بعد الحكم في قضية اغتيال الرئيس الحريري: المحكمة الدولية مستمرة وتتحضر لملفات حماده وحاوي والمر

  

كتب فادي عيد في مجلة المسيرة العدد 1635 لهذا الأسبوع:

من المتوقّع أن تختم المحكمة الدولية الخاصة بلبنان خلال السنة المقبلة، المحاكمة في القضية الأساسية التي أنشئت من أجلها وتتمحور حول اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، على أن تتابع في فترات لاحقة تناول الجرائم والقضايا ذات الصلة، وعددها 12 قضية من بينها ثلاثة جرى ضمّها إلى القضية الأساسية، وهي جريمة اغتيال الأمين العام للحزب الشيوعي جورج حاوي، وجريمتا محاولة اغتيال الوزير مروان حمادة والوزير الأسبق الياس المر. وبالتالي، فإن القرار الإتهامي المرتقب لا يزال سريًا، وما من مؤشّرات على شموله القضايا الثلاث دفعة واحدة.

بحسب المتابعين، فإن مرحلة استكمال الدفاع عن المتهمين في جريمة اغتيال الرئيس الحريري، قد باتت قريبة، وستليها عملية المذاكرة لغرفة الدرجة الأولى قبل أن تصدر قرارها النهائي.

وعلى الرغم من المقاربات الكثيرة السياسية والإعلامية لأعمال هذه المحكمة خلال الأعوام الماضية، فإن الثابت أن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، تسير بخطى هادئة وأكيدة نحو تحقيق العدالة، وفقاً للمعايير الدولية التي من أجلها تأسّست.

المحامي وهيب عيّاش:

العدالة الجنائية عابرة للحدود

لإلقاء المزيد من الضوء على واقع المحاكمات الحاصلة اليوم، سألت «النجوى ـ المسيرة» المحامي الجنائي الدولي، وعضو اللجنة الدولية لتطوير وتحديث القوانين الجنائيةالدولية وهيب عيّاش، عن قول الرئيس ميشال عون خلال لقائه رئيسة المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، «إن العدالة المتأخّرة ليست بعدالة»، ومطالبتها بالإسراع في إصدار الأحكام، كما عن الوقت الذي ستستغرقه عملية إصدار هذه الأحكام، فأجاب: «الرئيس عون ليس أول من قال أن العدالة المتأخّرة ليست بعدالة، بل قالها قبله في العام 1948 الدكتور شارل مالك عندما وقّع لبنان على شرعة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، إذ قال: «على العدالة الجنائية الدولية أن تكون عابرة للحدود، وخارجة عن إدارة الدول، لأنه من دونها يفنى العالم، والعدالة المتأخّرة كاللاعدالة». وكان طلبه الإسراع في إصدار الأحكام، هو فقط من باب التمنّي لأن العدالة الدولية تسير ببطء كي لا تتعثّر عملاً بالمبدأ القانوني العام الذي ورد في إصحاح بولس الرسول: «من الأفضل أن يبرأ مئة آثم من أن يؤثم بريء»، كما نشهد في كافة المحاكم الدولية من طوكيو وكمبوديا وراوندا ويوغوسلافيا ونيجيريا… ما زالت قائمة منذ أربعة عقود.

مشروع موازنة العام 2017 لم يلحظ البند المتعلّق بتمويل المحكمة الدولية، لماذا، وكيف ستجري عملية التمويل هذه؟

ليس على مشروع الموازنة بند يلحظ تمويل المحكمة الدولية، فكيف سيتم تمويلها؟ قرار مجلس الأمن في العام 2007 رقم 1757 أنشأ المحكمة الخاصة بلبنان، وطبّق البروتوكول التنظيمي المتعلّق بها، والذي يوجب على لبنان تسديد 49 في المئة من الموازنة السنوية للمحكمة، وهذا موجب إلزامي ودوري لا جدل فيه ولا نقاش، ولا يحق للدولة اللبنانية بكامل سلطتها وقف ذلك، وإلا يعتبر لبنان دولة مارقة تعرّض نفسها للعقوبات.

كيف توصّف أداء المحكمة المقبل، لا سيما في ظل تسلّم محامي الدفاع عن طرف متهم بشكل أساسي في المحكمة وزراة العدل؟ وما هي تأثيرات ذلك على المحكمة؟

أداء المحكمة السابق والمقبل لا يتأثّر بأي شخص يتسلّم مهاماً حكومية، والمغالطة في هذا السؤال هو أن وزير العدل مسجّل على لائحة المحامين المعتمدين في المحكمة وليس محامياً للدفاع عن أي من المتّهمين الجارية محاكمتهم حالياً.

يجري الحديث عن  متهمين قُتلوا في معارك سوريا، فكيف ستتعاطى المحكمة الدولية مع هذا الأمر؟ وهل من «قطبة مخفية» تتحدّث عن مقتلهم لعدم محاكمتهم فقط؟ وكيف سيتم التثبّت من مقتل المتّهمين؟

يجري الحديث عن متّهمين قتلوا في معارك سورية، والمحكمة لا تأخذ هذا في الإعتبار لأنها تعمل وفق أدلّة حسية مقدّمة أمامها ثابتة دون أي شك معقول، وبالتأكيد لا «قطب مخفية» أمام المحكمة.

ماذا عن ضم بعض الجرائم الأخرى كمحاولة اغتيال مروان حمادة والياس المر واغتيال جورج حاوي؟

لقد أحال مدّعي عام المحكمة رئيس لجنة التحقيق نورمان فاريل، إلى قاضي الأمور التمهيدية دانييل فرانسين بواسطة رئاسة المحكمة مضبطة الإتهام بالجرائم الثلاث ذات الصلة وهي اغتيال جورج حاوي ومحاولتي اغتيال الياس المر ومروان حمادة لدراستها وإحالتها إلى محكمة الإستئناف بهيئتها العامة، وهذه الخطوة تشير إلى جدّية أعمال المحكمة وتناولها كافة القضايا، معتمدة كافة الأصول القانونية المعتمدة، مع احترام كامل لجهة الإدعاء ولجهة الدفاع ولجهة الفرقاء المتضرّرين. ونحن على يقين بأن الأحكام ستصدر بإستقلالية تامة ومهنية عالية، وستكون مثالاً لكافة المحاكم الدولية الآنية واللاحقة.

هل ستؤثّر التشكيلات القضائية الأخيرة على أعمال المحكمة، خصوصاً بعد إزاحة قضاة ارتبطت أسماؤهم بعمل المحكمة؟

طبعاً لا، لأن المحكمة لا تنظر في أي عمل سياسي يدور خارج قاعاتها وملفاتها الموثّقة.

المحامي محمد مطر: لا خوف
على تمويل المحكمة

المحامي الدولي في القانون الجزائي، وممثّل الضحايا الذين سقطوا في جريمة اغتيال الرئيس الحريري، محمد مطر، ردًا على سؤال حول تأخر إصدار الأحكام قال: «العدالة المتأخرة ليست عدالة» هي ترجمة للمبدأ القانوني الراسخ «Justice Delayed Justice Denied». والترجمة الأصحّ برأيي «العدالة المستأخرة عدالة محجوبة»، أي أن الإجراءات القضائية يجب أن تأخذ مداها وفق الأصول القانونية الصحيحة «Due Process» ومن دون إبطاء أو تعجيل وفقاً للأصول المستقرة، وخلافاً للتفسير السطحي والشائع بأن أي محاكمة إذا اقتضت وقائعها المادية والقانونية زمناً قد يطول تكون عدالة محجوبة حكماً. أغلب الظنّ أن الحكم البدائي سوف يصدر قبل منتصف العام 2018، باعتبار أن مرافعات فريق الدفاع عن المتهمين لن تستغرق أكثر من بضعة أشهراً».

مطر أشار إلى أن «المحكمة الخاصة بلبنان محكمة مقرّة بموجب قرار دولي صادر عن مجلس الامن، وينص هذا القرار على أن يدفع لبنان 49 في المئة من كلفة المحاكمة، أما الرصيد الباقي فتدفعه الأمم المتحدة من خلال تبرّعات من دول، لأن المحكمة الخاصة بلبنان لا تقتصر مفاعيلها على لبنان، بل تتجاوزه تحقيقاً للسلم والإستقرار الدولي. فجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه، هي جريمة إرهابية تتجاوز بمفاعيلها هؤلاء، وتهدّد الأمن والسلم الدوليين، ما اقتضى تدخّل مجلس الأمن الدولي أصلاً. وبالتالي، ووفق ما تقدّم، لا خوف على تمويل المحكمة، لأنه في أسوأ الأحوال تقوم الأمم المتحدة بتسديد حصة لبنان إذا ما تعذّر السداد، ويبقى على لبنان تسديد المبلغ لاحقاً لأن قرار لبنان بإنشاء المحكمة مع الأمم المتحدة التزام سيادي دولي يسمو على القانون الداخلي.

وأكد المحامي مطر أن «لا تأثير بتاتاً على تسلّم الوزير سليم جريصاتي حقيبة وزارة العدل، فـ«الوزير عضو في حكومة، وعليه تطبيق سياسة الحكومة لهذه الجهة ولغيرها». وأشار إلى أن «وزير العدل محامٍ وأستاذ جامعي يعرف الأصول تماماً، وأنا أكيد أنه لن يحيد عنها، فهو زميل وصديق وأعرفه جيداً». ولفت إلى أن «الجرائم الأخرى التي تعتبر متلازمة، جاءت في سياق اختصاص المحكمة الخاصة بلبنان، أي الإختصاص القضائي والإختصاص الزمني، وهو أمر طبيعي ولا يحتاج إلى نقاش».

وعن التشكيلات القضائية الأخيرة، وتأثيراتها على سير عمل المحكمة الدولية، أكد المحامي مطر، أن «لا علاقة لها بسير المحكمة الخاصة بلبنان، لأن نظام المحكمة تمّت مناقشته ووضعه بعد استشارة بعض كبار قضاة الجمهورية، وهذا أصبح من الماضي ولا رجوع عنه بعد إقرار نظام المحكمة وأصول المحاكمات أمامها وقطع المحكمة الخاصة بلبنان شوطاً طويلاً في إجراءاتها».

نبيل حاوي: خيط رفيع يربط
بين جميع الإغتيالات

أما السيد نبيل حاوي وهو شقيق الشهيد جورج حاوي، فاعتبر أنه «من النادر أن تنهي محكمة دولية أعمالها وتصدر أحكامها في فترة قصيرة من الزمن. فالمحكمة المختصة بجرائم الحرب في يوغوسلافيا السابقة أنشئت في لاهاي منذ العام 1993، لكن المتهم الرئيسي سلوبودان ميلوسوفيتش توفي وهو في سجنه عام 2006 قبل صدور الحكم بحقه، إذ لم يصدر هذا الحكم إلا في العام 2007».

وعن ضمّ جريمة اغتيال شقيقه الشهيد حاوي إلى المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، أكد أن «صدور قرار المحكمة الدولية بضم ثلاث قضايا إلى قضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، هو أمر مشرّف. ونحن لدينا ثقة بأن الحق سيأخذ مجراه، لا سيما بعد ضم ملف الشهيد حاوي، وننتظر بفارغ الصبر بدء المحاكمة في هذه القضية بالذات. وحتى قبل بدء المحاكمة في جريمة اغتيال الرئيس الحريري، جاء في بيان للمحقّق الدولي، أنه يبدو أن هناك خيطاً رفيعاً يربط بين جميع الإغتيالات ومحاولات الإغتيال (التي طالت رموزاً وطنية)، سواء التي سبقت اغتيال الرئيس الحريري بأسابيع أو أشهر معدودة، أو التي أعقبته».

عن تأثير الأحكام المحتملة على «حزب الله»، أكد حاوي، أنه «من السابق لأوانه الحديث عن هذا الجانب، لا سيما في ظل الضغوط الحاصلة والمواقف المسبقة من أعمال المحكمة بشكل عام. لكن من البدهي القول إنها محكمة دولية وليست محلية، وهناك عشرات الدول الموقّعة على القرارات والتوصيات المتعلقة بنشأة ونشاط هذه المحاكم، لذا لا مجال لتجاهل أحكامها… مع أن محاولات جرت في السابق بهذا الصدد».

وأضاف حاوي: «هناك رئيس جمهورية حريص على المصلحة العامة، وهناك مجلس وزراء برئاسة الرئيس سعد الحريري، نجل الرئيس الشهيد… وهناك قناعة لدى أوساط واسعة من الشعب اللبناني بأن العدالة لا بد أن تأخذ مجراها مهما حاول البعض افتعال معوقات وإرباكات».

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل