#adsense

انتفاضة حي السلم… عندما يُشتَم السيد حسن نصرالله علناً

حجم الخط

كتب نجم الهاشم في افتتاحية “المسيرة” – العدد 1634

ربما هي المرة الأولى التي يتجرأ فيها بعض سكان الضاحية الجنوبية وما يسمى البيئة الحاضنة لـ”حزب الله” على شتم السيد حسن نصرالله مباشرة على الهواء وأمام عدسات الكاميرا وعلى انتقاد مشاركته في الحرب في سوريا. هل هي انتفاضة أم مجرد رد فعل على إزالة مخالفات من ضمن حملة تجميل الضاحية؟ وهل تعبّر عن رأي عام شيعي يختمر تحت الأرض ولم يكن بإمكانه أن يعبّر عن نفسه ويعترض على الحروب التي يخوضها الحزب ويدفع أبناء الطائفة ثمنها، أم أنها مسألة عابرة سيستوعبها الحزب وإن كانت خرجت إلى الهواء مباشرة من دون رقابة مسبقة؟

ما حصل في حي السلم صباح الخامس والعشرين من تشرين الأول 2017 يكاد يكون الرد الأبلغ على إعلان الرئيس الإيراني الشيخ حسن روحاني قبل يومين فقط أن “مكانة الأمة الإيرانية في المنطقة اليوم أكبر من أي وقت مضى”. مضيفا: “أين من الممكن، في العراق وسوريا ولبنان وشمال أفريقيا والخليج الفارسي، اتخاذ قرار حاسم من دون أخذ الموقف الإيراني في الاعتبار؟”

ليست المرة الأولى التي يحاول فيها “حزب الله” عن طريق اتحاد بلديات الضاحية أن يرتب أمور الضاحية ويزيل المخالفات في منطقة اعتادت أن تعيش على المخالفات وكأنها فوق القانون. أكثر من مرة حاول الأمين العام لـ”حزب الله” أن يدفع في هذا الإتجاه وأكثر من مرة كان الفشل يصيب المحاولات. أكثر من مرة تحدث عن تجار المخدرات وطالب الدولة بالقيام بما عليها من أجل مكافحة هذه الآفة ودائمًا من دون نتيجة أيضًا.

في تشرين الأول من العام 2009 تم الإعلان عن حملة “النظام من الإيمان” في الضاحية الجنوبية بعد الإنتخابات البلدية التي أمسك “حزب الله” بنتيجتها بالقرار البلدي وباتحاد بلديات الضاحية. في “يوم الشهيد” في 11 تشرين الثاني 2009، أطل السيد حسن نصرالله وفي خضم حديثه السياسي، ليحذِّر من آفة المخدرات ويدعو الى تعقب المروّجين والمتعاطين. وفي الليلة السابعة من ليالي عاشوراء، دعا الأمين العام لـ”حزب الله” الى الالتزام بالقوانين المتعلقة بالنظام العام، مشدداً على عدم جواز تجاوز إشارات السير، والتعليق على كابلات الكهرباء، والتلاعب بعيارات المياه، ومخالفة قوانين البناء بحجة عدم التقيد بأنظمة دولة غير إسلامية.  ولكن على رغم ما قاله السيد بقيت الضاحية بلا نظام وسقط الشعار.

في 7 أيلول الماضي تجددت المحاولة. أعلن رئيس اتحاد بلديات الضاحية محمد ضرغام في مؤتمر صحفي شارك فيه رؤساء بلديات الضاحية إطلاق برنامج “ضاحيتي” الذي يضم خطة لتجميل وتنظيم الضاحية ويتناول: خطة تنظيم السير، ومنع التعديات على الأملاك العامة والنظافة والتجميل.

وأشار الى أن اتحاد البلديات كلف شركة خطيب وعلمي إعداد الدراسات التي تعالج مشكلة السير، وتشمل خطة السير الإشارات الضوئية واتجاهات وإشارات السير وتحديد خطوط الازدحام والخطوط البديلة وغرفة التحكم المروري والنقل المشترك ومعالجة حالات الاختناق والتقاطعات وتنظيم مواقف السيارات. كما أعلن أنه سيتم تفعيل الدوريات ومحاضر الضبط والتشدد في حركة الدراجات النارية والفانات وأنه سيتم توجيه إنذارات الى المخالفات في التعديات على الأملاك وصولاً الى إزالتها وإقامة دعاوى قانونية بحق المخالفين. وأعلن عن إقامة حملة نظافة عامة تتضمن أيضًا رش المبيدات وحماية مكبات النفايات. وأشار إلى أن المشروع يتضمن التشجير والرسم والتلوين والإنارة وتنفيذ أعمال تجميلية للمستديرات والمداخل والجسور والحدائق .

ولكن هذه المرة أيضًا لم تكن المهمة سهلة ليتكشف عنها بعض ما يجري في الضاحية خصوصًا بعد الضجة التي أثيرت في نيسان الماضي عندما تم توزيع صور عما سمي “سرية العباس” التي تجوّل عناصرها التابعين للحزب باللباس العسكري على أساس أنها في مهمة تطبيق القانون ومكافحة تجار المخدرات. ولكن النتيجة كانت أن الصور طارت وبقيت المخدرات.

في خطاباته الكثيرة يواظب السيد حسن نصرالله على التعبئة من أجل الحرب في سوريا. تحدث كيف أن العائلات الشيعية ترسل أبناءها للقتال هناك وخصص أجزاء من أحاديثه للأولاد دون الثامنة عشرة وللوحيدين مبررًا أن ذهابهم إلى سوريا يكون دائما بإصرار منهم وبإرسال رسائل مكتوبة تناشده أن يمنحهم هذا الشرف.

ما حُكي في حي السلم لم يكن متوافقاً مع ما يعلنه السيد حسن نصرالله. ربما ما يقوله نصرالله هو القاعدة وما قيل في حي السلم هو استثناء ولكنه يبقى مؤشرًا على أساس أنه قيل في رد فعل طبيعي وسريع ومباشر ولم يكن خاضعًا للرقابة وحتى لو كان يعني فقط الذين قالوه فهو يبقى دليلاً إلى أن هناك من لا يريد أن يستمر في الحرب في سوريا وأن هناك من يعترض ولا يمكنه أن يعلن عن اعتراضه. ربما لو بقي الأمر عند هذا الحد كان ممكناً قبوله ولكن أن يقف شاب من الضاحية أمام الكاميرا ومباشرة على الهواء ويقوم بشتم السيد حسن نصرالله وسوريا فهذا ما لا يمكن معرفة كيف سيتعاطى معه الحزب.

في ساعات الفجر الأولى من صباح الأربعاء 25 تشرين الأول قامت قوة أمنية بلدية بهدم عدد من المحلات المخالفة في حي السلم. عندما وصل الخبر إلى الأهالي أصحاب المحلات نزلوا إلى الشارع وقطعوا الطريق وأحرقوا الدواليب. هناك لا تتعلق العملية بأسماء محددة بل بأبناء عشائر وعائلات. ولا يمكن معرفة ما إذا كانت عائلة دندش مثلاً كلها معنية بما حصل أم أن الأمر يتعلق بالذين تم هدم محلاتهم فقط، ولكن ما يمكن قوله من خلال حجم الإعتراض على الأرض أن المشاركين فيه كانوا أكثر من مجرد مجموعة أفراد. فالإنتماء العائلي والعشائري يتغلب في مثل هذه الحالات على الحالة الحزبية وأبرز دليل على ذلك الإشتباكات التي تحصل أحيانا بين العائلات والعشائر التي يكون المشاركون فيها كلهم منتمين مثلاً إلى الحزب أو من مؤيديه.

عندما نزل الناس إلى الشارع في حالة غضب لم يجدوا أمامهم إلا تحميل المسؤولية لـ”حزب الله” باعتبار أنه المسؤول عن الضاحية من حيث الأمن والبلديات والبيئة والتعبئة والحشد. فجأة عندما حضرت الكاميرات بدأ الكلام الكبير على الهواء مباشرة. قال الرجل المعني من آل دندش: “حقي من حسن نصرالله. أنت مسؤول… أي بديل لهالدمار. أنت عم تدمرنا. بتقول شي وبتعمل شي. حقي عندك هيدا كلو بسببك. السيد يوسف مسؤول القطاع (في الحزب) هو وراء الحملة. يعطونا البديل. يعطونا حقنا. نحنا أسياد أكثر منهم. هني الواطيين”.

لم يقتصر الأمر عند هذا الحد، أكثر من شخص تجرأ على السيد حسن نصرالله. قال واحد من الناس: “قوة وصلت عند الفجر. ما أنذروا ولا شي. أربع محلات جرفتهم جرافة بمؤازرة بلديات الضاحية. بليلة وضحاها متل منكن شايفين إجوا وجرفوا وما قالوا شي. وهلق باعتين مخابرات الجيش. إنت يا سماحة السيد كنت عم تدعي للفتنة. هيدي الفتنة حققوها وتحمّل نتائجها يا سيد حاج تبعت شباب الحزب لتقاتل بسوريا”. وهنا أطلق هذا الشخص شتيمة كبرى بحق السيد وسوريا أحرجت المحطة التلفزيونية والمراسل. ثم تدخل شخص آخر موجهًا كلامه أيضًا إلى السيد حسن نصرالله باعتبار أنه يحكي عن اليمن وعن القصف الذي يتعرض له الشعب اليمني ولا يهتم بما حصل في حي السلم. وتدخل آخر أيضا ليقول: “صوِّر. هيدا اللي بيريدو السيد حسن نصرالله؟ بيرضى هيك سماحة السيد؟ بيرضى الرئيس بري؟ بيرضى الرئيس عون؟ عندي أربع محلات عم يعتاشوا منها عائلات دمروهم. ملايين الدولارات…أي عدل هيدا أي قانون أي دولة؟ يا حبيبي عم تسأل إذا مخالفة ما العالم هون كلها مخالفة”…

تدخلت سيدة قائلة: “كلو كذب ما حدا قوّص. إجوا بالليل هوي والشعب نايم. العالم نايمة حتى ما يقوم الشعب هالله هالله… مش مستسلمين. بدو يروح الشعب يروح. نحنا شعب لبنان عايشين بأرضنا ليش الشعب السوري قاعد علينا”؟

امرأة محجبة دخلت على الهواء: “هيدي محلات أبناء الشعب مش يافطة. نحنا منقول للسيد يا سيد إلنا عشرة إيام مندق للنواب منقول تآمرتوا علينا… خليتونا نايمين ببيوتنا. شو غلطنا بحقكم؟ بيتنا قدم 3 جرحى (في الحرب في سوريا) إخواتو لعماد 3 جرحى. عيب عليك مرتو كل النهار بتبيع قهوة. شو مضايقتكم؟ جوزها مزتزت بالسهلة (في سوريا)… يا عيب الشوم عليهم. الله لا يوفقهم”.

هذا الكلام المباح لم ينتهِ عند هذا الحد. بعد فتح الطريق والوعد بالتعويض على شاغلي المحلات هدد الرجل من عائلة دندش بتدمير المبنى الذي يقيم فيه. قال: “أنا بدي دمِّر. بكون قاعد ببناية بنزلها عالأرض. بقناني الغاز. بكل شي بالأساسات. بدمِّر وما بسأل”… ثم قالت السيدة المحجبة: “ينقبروا يروحوا يحاربوا ببلدهم. يروحوا يستشهدوا هني. ينقبروا. عم ندافع عنهم. أكلونا. نحنا ميتين. نحنا جوعانين. نحنا حرام يعملوا فينا هيك. نحنا لبنانيين ببلدنا. يروحوا يحلوا عنا. تروح الدولة تكسرلهم محلاتهم…”

قد تنتهي القصة عند هذه الحدود لاحتواء رد الفعل. ولكن ما قيل من كلام عن السيد حسن نصرالله وعن قتال “حزب الله” في سوريا لا يمكن أن ينتهي. ما حصل قد يكون رد فعل على هدم المحلات. هذا صحيح. ولكنه قد يكون تعبيرًا عن حالة بدأت تكبر بسبب كلفة الحرب الكبيرة التي يدفعها أبناء الطائفة الشيعية التي ربما بدأت تنوء تحت ثقل هذه الحرب. ولا بد من أن “حزب الله” سيأخذ ما حصل بالإعتبار. فليس من السهل أن يقبل أن يتم التهجم على أمينه العام وشتمه في قلب الضاحية على الأقل حتى لا يصبح هذا الأمر سابقة قابلة للتكرار خصوصا أن الحرب في سوريا لن تنتهي في وقت قريب.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل