
يا إلهي، لقد جنّ حنون اوركسترا العزف النشاز لأيتام محور الممانعة في لبنان وفقيدهم النظام البائد في سوريا. الشهيد الرئيس بشير الجميّل ومن عليائه ما زال قادراً على زعزعة ما تبقى من أعمدة متلألئة في نظام الأسد.
35 عاماً ولا تزال منظومة الحقد تعزف السيمفونية نفسها، وتنعت الخصوم بالعملاء لإسرائيل، في حين تعتبر القاتل بطلاً قومياً، وتصف الإجرام بـ”حكم الشعب”!
في كل مرة يعزفون، يثبتون لنا بأن حلم البشير لم يمت وهو ما زال حيّ فينا، وروحه حية ترعب عقولهم المتحجرة.
وما زاد طين فجور الممانعين بلّة، ردّ نائب أمين عام “حزب الله” الشيخ نعيم قاسم على كلام رئيس حزب “القوات اللبنانية” الدكتور سمير جعجع حين قال من أستراليا رداً على بعض الأفواه والصحافيين الذين يقفزون من خلال قضية الشيخ بشير الجميل لاتهامنا بالتعامل مع الصهاينة وإسرائيل: “فأن تأخذ إيران سلاحاً من اسرائيل في سياق حربها مع العراق في الثمانينيات هي مسألة فيها نظر، ولكن أن يقوم المسيحيون الذين كانوا يُرمون فعلياً في البحر، بمد يدهم للشيطان لإعطائهم بعض السلاح والذخيرة بغية البقاء في مناطقهم وقراهم، فهذه جريمة لا تُغتفر”.
بضعة كلمات من جعجع كانت كافية ليتحفنا قاسم بسيل من النظريات التي لم تعد تنطلي على أحد، إذ اعتبر أن تبرير التعامل مع العدو لا يبرر العمالة، وبالتالي لا يبرئ العميل لأن إسرائيل عدو، وكل من يتعامل معها يوضع في خانة سلبية، ينعت بشيء من العمالة لهذا العدو، لأن العدو الإسرائيلي لا يمكن أن يكون في لحظة من اللحظات مشروع تبرير للعلاقة معه!
إنعاشاً لذاكرة قاسم ولكل من تسول له نفسه للتطاول على رموزنا وقادتنا ومقاومتنا الشريفة التي لا تشبه مقاومة قاسم، علينا أن نذكر هؤلاء، بأن بعد مرور أكثر من خمسة وثلاثين عاماً من الوعيد والتهديد المتبادل بين إيران من جهة وإسرائيل من جهة أخرى، إلا أنها بقيت حبيسة الشعارات وحناجر الهتافات التافهة.
أما أن يقول قاسم، إن “من كان يتعامل مع العدو الإسرائيلي له توبة في النهاية إذا إعتذر وإعترف بخطئه على قاعدة أن الإنسان يمكن أن يمر بلحظات إنحراف ثم يتوب ويعود إلى ربعه وجماعته، لكن أن يبرر الإنسان التعامل مع العدو الإسرائيلي في حقبة زمنية معينة ويرى أن ذلك أمراً طبيعياً، فهذا يعني أن التخلص من هذه الرؤية لم يحصل بعد”!، فهنا لا بد مرة جديدة من أن ننعش ذاكرة قاسم التي ربما تكون مفقودة أو إنه يتعمّد فقدانها لنعلمه وهو يعلم، أنه في 18 تموز1981 إنكشف التصدير الإسرائيلي إلى إيران عندما أسقطت وسائل الدفاع السوفيتية طائرة أرجنتينية تابعة لشركة “اروريو بلنتس” وهي واحدة من سلسلة طائرات كانت تنتقل بين إيران وإسرائيل محملة بأنواع السلاح وقطع الغيار و كانت الطائرة قد ضلت طريقها ودخلت الأجواء السوفيتية.
وما على قاسم، سوى أن يطلع على العدد الصادر من صحيفة “التايمز اللندنية” في تلك المرحلة التي نُشرت فيها تفاصيل دقيقة عن هذا الجسر الجوي المتكتم، حين كان سمسار العملية آنذاك التاجر البريطاني إستويب ألن، حيث استلمت إيران حينها ثلاث شحنات الأولى في 10-7-1981، الثانية في 12-7-1981 والثالثة في 17-7-1981 وفي طريق العودة ضلت طريقها ثم أسقطت.
نتابع إنعاش ذاكرة قاسم، أن في عام 1982 أقر “مناحيم بيجن” رئيس وزراء إسرائيل آنذاك بأن “تل أبيب” كانت تمد إيران بالسلاح، بهدف إضعاف عراق صدام حسين، وفي العام ذاته أفادت مجلة “ميدل إيست” البريطانية أن مباحثات كانت تجري بين إيران وإسرائيل بشأن عقد صفقة يحصل “الكيان” بموجبها على النفط الإيراني في مقابل حصول إيران على السلاح الإسرائيلي. وكي لا يعزف قاسم على الاسطوانة ذاتها وهي أن إسرائيل تكذب دائماً، أتينا بما قاله الرئيس الإيراني السابق أبو الحسن بني صدر وفي مقابلة مع جريدة (الهيرلد تريبيون) الأميركية في 24-8-1981 حين اعترف أنه أحيط علماً بوجود هذه العلاقة بين إيران وإسرائيل، وأنه لم يكن يستطيع أن يواجه التيار الديني هناك والذي كان متورطاً في التنسيق والتعاون الإيراني الإسرائيلي.
الأمر يا قاسم لم يقتصر على السلاح فقط، بل كان تطبيعاً لكل ما للكلمة من معنى، ففي 1982 أفادت مجلة “ميدل إيست البريطانية”، أن مباحثات تجري بين إيران وإسرائيل بشأن عقد صفقة تبيع فيها إيران النفط إلى إسرائيل في مقابل إعطاء إسرائيل أسلحة إلى إيران بمبلغ 100 مليون دولار كانت قد صادرتها من الفلسطينيين بجنوب لبنان. هذه المعلومات ليست مقتصرة على مصدر واحد، وليست بناءً لصحيفة تشرين السورية أو وكالة “سانا”، بل من مصادر صحف أجنبية عدة كشفت التعاون بين إسرائيل وإيران.
وعلى الشيخ نعيم قاسم، أن يطالب إيران بالإعتذار والتوبة على إنحرافها تجاه إسرائيل وفي الإعتراف عن الخطأ لانه يصيح فضيلة وعودة إيران إلى ربعها كما يجب قاسم أن يقول. كفّوا عن المتاجرة بالقضية الفلسطينية وإستعمال إسرائيل شماعة لتوزيع تهم العمالة على رموز حتى وإن أصبحت تحت التراب، فهي أشرف من أشرف الناس، ولولا تضحياتها لما بقي لبنان الكيان، ولو بقي البشير على قيد الحياة، لما كان هناك محور إسمه محور المقاومة، إحتل قرار الدولة وصادر مؤسساتها وبنى دويلة على ضفاف دولة أضعفها بقوة السلاح، وفرض عليها أجندات إيرانية وسورية.
