
انزلت محكمة التمييز العسكرية في حكم مبرم ونهائي اصدرته بالاتفاق، برئاسة القاضية سهير الحركة وعضوية المستشارين القاضيين نزيه شربل منتدباً، عقوبة الاعدام بالموقوف محمد النحيلي ودانته بقتل زوجته منال عاصي في 4/2/2014 وبابدال هذه العقوبة سندا الى المادة 253 في قانون العقوبات بالاشغال الشاقة الموقتة 18 عاماً على ان تحسب مدة احتجازه الاولي وتوقيفه الاحتياطي.
وكانت محكمة الجنايات في بيروت قضت في 14/7/2016 بانزال عقوبة الاعدام به وتطبيق المادة 252 بحقه وافادته من العذر المخفف سنداً الى المادة 251 في القانون نفسه بتخفيف العقوبة الى الحبس 7 سنوات وانزال العقوبة تخفيفاً سنداً الى المادة 254 من هذا القانون الى الحبس خمس سنوات واحتساب مدة توقيفه.
واورد الحكم الذي يقع في 43 صفحة فولسكاب ان المتهم احيل بموجب قرار الاتهام ليحاكم بمقتضى المادة 549 في قانون العقوبات لاقدامه قصداً على قتل زوجته منال عاصي عبر ضربها بعنف مستعملاً التعذيب والشراسة نحوها. وحيث ان المحكمة ترى في البداية انه من المجدي والمفيد لما ورد من تعليل عرض ما جاء في تقرير الطبيب الشرعي الذي عاين المرحومة بتاريخ 4/2/ 2014 قبل وفاتها واثر وفاتها فجر اليوم التالي الذي افاد امام محكمة الجنايات تحت اليمين ان السكانر اخذت فور دخول المرحومة منال الى الطوارىء والذي وصَف واثبت الحالة العامة التي كانت عليها بعد نقلها الى مستشفى المقاصد كالآتي:
ـ ان المصابة في حالة غياب عن الوعي “كوما” مع هبوط حاد في الضغط ووجود نزيف حاد في الدماغ بشكل كامل ونزيف تحت الغشاء العنكبوتي وتنفس اصطناعي لكن الوضع غير مستقر.
ـ تعاني من كدمات عدة في انحاء الجسم وجرح فوق الشفة اليمنى وخدش سطحي يمتد من الرقبة الى اعلى الصدر، الجهة اليمنى، واشتباه بكسر في معصم اليد اليسرى العليا مع موت دماغي ووضع غير مستقر- ضغط 3 .
ـ حصول الوفاة فجراً بسبب توقف القلب الناجم عن موت دماغي بسبب نزيف في الدماغ.
ـ بمعاينة الجثة تبين توقف النفس وتوقف نبضات القلب مع كدمات متعددة في الرأس والكتب والظهر والخاصرتين والساقين والفخذين واصابع اليد والقدم اليمنى وجرح عميق في الشفة العليا اليمنى واشتباه في كسر معصم اليد اليسرى وهبوط حاد في الضغط.
وحيث ان المحكمة اذ بدأت بهذه المعطيات الثابتة انما تؤكد:
ـ ان سبب وفاة منال عاصي المباشر كان توقف قلبها نتيجة موت دماغي بسبب نزيف في الدماغ.
ـ ان المرحومة منال عاصي كانت قد تعرضت للضرب بشراسة وعنف وضروب من التعذيب في مختلف انحاء جسمها من الرأس حتى اصابع اليدين والقدمين.
ـ ان المرحومة كانت فاقدة الوعي لحظة دخولها المستشفى فدخلت في حالة “كوما” وهبوط حاد في الضغط وصل حتى 3 .
وحيث بات ثابتاً للمحكمة ان واقعة تعرض المرحومة منال للضرب على النحو الموصوف هو ما ادى الى دخولها في مرحلة من فقدان الوعي والتنفس الاصطناعي الذي لم يجعل وضعها مستقراً مع هبوط حاد في الضغط ما ادى الى وفاتها بسبب توقف قلبها نتيجة الموت الدماغي الذي احدثه النزيف في الدماغ، وحيث اذا كانت المحكمة قد باشرت تعليلها بالفعل المادي المتمثل بالتعرض الجسدي بالطريقة الموصوفة للتأكيد على ان المغدورة قد تعرضت لضرب مبرح وتعذيب الى حد الشراسة وهي واقعة ثابتة، ذلك لبحث مسؤولية المتهم عن ما نسب اليه من اقدامه قصداً على قتل زوجته عبر ضربها بعنف مستعملاً التعذيب والشراسة نحوها والترابط السببي بين فعله والنتيجة الجرمية الحاصلة ومدى تحقق عنصر المادة 549 المسندة اليه في قرار الاتهام، والبحث في دفاع المتهم لجهة نفيه عناصر هذه الجناية وطلبه اعتبار فعله من قبيل الايذاء المفضي الى الموت المنصوص عنه في المادة 550 وافادته من العذر المخفف.
واستخلصت المحكمة “من المعطيات التي تجدها ثابتة:
ـ ان المتهم تناقض في اقواله لجهة تعرض المغدورة للضرب من قبله بـ”طنجرة الضغط” اذ قال اولياً انه حصلت مشادة بينهما داخل المطبخ المتصل بالصالون، فتعثرت منال بعتبة المطبخ وشاهدها بعينه تصدم بيدها الطنجرة وتقع عليها. وعاد فأدلى بذلك امام قاضي التحقيق اذ قال “إن الطنجرة وقعت عليها اثناء ضربه لها، وبعد ذلك أدلى بأنه “عندما ضربها ولما كانت تهرب منه تعثرت بعتبة بين المطبخ والصالون فارتطمت بطنجرة فاصوليا كانت موجودة على الكونتوار الفاصل بين المطبخ وغرفة الصالون فوقعت على الارض وليس على منال ابداً، بينما ادلى امام محكمة الجنايات انها تعثرت بينما كانت تحمل الطنجرة. في حين انه حتى لو صحت رواية المتهم المتناقضة في سرده لتلك الواقعة التي حصلت عندما كان والمغدورة وحدهما بانه ليس هو من امسك بالطنجرة وضربها بها، وهو الامر الذي ادى الى اصابتها في اماكن مختلفة من وجهها وصدرها ورقبتها وهي تحوي مياه ساخنة كانت المرحومة تسلق فيها حبات الفاصولياء، ما تسبب لها بجلوف وكدمات وحروق في اماكن عدة من جلدها ولاسيما على الصدر والرقبة، فانه من الثابت في كل الاحوال ان المتهم امتنع قصداً بعد ذلك عن تقديم المساعدة لها، لا بل على العكس فقد استمر في ضربها ضرباً مبرحاً بعنف موجهاً لها “البوكسات” على وجهها وممعناً في ركلها برجله في انحاء مختلفة من جسمها وخصوصاً في دعس رأسها بقدمه بقوة وعزم وهو يعلم انه صاحب بنية قوية وكما قال بنفسه ان يده ثقيلة. ومع ذلك كان يكيل لها “البوكسات” والركل بقدمه على رأسها ويقوم بإمساكها من شعرها ورميها على الارض متعاملاً معها بشراسة متناهية غير آبه بما قد يسببه هذا العنف والاعتداء الجسدي الفاضح غير المألوف تجاه انسان، من نتيجة، وهو ما اثبته تقرير الطبيب من اصابتها بمختلف انحاء جسمها بكسور وجروح وكدمات وجروح وخدوش وما آلت اليه حالها من نزيف داخلي في الدماغ دخلت اثرها في حالة “كوما” وعدم استقرار في التنفس رغم التنفس الاصطناعي وهبوط حاد في الضغط وقد ثبت للمحكمة انها عندما خرجت من منزلها في طريقها الى المستشفى في سيارة الاجرة، كانت فاقدة الوعي على ما اكده شاهد طلب المتهم سماعه .
ـ ان المتهم بعد امعانه في ضرب زوجته بالشراسة الموصوفة تركها في المنزل مع والدتها واقفل عليها الباب ممتنعاً ومانعاً قصداً النجدة عنها في حين غادر قرابة الساعة لاحتساء القهوة في المحلة وزيارة والده ووالدته او لايصال نقلة مياه كما قال احد الشهود. وعدم طلبه من سيارة الدفاع المدني التي كانت تحت منزله اي مساعدة لنجدتها، بل انه بنفسه قام بازاحة سيارة المياه خاصته التي تقفل الشارع للسماح لسيارة الاسعاف بالمرور وهو لم يبلغهم بشيء كما صرح بنفسه في التحقيق الاولي ما يظهر صراحة عدم رغبته بتقديم اي اسعاف لزوجته وتمنعه الواضح المقصود عن ذلك.
يخافون منه
من الواضح ان المغدورة امست بعد الاعتداء عليها من المتهم في حالة من عدم المقاومة لا تسمح لها بالدفاع عن نفسها كما ان والدة منال وشقيقتها وشقيقها لم يتمكنوا من الدفاع عنها اذ كانوا يخشون المتهم نظراً الى حالة الرعب التي كانوا عليها اثناء قيامه بضربها على مرأى منهم والتعرض لهم بالذات وكانوا يخشونه في الاصل، وهو ما تقاطع مع افادات بعض المستمَعين في التحقيق في شأن سلوك المتهم .
ـ ثبت للمحكمة ان عبير شقيقة المغدورة لما غادرت المنزل كانت تصرخ في الشارع طالبة النجدة من اهل المحلة، ومن الواضح عدم حصول تجاوب مع ندائها سوى من شاهد قصد فعلاً منزل المتهم وبقي خارجاً. وصرَح اولياً انه سمع ان المتهم يضرب زوجته ضرباً مبرحاً وكان الصراخ في المحلة ولم يفلح احد في الصعود الى منزله كونهم يخافون منه وسمع ان سيارة اسعاف حضرت ومنعها المتهم. وادلى ايضاً ان المتهم طلب منه عدم التدخل وقد رآه وهو “مطرطش بالدماء”.
ـ ان احداً من المحلة وشبان الحي لم يحاول الدخول الى منزل المتهم لنجدة المغدورة على ما يبدو خوفاً من التدخل على نحو ما ثبت في التحقيقات، بينما عرف الجميع بأنه يقوم بضرب زوجته ضرباً مبرحاً والصراخ كان يعلو في المحلة حتى شوهد بعد مغادرته منزله وتركه المغدورة ووالدتها في الداخل وكان وجهه ملطخاً بالدماء على ما جاء في استقصاءات مفرزة بيروت القضائية وفي افادة احد الشهود. كما حاول شاهد آخر معرفة ما يحصل فقال له المتهم “ما حدا بيدخل بيني وبين مرتي”.
واضاف انه بات ثابتاً للمحكمة بما لا يقبل الشك وبما يرتاح اليه ضميرها ووجدانها، في ضؤ المعطيات من ادلة وقرائن، ان المتهم اقدم قصداً على ضرب زوجته ضرباً مبرحاً بصورة وحشية شرسة لكماً ودعساً وبالبوكسات في مختلف انحاء جسمها وخصوصاً على الرأس ممتنعاً بنفسه ومانعاً نجدتها منذ البدء بعد ان سقطت عليها” طنجرة الضغط” وبعد ان امعن فيها ضرباً ولكماً ودعساً وجراً بشعرها ورمياً على الارض، فلم يقم بأي عمل للحؤول دون تفاقم وضعها بل كان حائلاً دون اي كان للتدخل بغية مساعدتها واسعافها ونقلها الى المستشفى. فهذه المعطيات تثبت للمحكمة جزماً بان المتهم اقدم على ارتكاب فعل الاعتداء على المغدورة على النحو الموصوف وقد توقع حصول وفاتها قابلاً بالمخاطرة واعياً للنتيجة الجرمية التي انتهت فعلا بازهاق روحها ، فيكون فعله منطبقاً على الجناية المنصوص عليها في المادة 549 في قانون العقوبات فقرتها الرابعة معطوفة على المادة 189 منه وتُعد جريمته مقصودة.
وردت المحكمة دفاع المتهم لجهة طلبه اعتبار فعله التسبب بالموت من غير قصد (550 عقوبات)، لثبوت انه قصد فعل الاعتداء الذي قام به وتوقع النتيجة الجرمية التي حصلت وهي الوفاة فقبل المخاطرة ما يقتضي رد دفاع المتهم لهذه الناحية.
لا اعذار مخففة
اما لجهة دفاع المتهم لجهة تطبيق العذر المخفف فاعتبرت المحكمة ان المشرع اتبع سياسة جنائية واضحة متدرجة في خصوص هذا النوع من الجرائم حتى وصل الى مرحلة الغاء الاعذار المخففة فيها حتى وليس المُحلة فحسب. ورأت انه اذا كان المتهم قد غضب لحظة معرفته بأن زوجته كانت على علاقة مع غيره وتخونه منذ اعوام ومواجهته بهذه الحقيقة اذ اقدم على التهجم عليها وضربها ضرباً مبرحاً، الا انه من الثابت في الوقائع وادلتها والقرائن كافة انه كان لديه الوقت الكافي لاسعافها بعد سقوط طنجرة الضغط عليها وامعانه في ضربها وجرجرتها ارضاً ليكمل اعتداءه. واخذت في الاعتبار “المجتمع الذي يعيش فيه المتهم والتقاليد الاجتماعية الراسخة المرتبطة بشرف الزوج وفي ضؤ ثبوت واقعة خيانة المغدورة لزوجها المتهم منذ اعوام ما قبل زواجه مرة ثانية بامرأة اخرى من دون ان يكون عالماً بالامر، فضلاً عن شخصية المتهم كما بدت للمحكمة من خلال الافادات كافة وسلوكه في المحلة حيث يعيش والاسقاط الحاصل للحق الشخصي واقوال بنتيه، فترى المحكمة بما لها من السلطة التقديرية في هذا المجال منحه اسباب التخفيف سنداً الى المادة 253 في قانون العقوبات”.