
ترقص عيوننا فرحاً، وترتسم الإبتسامة العريضة على شفاهنا من دون أن نعلم، وتتلألأ الدموع حين نرى صور رفاقنا في زمن الحرب منتشرة على مواقع التواصل الإجتماعي، منهم ما زال شاهداَ على تلك الحقبة، والبعض الآخر أصبح في جوار الرب. لكل صورة حكاية، ورواية تنقلك إلى ذاك الزمان والمكان، مكان تفوح منه رائحة تراب الوطن الممزوج بدماء الشهداء، وزمن السنابل التي تمايلت مع الريح لكنها بقيت راسخة في الأرض.
“القوات” زعران!.. عبارة يطلقها قليلو الإيمان، ومن يجهل حقيقة تلك الأيام الصعبة، عبارة لا يدرك مطلقوها أن تلك “الزعرنة” أبقتهم على قيد الحياة، ورسمت لهم طريق الصمود وفتحت لهم أبواب المستقبل نحو العيش بكرامة. “القوات” حملوا سلاح!… وكأننا نعشق حمل السلاح من أجل التباهي وقطع الطرق، حملنا السلاح عندما قطعت الطرق في وجهنا، وقمنا بفتحها لنعبر نحو الدولة التي اهترأت بفعل المؤامرات وما أكثرها.
“القوات” شاركت في الحرب!… وكأننا خضنا الحروب للدفاع عن أنظمة بائدة، وتدخلنا في شؤون الدول الشقيقة أو أننا استغلينا الحرب للمتاجرة بالقضية الفلسطينية، فحروبنا جميعها كانت للدفاع عن لبنان وعن مناطقنا التي تعرضت للإعتداء والإحتلال.
ليس كل من حمل السلاح لديه هدف وقضية، ولكن لسلاحنا أسمى قضية، وخلفية منبثقة عن مقاومة وإيمان، إيمان بأن لبنان وطن نهائي، وليس وطناً بديلاً أو محافظة تابعة للنظام السوري. في تلك الحقبة، لم نكن نملك إعلاماً حربياً، وكانت الأخبار تقتصر على ما ينقله مكتب التحرير، أو القليل مما تنقله شاشات التلفزة في نشراتها الإخبارية، وبعض الأخبار وروايات الأبطال أثناء الحروب كنا نقرأها في مجلة “المسيرة” من دون صوت أو صورة. كان المشهد مغايراً تماماً عن أيامنا هذه، وكم ومن حكايات عن ملاحم رفاقنا الأبطال دفنت في أرض المعركة وذهبت إلى السماء مع أرواح الشهداء من دون معرفة حجم البطولة التي قاموا بها هناك لنقول اليوم “نحن هنا”. كم من شهيدٍ سقط بصمت لنصرخ نحن اليوم “لنبقى ونستمر”؟ كم كنت أتمنى لو كانت وسائل التواصل الإجتماعي والتقنيات الموجودة حالياً متاحة أثناء نضال “القوات اللبنانية” في زمن الحرب والدفاع عن الكيان اللبناني، فهي لو كانت لأدرك الجميع حجم التضحيات ورأى بأم العين رفاقنا الأبطال وهم على الجبهات وفي العراء يقاومون بشجاعة وبسالة متناهية، في حين كان البعض يقوم بالسياحة ويتمتع بملذات الحياة، يتمدد على فراشه بطمأنينة، في حين أن رفاقنا لم ينعموا إلا بأكياس الرمل… وسادة.
لو كانت تلك الوسائل متاحة، لتوجهنا مع أبطالنا إلى الجبهات وساحات الشرف لننقل لمجتعنا حكايات القضية المقدسة في عصرها الذهبي، ولنخبر العالم بأسره بالصوة والصورة كيف نعيش تحت أزيز الرصاص، وصوت القذائف تنهمر على رؤوس رفاقنا الشامخة. لو كانت متاحة لروينا مباشرة حكاية 15000 ألف شهيد من دون ملل أو كلل، لكانت وصلت الصورة كما هي وبحقيقة مجردة ليدرك المشككون أن بقاءهم على قيد الحياة هو بفضل تلك “البدلة الزيتية”، وأن الإستقلال الثاني سنة 2005 حُفرت حروفه بفضل هؤلاء الذين نحتوا صخور الجبهات، وزرعوا الأرض برفاتهم ليزهر إستقلالنا ثمار الحرية والكرامة. لو كانت متاحة، لعلم منحني الرؤوس اليوم، كيف كانت جباه رفاقنا مرفوعة كعلم لبنان، وكيف كانوا يطبعون القُبل على الكتاب المقدس قبل توجههم الى المعركة، وكم مرة رسموا فيها إشارة الصليب وهم يودعون أمهاتهم ليعودوا بسلام. لو كانت متاحة، لخجلت أفواه البعض وصامت عن الكلام، وركعت خشوعاً لتلك القرابين التي قدمناها على مذبح الشرف. هؤلاء “الزعران”، هم سبب وجودنا، بفضلهم صدحت أجراسنا التي لا زالت تصدح، ولولاهم لما كنا في وطن لا يزال يطلق عليه الجمهورية اللبنانية..
