#adsense

مسيحيو الشرق والوعد الأميركي

حجم الخط

كتب نجم الهاشم في افتتاحية “المسيرة” – العدد 1635

ليست المرة الأولى التي يعيش فيها مسيحيو الشرق على حلم الوعد الأميركي. وليست المرة الأولى التي يعد فيها رئيس أميركي هؤلاء المسيحيين بالمساعدة. ولكن هل هناك استراتيجية أميركية خاصة بالمسيحيين أم بالمصلحة الأميركية أولاً ويمكن أن يستفيد منها المسيحيون؟ وماذا تقول التجارب السابقة في هذا المجال؟ وهل يمكن البناء على ما قاله نائب الرئيس الأميركي مايك بنس في مؤتمر الدفاع عن مسيحيي الشرق الأوسط في واشنطن ووعده لهم ولسائر الأقليات بأن زمن الإضطهادات قد ولى وبأن المساعدة الأميركية آتية إليهم؟

خمسة أيام فقط فصلت بين كلام بنس في 26 تشرين الأول وبين العملية الإرهابية التي نفذها مهاجر أوزباكستاني في حي مانهاتن في نيويورك أمام مركز التجارة العالمي وأدت إلى مقتل ثمانية أشخاص. هذا الحي وذاك المركز لهما حضور كبير في ذاكرة الأميركيين لا يمكن أن يمحى ويرتبط تحديدًا بعمليات 11 أيلول 2001 التي قرر على أثرها الرئيس جورج بوش الإبن نقل المعركة ضد الإرهاب إلى عقر داره وانطلاقا من هذه الإستراتيجية بدأت الحرب الأميركية في أفغانستان ثم في العراق وربما يمكن اعتبار ما يحصل في المنطقة اليوم استكمالاً لتلك الإستراتيجية التي يطبقها الرئيس ترامب وتقضي بالقضاء على تنظيم «داعش» وبفرض العقوبات على إيران و”حزب الله” وبالحديث عن شرق أوسط جديد وعن أنظمة جديدة تشكل ضمانة للأقليات المسيحية وغير المسيحية وهذا ما عبّر عنه نائبه مايك بنس في مؤتمر الدفاع عن المسيحيين في الشرق الأوسط.

بنس أعلن أن الرئيس ترامب كلّفه القيام بجولة في المنطقة في كانون الأول المقبل “لإيصال رسالة بأن الوقت حان لإنهاء اضطهاد المسيحيين”. يمكن للبعض أن يعتبر أن كلام بنس لم يكن إلا مجرد خطاب ألقي في مناسبة خاصة واستدعته ظروف هذه المناسبة وعنوانها. ولكن البعض الآخر يعتبر أنه كان يريد أن يبلِّغ رسالة إلى المنطقة من خلال هذه المناسبة. صحيح أنه تحدث مثلا عن كل الأقليات ولكنه كان يتوجه أساسا إلى المسيحيين ويحكي عن اضطهادهم ويدخل في الأرقام من العراق إلى سوريا ولبنان وفلسطين. ويمكن اعتبار كل مل قاله أنه يدخل ضمن الإستراتيجية التي يسعى الرئيس ترامب إلى تنفيذها، وبالتالي هو مكمل لها وهو تعبير عما يفعله وليس عما سيفعله. وربما ستكون هذه المرة من المرات التي ستدخل فيها مصلحة المسيحيين في المنطقة ضمن مصلحة السياسة الأميركية فيها.

في العام 1958 مثلا لم تنزل قوات المارينز الأميركية في لبنان من أجل المسيحيين والرئيس كميل شمعون. كانت الولايات المتحدة الأميركية في تلك المرحلة في مواجهة مباشرة مع الشيوعية والإتحاد السوفياتي وكان الرئيس الأميركي دوايت إيزنهاور أعلن المبدأ الذي حمل اسمه والمبني على استراتيجية تقديم الدعم للدول التي تهددها الشيوعية. ولكن على رغم أن حوادث 1958 بدأت في أيار وعلى رغم أن بوادرها كانت بدأت قبل عام وأكثر من خلال سلسلة الحوادث التي وقعت في أكثر من منطقة، وعلى رغم علم واشنطن بأن الأسلحة ترسل من سوريا إلى لبنان لدعم المعارضة إلا أن التدخل لم يحصل إلا بعد الإنقلاب الذي أطاح بالنظام الملكي في العراق، وبالتالي أدركت واشنطن أن أنقلابا ثانيا يمكن أن يحصل في لبنان وقد يهدد المصالح الأميركية في المنطقة، ولذلك أصدر الرئيس إيزنهاور الأوامر لقوات المارينز بالتوجه إلى لبنان لإنهاء الحرب وعلى أساس هذا التدخل تم انتخاب قائد الجيش فؤاد شهاب رئيسا للجمهورية وتم وضع حد للأزمة.

مرة ثانية أتت قوات المارينز إلى لبنان في العام 1982 بعد الإجتياح الإسرائيلي في محاولة أيضا لوضع حد للأزمة اللبنانية في عهد الرئيس ريغن الذي كان وصوله إلى البيت الأبيض عنوانا لاستراتيجية أميركية متشددة في المنطقة وضد الإتحاد السوفياتي. وإذا كان تدخل 1958 ارتبط بالعراق وانتهى على خير بانسحاب قوات المارينز من دون خسائر، فإن تدخل 1982 انتهى بكارثة تفجير مقر المارينز على طريق المطار في تشرين الأول 1983 واتهام “حزب الله” بالقيام بهذه االعملية التي لا تزال حية في الوجدان الأميركي تماما كما تفجيرات 11 أيلول وعملية خليج بيرل هاربور في الحرب العالمية الثانية والتي كانت الدافع الرئيسي لدخول الولايات المتحدة الأميركية هذه الحرب.

ربما يمكن الحديث عن مبدأ ريغن تماما كالحديث عن مبدأ إيزنهاور. ولكن في العام 2001 وبعد أحداث 11 أيلول بات من الممكن أيضا الحديث عن مبدأ بوش. عندما فكر أسامة بن لادن قائد تنظيم “القاعدة” بتوجيه ضربة إلى الولايات المتحدة الأميركية لم يأخذ في الإعتبار رد الفعل الأميركية واعتبر أن واشنطن لن تبادر إلى الرد وستبقى تلملم جراحها وتعجز عن إسقاط دولة طالبان في أفغانستان. ولكن الرئيس جورج بوش الذي وصل إلى البيت الأبيض بفارق عدد بسيط من الأصوات استطاع من خلال تبني سياسة التصدي لـ”القاعدة” أن يحوز على شبه إجماع الشعب الأميركي وخرج من البيت الأبيض ليعلن استراتيجية التصدي للإرهاب التكفيري الأصولي الإسلامي ونقل الحرب إلى دياره فكانت الحرب في أفغانستان وإسقاط نظام طالبان، وبعدها كانت الحرب في العراق وإسقاط حكم الرئيس صدام حسين. لا يمكن مقارنة هاتين الحربين مثلا بما فعلته واشنطن في يوغوسلافيا لوقف التطهير العرقي في أقليم كوسوفو وإسقاط الرئيس اليوغسلافي سلوبودان ميلوسفيتش. ولا يمكن مقارنتهما مع حرب الخليج الأولى في العام 1990 التي نفذها الرئيس جورج بوش الأب لطرد الجيش العراقي من الكويت، ذلك أن هذه الحروب لم تكن إلا محدودة في الظروف والأهداف وكانت علاجات موضعية لمشاكل موضعية. بينما التدخل الأميركي في الشرق الأوسط منذ العام 2001 لا يدخل ضمن هذا الإطار أبدا، ولذلك يعتبر البعض أن الرئيس ترامب وصل إلى البيت الأبيض وهو يحمل استراتيجية قد تكون ما يمكن تسميته تتمة استراتيجية الرئيس بوش التي شكلت رئاسة الرئيس باراك أوباما محاولة للخروج منها.

فالرئيس ترامب يعلن استراتيجية متعددة الأهداف: صحيح أنه أعلن الحرب على الإرهاب الذي تمثله التنظيمات التكفيرية السنية وتحديدا تنظيم “داعش” وأنه لن يوقف هذه الحرب إلا بالقضاء عليه وعلى جذوره، ولكنه أيضا أعلن أنه لا يمكن التفريق بين الإرهاب الذي مثله “داعش” والإرهاب الذي تدعمه إيران والتهديد الذي يمثله “حزب الله”. وضمن هذا الإطار يمكن فهم ما هدف إليه من خلال القمة الإسلامية الموسعة التي حضرها في الرياض تحت هذا العنوان. ومن هنا أيضا يمكن اعتبار أن الاستراتيجية السعودية في المنطقة باتت جزءا مكملا لهذه الإستراتيجية الأميركية، خصوصا في ما عبّر عنه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان حول خطة النهوض الجديدة تحت عنوان “رؤية 2030” وحول العودة إلى الإسلام المعتدل، وتدخل ضمن هذا الإطار ربما تغريدات الوزير السعودي ثامر السبهان والمتعلقة بالموقف من “حزب الله” في لبنان والمنطقة.

في مؤتمر الدفاع عن مسيحيي الشرق الأوسط تحدث نائب الرئيس الأميركي بخلفية مسيحية ولكنه لم يتحدث عن مصلحة المسيحيين أولا. صحيح أنه قال بأن الرئيس ترامب كلفه بذلك وبأنه كان يتحدث باسمه ويعد بإرسال المساعدات وبالحماية ويعلن أن زمن الإضطهاد قد انتهى، ولكنه كان يتحدث عن صورة جديدة للمنطقة يتأمن الحضور المسيحي من خلالها وعن أنظمة متعددة جديدة تضمن هذا الحضور وتشكل هذه الحماية. وهذا الكلام يشمل ما يحصل في سوريا والعراق وفلسطين ولبنان. وهو في النتيجة يتحدث عن حدث محقق يتمثل في القضاء على تنظيم “داعش” وعن هدف سيتم العمل على تحقيقه وهو تحديد دور “حزب الله” والدور الإيراني والنظام السوري في سوريا ولبنان وعن حل محتمل للقضية الفلسطينية تلعب فيه مصر أيضا دورا رئيسيا من خلال استيعاب حركة «حماس» وإدخالها ضمن مشروع هذه التسوية. ضمن هذا الإطار هل سيتمكن “حزب الله” وإيران من الوقوف في وجه هذه التسوية التي تضم أيضا روسيا وإسرائيل؟ وهل سيتمكن الحزب مثلا من رفض الخروج من سوريا إذا ما طلب منه ذلك؟ وهل سيكون عليه مواجهة طلب دولي بتسليم سلاحه تطبيقا للقرار 1559؟ ولماذا سيستمر بالتمسك بهذا السلاح طالما يلتزم بالقرار 1701 وبوقف النار على طول الخط الأزرق في جنوب لبنان؟

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل