يسير بالمحاكمة في غياب المتهمَين الأساسيين حبيب الشرتوني ونبيل العلم والإكتفاء بما ورد في القرار الإتهامي أم كان عليه أن يفتح المحاكمة لمعرفة من كان يقف وراءهما ولتوسيع دائرة الإتهام والأحكام؟

في 13 أيار 2014 تم الإعلان عن خبر وفاة نبيل العلم. مات وحيدًا في منفاه الإختياري بعيداً عن حزبه الذي اختلف معه. كان العلم هو الذي جند حبيب الشرتوني ووجهه لتنفيذ عملية اغتيال الشيخ بشير الجميل. صحيح أنه كان مسؤولاً أمنيًا في الحزب “السوري القومي الإجتماعي” ولكن التخطيط لعملية الإغتيال كان يتجاوز هذا الحزب. ومن المفارقات أن العلم خرج من التنظيم الحزبي أو أُخرج منه، وبعد العام 1986 غادر لبنان بسبب الخلافات الحزبية واغتيال عميد الدفاع محمد سليم. عاش العلم فترة في ليبيا وفي عدد من الدول الإفريقية قبل أن ينتقل مع عائلته الصغيرة إلى البرازيل ليعيش هناك في الخفاء من دون أن يظهر له أي نشاط وليصاب بمرض السرطان في رأسه ويموت وحيدًا وليكشف بعد وفاته أنه كان مختلفاً مع الحزب الذي ترأسه النائب أسعد حردان.

أخذ المجلس العدلي علمًا بخبر وفاة العلم أثناء المحاكمة ولكنه قرر الإستمرار في محاكمته كأنه حي لأنه لم يتمكن من الحصول على وثيقة رسمية تثبت وفاته. وكما العلم يعيش المتهم الرئيس حبيب الشرتوني في الخفاء. صحيح أنه يحاكم غيابيًا ولكن كأنه بحكم المتوفي أو كانه يعيش حكمًا بالسجن المؤبد ولو كان هذا السجن من اختيار من لا يزال يرعاه ويصرف عليه.

كما كان بين العلم وحزبه كذلك الأمر بين الشرتوني وحزبه. إذا كان العلم عاش صامتاً وربما نادمًا على ما اقترفته يداه، فإن الشرتوني لا ينفك يعلن عن نفسه ويكشف عن غضبه على الذين يتهمهم بأنهم تخلوا عنه وأخذوا المناصب وسرقوا الأموال. وهو لم يمتنع عن إعطاء أحاديث صحافية ويعمل على كتاب يضمّنه سيرة حياته بمعونة بعض ممن يدورون حوله.

كان بإمكان المجلس العدلي مثلاً أن يفتح قضية تهريب حبيب الشرتوني من سجن روميه في 13 تشرين الأول 1990 وأن يطلب من الأجهزة الأمنية والضابطات العدلية متابعة هذا الموضوع لأن من هرّبه لا بد من أن يكون شريكاً له في التخطيط والتنفيذ. ولكن هذا الملف لا يزال فارغاً على رغم أنه يشكل جزءًا من الحقائق المرتبطة بعملية الإغتيال خصوصًا إذا كان من المعلوم أن إطلاقه من السجن كان أحد أهداف العملية العسكرية وقتها التي نفذها جيش النظام السوري، ولو لم يكن هذا النظام وراء اغتيال الرئيس بشير الجميل فلماذا كان حريصًا على تهريب الشرتوني والمتهمين الآخرين باغتيال مايا بشير الجميل، خصوصًا أن المستهدف كان أيضًا الشيخ بشير؟ فهل يعيش الشرتوني في سوريا اليوم وهل النظام السوري هو الذي يحميه؟

بعد صدور الحكم بإعدامه في قضية الشيخ بشير الجميل هل يجوز أن يبقى من دون تنفيذ وأن يبقى حبيب الشرتوني مختفيًا وفارًا من وجه العدالة؟ منذ العام 1990 هل بحثت عنه الأجهزة الأمنية؟ ربما كان مثل هذا الأمر غير قابل للبحث والمناقشة في ظل حكم الإحتلال السوري الذي كان وراء الجريمة، ولكن لماذا لم تحرك الأجهزة الأمنية هذا الموضوع منذ العام 2005 وهل من المتعذر التحري عنه وكشف مكانه واعتقاله وإعادته إلى السجن، وهل يمكن أن يساعد الأنتربول الدولي في هذه العملية؟

ليس الحكم وحده مطلوبًا في قضية اغتيال الرئيس بشير الجميل رئيس الجمهورية وقائد “القوات اللبنانية” بل تحقيق العدالة أيضًا، وهذه العدالة تظل ناقصة طالما بقي الشرتوني خارج السجن لأن الحكم الذي صدر يجب أن ينفذ حتى لا يبقى حبرًا على ورق، وحتى لا يظل حبيب الشرتوني مختبئاً في مكان ما ليموت في النهاية كما مات نبيل العلم، وحتى تكون لأحكام القضاء قيمة لأن هذا القضاء يفقد المزيد من هيبته طالما أنه لم يضع أحكامه موضع التنفيذ.

صباح يوم الإثنين 16 تشرين الأول الحالي وضع “مجهول” ورقة تهديد أمام نصب الرئيس الشهيد بشير الجميل في ساحة ساسين في الأشرفية وقد كتب عليها “وإن أعدمتم أعدمنا وإن عفوتم عفونا…” وذلك قبل أربعة أيام من موعد صدور الحكم. فهل هذا التحذير كان موجهًا إلى المجلس العدلي؟ وهل يمكن أن يبقى الذين قاموا بهذا العمل من دون ملاحقة؟ بحسب المعلومات التي توفرت فإن من قام به استخدم الورقة وصورها مرتين: الأولى في وسط بيروت ثم في ساحة ساسين. لا يتعلق الأمر بشخص محدد بل بتوجه فئة من الذين يمجدون القتل ويحمون القتلة وهؤلاء يجب أن يكونوا محل الملاحقة والمحاكمة. فلا يمكن أن يتظاهروا أمام قصر العدل في موعد كل جلسة محاكمة أو أن يهددوا القضاء وأن يبقوا من دون ملاحقة.

20 تشرين الأول 2017 يجب أن يعيد الحق إلى قضية اغتيال الرئيس بشير الجميل. إنه واجب الدولة والقضاء ولكن هذا الواجب لا يمكن أن يقف عند هذا الحد على قاعدة أن القضاء فعل ما يمكنه أن يفعله وانتهى الأمر. صحيح أن نبيل العلم مات وأن حبيب الشرتوني يعيش وكأنه بين الأموات، ولكن ثمة أمور أخرى يجب أن تحسم. فالحكم بعد صدوره لا يمكن أن يلغي متابعة هذه القضية لكشف ما بقي مستورًا منها لجهة معرفة من هم الذين خططوا للعملية، لأن العلم والشرتوني كانا المنفذين لها ولأن هناك مشتبهًا بهم بقيت أسماؤهم خارج إطار الملاحقة، ولأن التحقيق لم يسع بشكل جدي للكشف عن كامل أسرار القضية ولأنه بني على اعترافات رجل واحد هو حبيب الشرتوني ولأنه كتب على مراحل، ولأن القرار الإتهامي جاء بعد سنوات على الإغتيال وكأن المطلوب أن يتم الإكتفاء بما تمت كتابته في التحقيق وفي القرار الإتهامي.

صحيح أن الحكم صدر ولكن لن تموت قضية اغتيال بشير الجميل لأنها أكبر من الحكم ومن التحقيق ولأنها ستظل مفتوحة من أجل معرفة الحقيقة الكاملة ومن أجل استكمال معاقبة ومحاكمة كل الذين اشتركوا فيها وخططوا لها ونفذوها. صحيح أن التاريخ لا يرحم وصحيح أيضًا أن الحق لا يموت طالما وراءه مطالب.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل