#adsense

موظفو القطاع الخاص: بدّنا زودة…

حجم الخط

كتب سيمون سمعان في “المسيرة” – العدد 1633:

لم ينتظر موظفو القطاع الخاص طويلا قبل أن يرفعوا الصوت مطالبين بزيادة أجورهم أسوة بزملائهم في القطاع العام والذين بدأو الإستفادة من الزيادات على رواتبهم. ليست المساواة الأمر الوحيد الذي حرك العاملين في القطاع الخاص بل اعتبارهم أن تطبيق قانون السلسلة والضرائب الملحقة رتّب عليهم أعباء إضافية لا قدرة لهم على تحمّلها وخصوصا أصحاب المداخيل المتدنية، الذين لم يقبضوا أية زيادة منذ العام 2012. لكن طريق هذه المطالبات ليست سهلة بل إن دونها رفض العديد من أرباب العمل حتى البحث في مبدأ الزيادة، بغض النظر عن نسبتها. فيما يقف الإتحاد العمالي العام داعما ما يعتبره مطالب محقة للعمال، داعيا لجنة المؤشر إلى الإنعقاد لتحديد الأسس للنسبة المفترضة للزيادة.

أثار قانون تمويل سلسلة الرتب والرواتب نقمة عند اللبنانيين، خصوصا بالنسبة إلى الضرائب التي تطال شرائح المجتمع كافة. وقد ساهم الإستغلال السياسي لهذا الأمر في تهيئة الأجواء وتجييش الناس رفضا لتحميل مداخيلهم الشحيحة أصلا أية أعباء إضافية. وبعد سريان مفعول السلسلة بالنسبة لموظفي القطاع العام ورفع الأسعار تلقائيا بالنسبة لأصحاب المهن الحرة والأعمال الخاصة، لم يبق أمام العاملين في القطاع الخاص، إلا المطالبة بزيادة الأجور، تيمّناً بزملائهم في القطاع العام من جهة وحماية لمداخيلهم ومستوى معيشتهم من جهة ثانية.

بين العام والخاص

حصل آخر تعديل لأجور القطاع الخاص في العام 2012، بحيث حُدِّد الحد الأدنى بـ 675 ألف ليرة، وبقي ثابتا عند هذا المعدل، على الرغم من التضخم الحاصل خلال خمس سنوات. ولا يغيب عن بال الكثيرين أن موظفي القطاع الخاص كانوا يتحيّنون الفرص خلال السنوات التي تأرجحت فيها السلسلة قبل الوصول إلى بر التنفيذ، ويتطلعون إلى الوقت الذي تُتاح لهم فيه المطالبة بتحسين أجورهم التي تآكلت ولم تعد تلبي المتطلبات المتزايدة للأُسَر. ومع إقرار السلسلة وجد هؤلاء أن الوقت حان لرفع الصوت على الرغم من إعلان أكثر من قطب من الهيئات الإقتصادية أنهم يرفضون أية زيادة على الأجور مهما كانت المبررات، ولا حتى البحث في زيادة الحد الأدنى.

وتشير الأرقام إلى أن ما يقارب الـ 10 في المئة من موظفي القطاع الخاص لا يحصلون على الحد الادنى للاجور، وأن 61 في المئة من العائلات لها معيل واحد وبمدخول غير كافٍ ليقي العائلة هم تلبية احتياجاتها اليومية. في حين تؤكد مؤشرات غلاء المعيشة أن الحد الأدنى يجب ألا يتدنى عن الألف دولار للعائلة. وهذا ما لا تقاربه حتى المفاوضات الجارية بين الإتحاد العمالي العام وأرباب العمل والمرجعيات المعنية في لجنة المؤشر. من هنا يأخذ السؤال عن إمكانية زيادة الأجور في القطاع الخاص منحيين: أولا عما إذا كانت هناك نيّة حقا لدى أرباب العمل لدفع مثل هذه الزيادة؟ وثانيا عما إذا كانت هناك قدرة لدى القطاع الخاص، وسط الظروف الحاضرة وصعوبات التشغيل، لتحمّل تكاليف الزيادات، حتى لو تم الإقرار بهذا الحق؟

الأسئلة الإستطرادية المنبثقة عن السؤال المركزي، هي عن إمكانية تحقيق الزيادة من دون الإستغناء عن موظفين سواء بسبب تقليص العمل أو بسبب استبدالهم بأيدٍ عاملة رخيصة، ما يزيد نسبة البطالة المتخطية حاليا الحدود المقبولة عالميا، وبأعداد تدعو إلى القلق؟ وهناك من يسأل عن حال تشجيع الإستثمار الأجنبي وعن حال قطاعات عدة في هيكل الإقتصاد تعاني وتصارع من أجل البقاء؟ وهذا يفرض حكما أن تصب الدولة إهتمامها على تهيئة الأجواء المناسبة لتنشيط القطاعات بهدف توفير إمكانية دفع الزيادات من دون عوائق ولا موانع. ويرى الإقتصاديون أنه من غير تحقيق ذلك فإن الجميع سيبقى في الدوامة…

إنطلاق معركة التصحيح

يميّز الإقتصاديون بين فئات الموظفين في القطاع الخاص. فهناك موظفون لا يعانون من انخفاض أجورهم، خصوصا أولئك الذين يعملون في قطاعات مربحة كالمصارف والشركات الكبيرة. فالمشكلة في رأيهم تكمن في الشركات الصغيرة التي باتت لا تحقق الأرباح بعد مرور سنوات على تردّي الوضع الإقتصادي. وإن كانوا يؤكدون أن زيادة الأجور هي حق للجميع.

فما هو الوضع اليوم، وكيف يقارب المسألة طرفا الإنتاج: العمال والهيئات الإقتصادية؟

فور إقرار سلسلة الرتب والرواتب، وبعد الفشل في تجنيب المواطنين تحمّل أعباء تمويل السلسلة، باشر الاتحاد العمالي العام إعداد دراسة في شأن أسس وحجم زيادة الأجور المطلوبة في ​القطاع الخاص أسوة بالقطاع العام، وبالتوازي طالب بانعقاد لجنة المؤشر لتحديد نسبة التضخم ليبنى على الأرقام تحديد نسبة الزيادة على الأجور. لكن هناك من يعتبر أن لجنة المؤشر لا تشكّل عاملاً مطمئناً للقطاع الخاص، بعد إخفاقها في العام 2012 في التوصل إلى تصحيح منصف للأجور، ما دفع الاتحاد العمالي إلى الاعتبار أن نسبة الغلاء الحقيقي لم تُترجم فعلياً في العام 2012، وهو ما يجب تصحيحه اليوم.

في هذا السياق، يقول رئيس الاتحاد العمالي العام د. بشارة الأسمر لـ«المسيرة» إن رفع الأجور للقطاع الخاص بات ملحّا وضروريا أسوة بالقطاع العام، لافتا إلى أهمية رعاية الدولة للحوارات القائمة بهذا الشأن. «فالدولة يجب أن تكون حاضرة وراعية، وهذا كان هدف زيارتي لرئيس الحكومة سعد الحريري مؤخراً، وقد كان موقفه مشجعاً من ناحية الحوار مع الهيئات الاقتصادية». أما عن اجتماع لجنة المؤشر فتوقّع ألا يتأخر أكثر من نهاية الشهر الجاري أو بداية تشرين الثاني المقبل، معتبرا أن الإجتماع المرتقب للجنة سيشكّل نقطة الإنطلاق في معركة تصحيح الأجور. وكشف أنه سيكون هناك موقف حازم الأسبوع المقبل على ضوء تحديد مواعيد للحوار أو رفضه.

وفي حين رفض الأسمر تحديد رقم إستباقي لنسبة الزيادة قبل المفاوضات، طمأن إلى أن الإتحاد سيقترح أرقاماً منطقية للأجور تُنصف العمال في القطاع الخاص، وتضمن استمرارية المؤسسات». مؤكدا أنّ «للاتحاد دراسات عن هذا الأمر كما للهيئات الإقتصادية.

وعلى رغم تأكيده أن الاتحاد العمالي العام أعد تصوراً حول نسب غلاء المعيشة، وانتظر إقرار سلسلة الرتب والرواتب للسير تدريجياً في ملف تصحيح الأجور، إلا أن الأسمر رفض تحديد نسب الزيادة قبل اجتماع اللجنة، تاركاً لها حسم القرار منعاً لإحراجها. لكن يجري الحديث عن أن تصحيح الأجور في القطاع الخاص يجب أن يكون في حدود الـ 30 في المئة وقد يزيد عن هذه النسبة، وثمة من حدد 1,200,000 ليرة كعتبة مقبولة للحد الأدنى للأجور.

رأيان مختلفان وثوابت

الهيئات الإقتصادية، المعني المباشر بأية زيادة على أجور العاملين في القطاع الخاص، تجاذبها رأيان: رأي أبدى مرونة في شأن رفع الحد الأدنى من دون أية زيادة على الشطور. ورأي آخر رفض حتى التفاوض على أية زيادة معتبرا أنها غير منطقية في هذه الظروف ولا قدرة للمؤسسات على دفعها.

رئيس غرفة التجارة والصناعة والزراعة في بيروت وجبل لبنان محمد شقير كشف لـ«المسيرة» عن الإتفاق الذي وقعته الهيئات الإقتصادية في قصر بعبدا مع الاتحاد العمالي العام في العام 2011، وهو إلغاء مبدأ الشطور. لافتا إلى أن «لبنان هو البلد الوحيد الذي تتدخل فيه الدولة بالشطور، لكن لدينا وعد من الجهات الرسمية في الدولة بألا تشمل الزيادة الشطور العالية». وقال إن «لدى الهيئات الاقتصادية شرطا واحدا لتصحيح الأجور في القطاع الخاص، هو الإلتزام بهذه المسلّمات واقتصار الأمر على رفع الحد الأدنى بالنسبة التي يتم الإتفاق عليها في المفاوضات».

وبرر شقير موقفه هذا بأن من يتقاضى أجورا عالية لا يحق للدولة أن تطالب بزيادة أجره، لأن هذا الأمر يناقشه الموظف مع صاحب العمل في كل مؤسسة على حده بحيث يأتي مناسبا مع الأوضاع المختلفة للمؤسسات، وبحسب قدرة كل منها»، لافتاً إلى أن رفع الحد الادنى لأجور القطاع الخاص، سيكون البند الأول على جدول أعمال المجلس الاقتصادي والاجتماعي».

أما الرأي الرافض لأية زيادة حتى على الحد الأدنى فعبّر عنه رئيس جمعية تجار بيروت نقولا شماس بقوله أنّه «تمّ تصحيح الأجور للقطاع الخاص في شباط 2012 على أساس غلاء المعيشة، وبنتيجة ذلك جاء إقرار سلسلة الرتب والرواتب للقطاع العام. ولذلك فإنّ الحديث عن تصحيح الأجور للقطاع الخاص سابق لأوانه اليوم وليس على أجندة الجمعية في الوقت الحالي، فالحلقة أُغلقت ولا ضرورة لإعادة فتحها».

واعتبر شماس أنّ «أصحاب العمل يتحملون أعباء كبيرة بعد إقرار الضرائب ولن يتمكنوا من زيادة الأجور، فهم الضحية الأولى للأوضاع الاقتصادية السيئة في البلد». وجزم بأنّ «تصحيح الأجور لن يتم ما لم توافق عليه جمعية تجار بيروت، مشددا أنّ «على الاتحاد العمالي العام التفكير ملياً قبل الإقدام على أي تحرك».

لكن د. بشارة الأسمر الذي أكد دراسة الإتحاد العمالي العام لكل خطواته، لم يستبعد العودة إلى الإعتصام والتظاهر في حال المماطلة، مؤكدا في المقابل على أهمية الحوار من أجل تصحيح الأجور في القطاع الخاص، ومشددا على وجوب أن تكون الدولة راعية للحوار مع الهيئات الاقتصادية، وعلى دورها في مراقبة الأسعار بعد زيادة الضريبة على القيمة المضافة. ووعد بتشكيل لجنة متخصصة من الاتحاد العمالي العام والمراقبين في وزارة الاقتصاد للعمل على مراقبة الأسعار ومنع تفلّتها. وقلَّل الأسمر من أي أثر سلبي لتصحيح الأجور على مجمل الوضع الاقتصادي، معتبراً أن الاتحاد عندما دعا إلى الحوار، أخذ بالاعتبار الأوضاع الاقتصادية والمعيشية الصعبة، جازماً بأن هذا الحوار من شأنه الوصول إلى نتيجة ترضي جميع الأطراف.

الطريق المتعرّج إلى الحل

مصدر مسؤول في وزارة العمل لفت إلى أن سلسلة الرتب والرواتب جاءت لتحقيق التوازن بين موظفي القطاع العام والقطاع الخاص، مشدداً على أن هذا لا يمنع من إعادة البحث بنسبة التضخم اللاحق بالاجور جراء السلسلة من خلال لجنة المؤشر لتقترح بعدها مشروع مرسوم على مجلس الوزراء لرفع الحد الدرنى بما يتناسب مع نسبة التضخم.

لكن المصدر المذكور يشير الى إمكان حصول تباين حول الأرقام، مؤكدا أن الأجواء حتى الآن إيجابية على الرغم من التباينات، ومشدداً على أن الوزارة ستدعو لجنة المؤشر في أقرب فرصة للاجتماع ودرس كل التفاصيل المتعلقة بالموضوع، وأنها ستقوم بالإقتراح على الحكومة زيادة نسبة معينة ورفع محدد للحد الادنى للاجور، من دون تحديد أية أرقام محتملة على هذا الصعيد.

في الظاهر، ينفي بعض المعنيين أية عوائق تحول دون زيادة الأجور في القطاع الخاص أو أقله رفع الحد الأدنى. لكن في الواقع، وبغض النظر عن رفض عدد من القطاعات أية زيادة، ثمّة العديد من العوامل التي تجعل هذا المطلب غير سهل وغير قريب التحقيق. وما تجربة جلجلة السلسلة إلا خير شاهد على ذلك.

صحيح أن العاملين في القطاع الخاص لن يستسلموا كما لم يفعل زملاؤهم في القطاع العام، لكن هناك من يشدد على الفرق في الدوافع بين القطاعين العام والخاص من جهة، وإمكانيات تأمين التمويل المطلوب لأية زيادة من جهة ثانية. فهل يعود الشارع إلى الإشتعال والمؤسسات إلى الإقفال؟ يقول المعنيون «مبدئياً كل الاطراف مؤمنة بأن الحوار هو السبيل الأفضل للوصول الى حلول، لكن الأهم من إعطاء الزيادة هو العمل على المحافظة على استمرارية عمل العامل، من هنا أهمية تحقيق التوافق بين كل أطراف الانتاج من عمال وأرباب عمل ودولة، بهدف الوصول الى حل يناسب الجميع.

تشكيل لجنة المؤشر

تضم لجنة المؤشر ممثلين عن أطراف الإنتاج الثلاثة، وهم وزير العمل رئيساً، المدير العام لوزارة العمل نائباً للرئيس، ممثلون عن الدولة، أحدهم من إدارة الاحصاء المركزي، لتقديم مؤشر التضخم، ممثلون عن الهيئات الاقتصادية، وممثلون عن الاتحاد العمالي العام، وموظف من وزارة العمل مقرر اللجنة.
للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

 

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل