.jpg)
لم تمت يا شيخ، كبرت خمسة وثلاثين عاماً وليس اكثر. لم تمت يا باش، انت عاصفة تسكن فينا، انت الرمق والحب والشغف، انت الحلم بشير، انت الذي تسكن ريف العين، انت ما زلت هنا هنا في قلب القلب تنبض فينا، اخذوك مرة عن مرمى العيون واذ بك تحطّ جوا جوا في ضلوع العمر، صرت الانا والـ نحن والـ كلنا…
لم تمت يا بطل الحكاية يا احلا حكايا لبنان، لو متت لكانت صمتت الايام عن ذكراك، لكنك نسجت من ذاكراتنا فيك كل الايام التي اتت من بعدك، صنعت لنا ذاك الامس النابض نضالاً والحاضر المتفجّر في كل دقائقه من حضورك، وحضورك في آدائنا، في استمرارنا، في شفافيتنا في نظافتنا، في مقاومتنا لكل تلك الوجوه الهجينة على الوطن، تلك الوجوه الممسوحة المعالم التي صارت كلها وجه المجرم حبيب الشرتوني، ونحن نتربّص بالكل، بالكل يا باش من الذين حاربتهم انت واكملنا نحن من بعدك على ذات الدرب.
لن أحكي سياسة يا شيخ، ولا حكايات حروب الكرامة التي خضت، أجالسك ليلاً وفي الصباح واشرب معك كأساً ما، انظر الى حلاك في الصور، انت كتير حلو يا شب وان كنتُ عملياً لا احتاج للصور، صورك صارت وجوهنا، صوتك ضميرنا، عيناك لفتاتنا، لكن لا بأس في الامعان بالتسلل الى عينيك، من اين مصدر البريق هذا؟ كيف تلمع عيون غابت في صورة؟! بماذا كانت مسكونة وليش هالقد نحن مسكونون فيها؟! انت ساحر يا رجل، ليس بالقامة الحلوة يا شيخ ولا بجمال العيون والمعالم، ولا بذاك الصوت شلال كرامة، انت ساحر القضية يا باش، انت عاشق لبنان يا ساحر، انت مسحور بتلك الـ 10452 حباً التي لاجلها انهكتنا حتى الاستشهاد لكي تبقى هي هي المساحة وتفيض ايضاً.
يا ويلي حظي شو قليل، لو كنت بعمرك لكنت اكتب الان ذكرياتي معك، كما يفعل بسعادة بالغة الكثير من الرفاق. لو كنت على الاقل رجلاً ولو اصغر سناً منك، كنت لاكون بالتأكيد بالتأكيد مقاتلاً من بين صفوف هؤلاء الكبار في المقاومة اللبنانية، راح عليي الكثير وان كانت سيرة القتال قد لا تعجب كثر، لاء مش مظبوط، هذه من احسن الاخبار التي يتناولها تاريخنا وتاريخك، تاريخنا الذي كتبت انصع سطوره تلك المقاومة يا شيخ، تلك “القوات” التي انشأتها وصارت بحجم وطن لأجل وطن…اففف ولماذا اكتب الان وكأني أتفجّع؟! لا يحق لي، لا يقبل الايمان باليأس رفيقاً، ولا تقبل انت ان اكتب بحزني عليك. نكتب بالعنفوان حين نحكي عنك لكن…لكن نشتاقك يا باش ومع الشوق ذاك لا ينام فينا الغضب، الغضب لاجل العدالة السلحفاة المتأخرة عمداً، خمسة وثلاثون عاماً والسؤال جمر ينغل فينا “ايمتى العدالة للبشير، ايمتى يحاكم المجرم؟” ووصل الزمن، دار دورته الطويلة، الصبية الصغيرة التي احبتك لان والدها قال لها لتفعل لان البشير بطل، هي الان في “القوات” وتخبر والدها الذي ما زال حتى اللحظة يتحسّر عليك، بانها ذاهبة الى ساحة ساسين لتشهد على اللحظة المنتظرة، اعلان العدالة والعدالة لا تقبل الا باعدام من حرم لبنان فرصة الحرية، لمحة الحلم، حلم الجمهورية، حرمنا اياك في عز عز الحاجة. صحيح انه ظن انها نهايتنا، لكننا اولادك شبابك رجالك صباياك، لا نستسلم ولم نفعل ولم يتركنا الرب، أرسل لنا من يقود السفينة، سمير جعجع، ونعرف انك سعيد بما وصلنا اليه وما نحن عليه رغم الجحيم، رغم المستحيل الذي يحاصرنا وانت تحب التحدي.
احياناً، لوهلة حياة اظن اني نسيتك فأرتاح، وعندما اغضب يجن فيّ البشير لماذا؟ لان العدالة لاجلك بقيت دهراً بلا عدالة، واعرف انها ستبقى منقوصة لان المجرم سيبيت ايامه هناك عند مجرمين يشبهونه خلف الحدود، لكن بمجرد اعلان الحكم عليه سأكتفي وسأضحك وسأقبّل صورك بنهم العاشقة وليس اقل وسأرتاح، ولتتكفل السماء بباقي التفاصيل العالقة في العدالة المعلقة على ضمائر الارض السايبة تلك…انت الاحلا يا باش.
