عرقة: تاريخ مدفون تحت التراب (أغنس الحلو زعرور)

 

 كتب أغنس الحلو زعرور في “المسيرة” – العدد 1634:

  طريق ترابية مكسوة بالحصى والحجارة، بالكاد تستطيع أن تسلكها السيارة الرباعية الدفع صعودا إلى ما كنا نعتقد أنه قلعة من أبرز معالم وطننا السياحية. وهذه الطريق، إذا صح أن يطلق عليها إسم طريق أصلا، تصعد بشكل حلزوني بجانب منحدر يمكن بأي لحظة أن تنزلق السيارة فيه وتتدهور وتقع على الأوتوستراد. نعم، هذا هو واقع الوصول إلى عرقة، الحصن السياحي التاريخي الذي بدأ التنقيب فيه منذ العام 1973، ولكنه لم ينته حتى يومنا هذا. والمضحك المبكي أكثر هو القلعة بحد ذاتها. فبعد أن قرأنا عنها الكثير وسمعنا من مثقفي القرى المجاورة أكثر عن تاريخها اعتقدنا أننا سنقف بحضرة حصن حضاري شامخ، ولكننا وقفنا، ونظرنا للأسفل لنرى بضع أشكال عمرانية مدفونة تحت التراب لا يظهر سوى بعض أجزاءها العليا. أما ما تم التنقيب عنه فكان مغطى بألواح حديدية.

بالطبع ليس من الضروري التنويه بأن البعثة الفرنسية التي كانت تنقّب عن آثار هذه القلعة غادرت لبنان  مع بداية الحرب السورية. وقاطنو هذه القلعة هم آثار مدفونة وحارس قضائي. وهل من أمة في الأرض تدفن تاريخها وتراثها وآثارها؟ كما يحصل في لبنان؟

 

تل عرقة تاريخيا:

عرقة هي من أقدم مدن التاريخ. فقد ذكرت في سفر التكوين في الكتاب المقدس. وقد سميّت تاريخيا نسبة إلى «العرقة» أي أعلى الباب. كما يذكر بعض المؤرخين أنها سميت بهذا الإسم لأنها كانت بوابة فينيقيا الساحلية نحو البحر.

هدمت عرقة في تاريخها مرات عديدة. وكان آخرها نتيجة الزلزال الذي تعرضت له في العام 1204. ولكن قبل أن تتحول إلى آثار تحت التراب كانت مدينة عرفت حكم الأباطرة من بينها ثلاثة في العصر الروماني: ألكسندر ساويروس وولديه. ويروي ميخائيل نصر، رئيس بلدية الحاكور المجاورة لعرقة، عن حادثة حصلت في ذلك الزمن وتظهر ثبات حصن عرقة وصلابته. « في عصر الصليبيين حاصرها ريمون دي تولوز الذي حارب مع البعثة الصليبية وخيّم في الحاكور. حاول إقتحام القلعة ولكنه لم يستطع. فحاصرها لمدة ثلاثة أشهر. ولكنه لم يستطع اختراقها بأي شكل من الأشكال. وعندها تبادر إلى ذهنه سؤال حول كيف يشرب أهل القلعة المياه. فأرسل جنوده في الليل ووجدوا نسوة يعبرن في سرداب يمتد من رأس القلعة حتى النهر.

تملأ النسوة الجرار من النهر ويصعدن بالسرداب. فأمر جنوده بالتصدي لهن، لكنهن عندما رأين الجنود هربن إلى داخل السرداب حيث كانت ترابض حامية من 15 رجل لصد أي هجوم على القلعة. فدخل الكثير من الصليبيين على ولأن المساحة ضيقة جدا لم يتمكنوا من الحراك بسهولة. فقام الجنود المدافعون عن القلعة بإبادتهم. ولم يستطع دي تولوز اختراقها. وبقي بانتظار أن تسنح له فرصة اقتحامها إلى أن أصدر بوهيموند أمرا لدي تولوز بترك عرقة. فوقف دي تولوز أمام القلعة وقال: «سلام عليك يا عرقة لا سلام بعده.» وبكى لأنه فشل في اختراقها.

وبقيت عرقة صامدة وشامخة إلى أن أتى السلطان قلاوون الذي هدمها ومنذ ذلك الحين لم يعد لعرقة أي حياة على وجه الأرض كمدينة. لكنها لم تفقد قيمتها التاريخية. فنظرا لأهميتها عند الطوائف المسيحية، تم تنصيب أسقف فخري ماروني وأسقف فخري أورثوذكسي عليها.

هذه القلعة التي عرفت تحصينا لا مثيل له في زمنها ليست من نسج خيال أهالي القرى المجاورة ولا من قصص كتب التاريخ. إنها موجودة في قراءة الفاتيكان، حيث حفظت كل معالم القلعة.

تعود بعض الآثار التي تم التنقيب عنها في تل عرقة إلى العصر البرونزي الثاني القديم أي 2000-2400 سنة قبل الميلاد. والحفريات التي تركزت على الجانب الجنوبي الغربي للتل ، أدت إلى التنقيب عن حائط بطول 15 مترًا وبعلو 4 أمتار توالت عليه حضارات مختلفة، وتظهر هذه الحضارات من خلال أنواع الحجارة والإختلاف بينها نتيجة الهدم وإعادة البناء. كما عثرت البعثة أثناء التنقيب على منزل مؤلف من ثلاث طبقات من الطين، وقطع فخارية، وأوانٍ استخدمت في الحياة اليومية. حتى أن البعثة وجدت مزروعات قديمة محروقة تعطي كما وافرا من المعلومات التاريخية عن عكار والمزروعات التي كانت رائجة فيها في الحقبات القديمة.

ويضم حصن عرقة أكثر من 3000 قطعة أثرية من المخطط وضعها في متحف خاص لهذا الموقع الأثري. ومن بين هذه القطع آثار قديمة للغاية وهي بمثابة كنز تاريخي لا يقدر بثمن. والجدير بالذكر أنه عند انتهاء التنقيب عن آثار تل عرقة، تستطيع هذه الآثار أن تغني كتب التاريخ اللبناني بمعلومات دقيقة ليس فقط عن عكار بل عن كل الشاطئ اللبناني وفي عصور مختلفة من بينها الحقبة البيزنطية والحقبة الرومانية وصولا إلى الصليبية. وتقدر كلفة استصلاح تل عرقة كمركز سياحي أثري يرتاده الناس بحوالي 600 ألف دولار.

عرقة الحاضر لا تمت بصلة لعرقة الماضي:

هذا الموقع الأثري هو تاريخ مطمور لحضارات قديمة توالت على الشرق الأوسط. ولكن ما بقي من عرقة هو موقعها الجغرافي فقط. فهي تتوسط سهل عكار، ويحيط بها نهر عرقة، وقرى الحاكور وبقرزلا، والحصنية. أما جوارها، فغربا البحر وشرقا القبيات.وسهل عرقة مشهور بزراعة العنب والزيتون، والحمضيات. كما بدأت عرقة بتهجين الزراعات ولكنها خجولة إلى حد ما. وتضم بلدية عرقة حاليا 5 قرى في إتحادها البلدي ويدعى: الإتحاد الأثري لتل عرقة.

بدأت بعثة فرنسية بالإشتراك مع المتحف الوطني اللبناني في العام 1973 بالتنقيب عن آثار حصن عرقة. في محاولة لإظهار التاريخ العظيم والمعالم الأثرية للقلعة.  وبنت مركزا للتنقيب عن الآثار.كما تم تعيين حارسين على القلعة لتجنب السرقات. ونظرا لأهميتها السياحية دخلت في النادي السياحي العالمي.

آثار بين الإهمال والسرقة:

يتحدث أهالي القرى المجاورة عن سرقات كبرى للتحف الأثرية في القلعة أثناء الحرب الأهلية. فعرش سبتيوموس ساويروس يقدّر بأربعة أطنان من الذهب وقد اختفى من القلعة اليوم. وأخبرنا أحد قاطني القرى المجاورة أن تمثال ألكسندر ساويروس سرق خلال الحرب. فقد وجد شخص بسيط التمثال في الأرض فحمله وهرب به. تصدى له سارقو الآثار من الغجر فضربوه، وقتلوه، وأخذوا التمثال منه وباعوه.

والسؤال الذي يطرح نفسه لماذا لم تنتهِ أعمال التنقيب حتى اليوم؟ وكيف سنتعرف الى أعرق معالم عكار الأثرية إذا بقيت مدفونة تحت الأرض؟

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل