
مع ازدياد احساسه بخطر النزوح السوري والوجود الفلسطيني على الأراضي اللبنانية، ارتفعت حدة خطابات البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي الى الحدود القصوى، نظراً لما لمسه في الخارج من لا مبالاة حقيقية تجاه هذا الموضوع المصيري الذي يهدد الكيان اللبناني بجميع مكوناته الإسلامية والمسيحية على حد سواء.
وفي مقابل اهتمامه الكبير بقضيته النزوح السوري واللجوء الفلسطيني، أضاء الراعي على اهمية الوجود المسيحي في الشرق الذي تقلص “بالتقسيط” جراء الحروب في العراق وسوريا وفلسطين ، والإضطهادات التي تعرض لها المسيحيون ، والتي يمكن ان يطلق عليها وفق أسقف ماروني بـ”الإبادة المبرمجة”، ليؤكد ان البطريرك الماروني لديه قناعة راسخة بان المسيحيين في الشرق لديهم رسالة ومدعوون لاعطاء غنى للمجتمعات العربية وفق قيمنا المسيحية.
ولكن وفق هذا الأسقف، كيف للمسيحيين ان يقوموا بدورهم هذا ان لم يكونوا موحدين وسط هذا العجز من التشدد، داعيا الى وضع حد ادنى من التوافق على رؤية مستقبلية قبل فوات الأوان، ليشدد على ان الخطر حقيقي وداهم، بل نعيش في خضمه، واذا كان المسيحيون لن يتواجدوا في هذه الايام المصيرية فعلى الدنيا السلام، وسوف يلتحق المسيحيون الحاليون بمن أسسوا إمبراطوريات كالأشوريين والكلدانيين والسريان الذين اضحوا في وضع يائس، والخوف كل الخوف ان يلتحق بمصيرهم المسيحيون الحاليون، ليلاقي هذا الأسقف المطران عصام درويش رئيس أساقفة الكاثوليك في البقاع وليعلن: ان القمع المستمر للمسيحيين له أثر سلبي على المنطقة والعالم.
ازاء هذا المشهد السوداوي الذي يرسمه الأسقف المسيحي وباقي المطارنة إزاء الوجود الكبير لأعداد النازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين ، كانت مواقف البطريرك الراعي حيال هذه المعضلة موضع أخذ ورد من بعض القيادات الفلسطينية واللبنانية المحلية، وكأن سيد بكركي اراد من خلال اثارة هذا الموضوع تحقيق مكسب شخصي او فئوي، فيما حقيقة الامر حسب هذا الأسقف ان البطريرك الراعي يعتبر ان المسألة وطنية بإمتياز تطال قضية الوجود، ولا لزوم لبعض المواقف ان تطلق وفق خلفيات لم تقرأ او تتمحص في مضامين كلمات الراعي عن كثب، مع العلم ان البطريركية المارونية والرهبانيات لطالما كانت من أوائل المستقبلين للفلسطينيين ابان نكبتهم في العام 1948 حيث تحولت الأديرة والأوقاف الى اماكن سكن لهم وتأمين المستلزمات لهم، ولم يكن الأسقف ليذكر هذه الامور، لولا التطاول الذي حصل على كلام قاله سيد بكركي حول مسألة من المفترض ان تكون جامعة يتوحد حولها اللبنانيون جميعاً.
وكشف الأسقف ان البطريرك الراعي في صدد دراسة دعوة عامة للفعاليات المسيحية ، يليها لقاء وطني عام، من اجل توحيد الكلمة في اطار وطني عام نظراً للتشابك الحاصل في بعض المواقف تجاه قضية النازحين. ولهذا الامر اجرى البطريرك الراعي سلسلة اجتماعات مع بعض الموجودين في واشنطن من اللبنانيين والاجانب لشرح الموقف الحقيقي لبكركي، بديلاً عن التشاطر القائم على الساحة المحلية.
ولا يخف هذا الأسقف ان المسلمين جميعاً واعون لتداعيات النزوح ، والموقف ليس مسيحياً فقط، انما التشابك الاقليمي حول هذا الملف انعكس على المواقف اللبنانية القابلة لتوحيد الكلمة، لان الفشل سوف يطال الجميع وليس الطوائف المسيحية فقط لان الهموم الاساسية لسيد بكركي تتمحور حول بقاء الكيان في ظل التقسيمات المخيفة للبلاد المحيطة بلبنان، وكل الخوف ان لا تصل هذه المخاوف الى نفوس اللبنانيين، وبالتالي هناك حقوق اساسية للنازحين السوريين وهي منسية وعمادها ضرورة العودة الى بلادهم، وهذا حق لهم يجب العمل على تحقيقه، خصوصاً وان مناطق شاسعة في سوريا تصلح للإقامة اسوة بالذين عادوا من الدول الأوروبية والأردن الى منازلهم.
من جهته، يعتبر النائب البطريركي العام المطران سمير مظلوم ، ان موقف البطريركية يعبر عن قلق اللبنانيين من الاعداد الهائلة للنازحين السوريين وما سيشكله من اخطار على الواقع اللبناني، وبالتالي فان موقف غبطة البطريرك الراعي من هذا الموضوع يجب ان يفهم انه ينطلق من مفهوم وطني عام، وان بكركي لا تدخل في زواريب السياسات الضيقة بل هي تعمد الى التوجيه والارشاد، وكلام البطريرك ينطلق من هذه الناحية، اما بعض الإنتقادات التي جرت بحق كلام الراعي ، فهي اما مبرمجة او غير مفهومه او لم تفهم مقاصد البطريرك ، ويسأل: ما هو موقف المعترضين اذا ما استقر الموقف الدولي على اللامبالاة إزاء قضية النازحين وتركهم في لبنان؟؟