
تحتاج الممارسة السياسية اللبنانية إلى إعادة ترسيم ساحتها وفصل أهدافها الوطنية عن مراميها الشخصية لإسقاط الإرتباط بين الشخص والمنصب بحيث لا يكون أي سؤال أو حتى إنتقاد بمثابة محاولة للإطاحة بالأشخاص، وقد وصلنا في لبنان إلى حدّ إستنفار العصبيات المذهبية في مقاربة المساءلة حتى بات المسؤولون خارج إطار المحاسبة حرصاً على السلم الأهلي.
يشكّل هذا النمط في التعاطي الخطر الأكبر على لبنان، بحيث أصبح البعض يعتبر الطوائف والمذاهب ستاراً لأعمال الشيطان بدل أن تكون مدعاة للتمسك بالقِيم السماوية ومواثيق الأمانة والصدق والشرف والوطنية.
لقد اعتاد قسم كبير من السياسيين اللبنانيين على التقلّب في الآراء والتطرّف في التأييد والمعارضة للأشخاص بمعزل عن المواقف بالقطعة والتي تتطلّب رأياً خاصاً مرتبطاً بالرؤية تجاه فائدة الموضوع للمصلحة الوطنية أو عدم الملاءمة.
يأتي في هذا الإطار محاولات البعض سكب نهج الكيدية على كل موقف تتخذه “القوات” اللبنانية ويهدف إلى المساءلة والمحاسبة والحفاظ على المال العام، وهذه الشؤون والشجون تأتي في قمة الإهتمامات القواتية والأهداف التي تكمن خلف مشاركة “القوات” في الحكومة وموافقتها على تحييد الأمور الخلافية الكبرى بغية العمل على معالجة الأزمات الحياتية المرتبطة بمعيشة اللبنانيين، وفي طليعة هذه الهموم يأتي الشأن المالي بجميع فروعه، الدين العام، الإيرادات والواردات، الهدر والفساد وكل ما يرتبط بها.
هذه هي حقيقة كل موقف تعلنه “القوات اللبنانية”، فهي لا تعتمد أسلوب المواربة في تصريحاتها ولا تحكي الجارة لتسمع الكنة أو الصهر، هكذا حصل في موضوع بواخر الكهرباء التي اخذت موقفاً قانونياً بضرورة موافقة دائرة المناقصات، فأتى الإتهام بأنه استهداف لـ”التيار الوطني الحر” وانتهى شهر العسل الذي كانت تعيشه المصالحة واهتزّت العلاقة وتسبب الأمر بعرقلة مشاريع وزارء “القوات اللبنانية” في الحكومة من دون أن يؤدي الأمر إلى تراجع “القوات”.
الأمر نفسه ينطبق على سؤال النائب جورج عدوان الذي تضمّن رقماً محدداً لم يأتِ به من التنجيم فأتى الجواب مقتضباً ومبهماً وبقيت الأرقام في علم الغيب وانهالت الإتهامات باستباحة المحرمات واستهداف شخص الحاكم وتعريض الإستقرار النقدي للخطر، ببساطة تكبير الحجر للتعمية على الموضوع الأساس وهذا هو تحديداً ما يسيء إلى شخص الحاكم، “القوات اللبنانية” هي أكثر من يُدرك أهمية الغرف المغلقة، إنما في الشؤون المالية تصبح هذه الغرف سوداء تنسج حولها آلاف الروايات التي تحتمل المبالغات، لذلك سوف تبقى “القوات اللبنانية” رأس حربة في ما خصّ الشفافية المالية في بلد يعاني من ثمانين مليار دولار دين، وهي في هذا الموضوع تحديداً ستذهب حتى النهاية حتى كشف تفاصيله وتحقيق أهدافه، التي ليس من بينها العدوان على الحاكم.
