
يخبرون عن زمن المتصرفية، أن مسيحياً من جبل لبنان قصد على حماره احدى قرى البقاع الغربي البعيد، بعدما سمع أن تلك القرية المسيحية قد تتعرض لهجوم من قرية اخرى سكانها من الدروز، فحمل الرجل معه رسالة من أبناء قريته الكسروانية وذهب الى مختار القرية البقاعية يبلغه ان اخبار الهجوم المتوقع وصلت اصداؤها الى جبل لبنان، وانه وابناء قريته جاهزون للدفاع عن الضيعة ومؤازرة سكانها في وقت الضيق.
لا أعرف بقية الحكاية، ولم أجد لها اثراً في أحداث التاريخ اللبناني ذاك الزمن، وقد تكون من الأدبيات الشعبية، او على الأرجح هي واقعة حصلت فعلاً وتناقلتها الاجيال تباعاً، اذ لا تزال تلك القرية تخبر تلك الحكاية وترددها للابناء والاحفاد، والهدف من سردها الآن ما يجري هذه الايام على خط المصالحات المسيحية – المسيحية، وتحديداً بين حزبي “المردة” و”القوات اللبنانية”.
كما كنا لا نتوقّع اتفاقية معراب الرابية، ها نحن ندخل في الدهشة الحلوة للمرة الثانية ونتلهف لمصالحة معراب – زغرتا، بالتأكيد نتلهّف بعدما صرنا في الشتات المطلق كمسيحيين، ولنتفّق اولاً بأن الحديث ليس طائفياً لكن نحكي الامور كما هي.
تعجبني كثيراً تلك الرواية ومشهد الرجل الذي قطع جبالاً وسهلاً ليدافع عن اخوة له في المسيحية، وخيالي الغزير يرسم صورة الرجل وحتى معالم وجهه بالكامل، اراه ذا شوارب كثيفة مفتولة، وجهه اسمر من حدة الشمس، وذا بنية قوية مفتول السواعد طويل القامة، عيناه تقدحان شرراً انما في اتجاه الكرامة والخير، يلبس اللبادة والكوفية البيضاء وذاك الشروال، صوته جهوري، ويداه قاسيتان هو الفلاح ابن الارض والمواسم، اراه يعبر في ساحة ضيعتي تحديداً والناس تتهامس من حوله “مين هالغريب لـ اجا ع الضيعة؟” ويهرعون صوب بيت المختار ليبلغوه فيجدونه هناك في انتظارهم. صورة اكثر من رائعة، وقد تكون أكثر روعة حين نستقبل من جديد رجلًا مماثلاً، وان كان تغير الزمن كثيراً يا فارس الحمار، اولاً استقال ذاك الحيوان المتواضع، ونحن قُتلنا كل يوم هناك وهنالك وبالالاف، وغالباً لم ننجد بعضنا البعض كما يليق بانسانيتنا أن نفعل، تهنا عن الحقيقة وضاعت بنا الدروب واختلفت انتماءاتنا، الاهم، تذابحنا بالكلام والمواقف غالباً وتفرّجنا على بعضنا ودماؤنا تسيل من بين أرجلنا، سيفنا والكلام الحاد والشتيمة، لا حمار ينقلنا الى ارض الخطر لندافع عن الآخر وحالنا، وحتى لو امتطينا حصاناً بدونا وكأننا نمتطي دجاجة لفرط سخافتنا.
كل شيء تغيّر بالتأكيد وبقيت صورة ذاك اللبناني العتيق في بالي، أسترجعها كلما حكي عن مصالحة مسيحية مسيحية ما، ماذا اتخايل الان؟ او بوضوح اكثر ماذا أحلم شخصيا؟ أرى حماراً وفارساً بلبادة يقطع اوتوستراد الشمال باتجاه زغرتا، وآخر من زغرتا باتجاه كسروان، لا أعرف عند اي نقطة سيلتقيان ولكن المهم ان ثمة لقاءآت، ولا يهم المكان فمن يجلس في اللقاء لا يخرج من صحن الدار بسهولة، والمختار، اي نحن الشعب، في انتظارهما وحضّرنا كل الضيافات اللازمة، والليوان واسع واسع وسع القلب واكثر لمن يلقي علينا السلام، ذاك السلام النابع من رسالة المسيح وعنوانها الاول والاخير التسامح فالمحبة…بانتظارك يا فارس الحمار.
