كرمال يسوع بفدي روحي… وذهب نعيم الى يسوعه

كتبت فيرا بو منصف في “المسيرة” – العدد 1634:

لم يكونوا يوما أبناء مناطقهم، لم يكونوا يوما ليسألوا الى أي جبهة سيُرسلون وعن أي بلدة سيدافعون، كانوا أبناء الشمال في البقاع وأبناء البقاع في المتن وأبناء الجرد في المدينة وأبناء السهل في الجبل، خرجوا من بيوتهم لتصبح منازل لبنان صلاتهم وانتماءهم وقضيتهم، وهكذا فعل ابن منيارة عكار، خرج ذات صباح من منزله في ذاك الشمال، ليدافع عن بيوت لنا في الجبل وهناك صار ابن الأرض، وصارت دماؤه بخورا، لو عادت الأيام الى أيامها هل كان نعيم بردقان نقل مكان استشهاده لينقل معه بيته الأبدي الى حيث انتمى بالأساس الى منيارة؟ «وليش بدي أعمل هيك؟ كلو لبنان» أفترض انه كان ليجيب بلكنته الشمالية الشمالية…

ابن الشمال كان يعمل في بيروت وكانت الدنيا مزروعة احتلالا وحروبا وشبابا يواجهون. شباب يتركون الجامعة والعمل والحياة ويلتحقون بالمتاريس، كانوا شبابا أرادوا أن يغيّروا دفة الريح التي كانت بدأت تعصف بجنون بالوطن، ومن كان ليستطيع يومذاك أن يفعل والدنيا كلها، كلها، ضد هذه الأرض الصغيرة الكبيرة المغلوب على أمرها، والتي كادت أيادي الغرباء أنتبتلعها نهائيا لولا أولئك، أولئك ما غيرهم شباب المقاومة اللبنانية الذي غيّروا غصبا عن الريح اتجاه الرياح. «وليش بدك تروح تقاتل مع الشباب دخيلك يمّي خليك بشغلك خليك حدنا ما تروح»، قالت له أمه عندما أبلغ أهله قراره الكبير بأنه سيلتحق بـ»قوات الشيخ بشير»، «أنا هيدا طريقي لـ اخترتو وما حدن بيقدر يعترضني ورح ضل طلّ واتطمّن عليكن ما تخافي»، أجاب نعيم أمه والتحق بثكنة عكار كفرحلدا التي كان فوزي الراسي مسؤولا عنها حينذاك.

لم يكن ليعلم أن فوزي الراسي ذاك، سيكون بعد سنين شهيدًا على يد أسوأ نظام أمني لبناني سوري، وما كان ليدرك لحظة أنه سيسبق بسنين الراسي الى الشهادة لأجل ذاك اللبنان، ما كان ليعرف لحظة قيل له إن عليه الالتحاق بمعركة الجبل، وذهب مع رفاقه وكأنه ذاهب الى العرس وليس الى جبهات النار، ما كان ليتأكد ولو كان يتوقع بأنه سيعود محمّلا فوق الأكتاف، إذ مذ لحظة التحاقه بالمقاومة كان على يقين ان مصيره خرج عن إرادته وان الشهادة قد تكون قدره في أي لحظة، لكنه بالتأكيد ما كان ليتوقع ان الرحيل سيكون مبكرا الى هذه الدرجة، وأنه لن يعود الى تراب منيارة التي فوقها لعب شرطة وحراميي مع رفاقه الأطفال، وان البندقية الخشب التي لعب بها في ساحات الطفولة ستكون هي السبب في ارتفاعه شهيدا عن أرضه لأجل أرضه.

ساخرة الحياة إذا ما تابعنا تفاصيلها، وفي بعض تفاصيل نعيم «أبو العيون الزرق» كما كان يطلق عليه رفاقه وأهله، يبدو المصير المحتم مهرولا كبرق يخترق سماء كانون. لما انتخبوا البشير رئيسا للجمهورية، لم تسعه الأرض فرحا، فعل ككل لبنان، رقص في الساحات، غنى، جاب الطرقات ورفاقه، وكاد يطير من مكانه، لم يصدق ان لحظة الحرية تلك ستدوي في سماء لبنان، كان أهله في القرية وهو في بيروت، وكانت الضيعة مسكونة بالاحتلال وعملائه وما كان قادرا ان يتجول فيها بحريته، وكان اشتاق لأهله وأخته الصغيرة نهى، فصعد ليلا وتسلل بين أشجار الزيتون ليرى أهله، ثم جال ليلا في البلدة وعلّق صور البشير على الحيطان وفي ساحة منيارة، فعل ما اعتبر أن عليه أن يفعله، أن يعمم الفرح بشرف انتخاب رجل الكرامة والحرية على حيطان كل لبنان، وعاد الى بيروت سعيدا «خي صارت صور البشير معباية حيطان ضيعتنا» قال لأحد الرفاق، وكان يعلم أن صباح اليوم التالي سيجنّ العملاء غضبا قبل المحتلين، وان الصور ستمزّق شر تمزيق، لكن ما كان ليتصوّر لحظة أن بعد أقل من شهر سيضحك الاحتلال ويجنّ من الفرح حين يُغتال سيّد الحلم ذاك، وان نعيم سيغرق في حزن كاد يقارب اليأس المطلق لولا إيمانه المطلق بأن على النضال والمقاومة ان يستمرا مهما كان الثمن، ولولا ذاك الرفيق الذي اولاه كل ثقته، قائد منطقة الشمال آنذاك، سمير جعجع، لما كان خرج، كما كثر من الرفاق آنذاك، من محنة اليأس تلك.

إذن عاد نعيم الى ثكنته، ولم يكن من أهل البيت وحده المناضل، كانوا خمسة شبان في البيت واختان، وكل شاب الى جبهة. اندلعت حرب الجبل العام 1983، وطُلب منه الذهاب الى الشوف، لبّى النداء على الفور وكان دائما يردد أمام رفاقه «واجباتنا ندافع عن حالنا وعن وجودنا بلبنان نحنا أصحاب أرض وعقيدة ما فينا نترك المسيحيين عم يتدبحوا ونحنا عم نتفرّج والسوريين مبسوطين»، وصعد الى الجبل مع رفاقه، وغابت أخباره عن أخوته وعن العيلة، كما غابت أخبار أخوته عنه، صار كل الى متراسه لا يسأل إلا عن مصير المعركة، وكل رفيق بمثابة أخ وكل مناضل هو العيلة وهو الوطن. اشتدت وطأة المعركة على الجبهة. يقولون إنه كان يقاتل كما لم يفعل يوما، يقولون إنه قاتل وكأنه عرف بتلك اللحظة أنها لحظاته الأخيرة، يقولون أنه دافع بشراسة لا توصف عن أرض لم يطأها يوما لكنه اعتبرها أرضه، إن خسرها خسر كرامته، وما كان يريد أن يعيش من دون كرامة كما كان يردد، ويقولون إنه حين أصيب في قدميه عرف أنها ستكون النهاية وحاول أن يصمد، لكن دير القمر كانت محاصرة ولم يتمكن رفاقه من نقله الى المستشفى في بيروت ولا الى أي مكان، فبقي ينزف أربعة أيام متواصلة، ولما تمكنوا من نقله الى أوتيل ديو كانت الروح أنهكت مقاومة فقررت ان تستسلم وتذهب الى حيث يعرف ان الدماء لا تنبت إلا أرزا وان السماء ستزفه عريس الشهادة الى جانب سيد ثوار هذا العالم وكل الدنيا، حبيب قلبه يسوع المسيح، «كرمال يسوع بفديه بروحي» كان يقول لأهله عندما يحاول أن يهدّئ من روعهم وخوفهم عليه.

المفارقة أن أخوته الذين توزعوا على جبهات الجبل، لم يعرفوا حينها ان نعيم هو في المشرف وما عرفوا بإصابته إلا حين وصوله المستشفى، وكان الوقت سرق زمن نعيم على أرض الاحتلال والنضال والشهداء. «زعل عليه الحكيم كتير وما صدّق إنو نعيم استشهد وكان كل يوم يتصل تـ يعرف شو أخبارو، خيّي شيخ الشباب كان متل القمر وشجاع وكريم وكل الناس تحبو وتحترمو مع إنو كان بعدو زغير عشرين سنة بالكاد»، يقول أخوه الأكبر الذي يثابر سنويا مع العيلة مجتمعة على حضور قداس الشهداء في معراب، في حين تخبر أخته نهى تفاصيل صغيرة عما بقي من ذاكرتها، هي التي لم تكن تجاوزت العشرة أعوام حين استشهد نعيم «كان يحبني كتير ويغنجني ويضل يشتري هدايا غالية تا كون مبسوطة، نحنا وزغار كنا نشَبهو بالمسيح لأن كان أشقر وعندو لحية وعيونو زرق وأتباهى قدّام صاحباتي إنو خيي حلو كتير ومقاتل، واليوم بفتخر إنو عنا شهيد بالعيلة ودايما بقول لولادي ليكو عمكن شهيد ونحنا رايحين ع قداسو وإنتو من بعدي بدكن تجيبو كمان ولادكن ع قداس الشهيد» وتصمت نهى حين تأخذها دموع الأيام والذاكرة.

صار في عيلة بردقان نعيم آخر، والصبية التي أحبها يوما ووعدها بالزواج تزوجت بعدما صار نعيم عريسا للأرض وسمائها وألوانها وقوس قزحها وربيعها وشتائها، صار نعيم ليس مجرد صورة في إطار، صار في الإطار شهيدا لأجل صورة وطن حلو، وطن يا ربي لا يشبه أي وطن لأن لنا فيه كل ذاك الألم، تلك الكرامة، ذاك الأمل، هؤلاء الشهداء، هذا العمر الذي يحتفي بوجودهم كل يوم، وكل يوم نعيم بردقان ومن سبقه ولحق به يحتفلون معنا بهذه القيمة الإنسانية الكبرى التي اسمها لبنان ولأجله نعيش و… نعيش.

 

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل