إذا تقسّمت سوريا لن يبقى لبنان… شربل لـ”المسيرة”: الاستقالة ضربة للعهد

كتب فادي عيد في “المسيرة” – العدد 1636

وجد وزير الداخلية الأسبق مروان شربل، أن لبنان بات بخطر بعد استقالة رئيس الحكومة سعد الحريري، وتمنى أن يبقى الأمر محصوراً بالإستقالة، وأن لا يكون الهدف أخطر من ذلك في المرحلة المقبلة. وأعلن أن التسوية السياسية في لبنان لم تسقط، مع أن الإستقالة هي “ضربة” للعهد، لأن إحدى أهم مرتكزاته هي التفاهم بين رئيسي الجمهورية والحكومة. وأكد أن البلد يحظى بحماية أمنية من الداخل والخارج، وأن إسرائيل تراهن على فتنة سنّية ـ شيعية. وتوقّع أن لا تتمكن حكومة تصريف الأعمال من إجراء الإنتخابات النيابية إذا بقي الرئيس الحريري خارج لبنان. “النجوى ـ المسيرة” التقت الوزير شربل، وكان الحوار الآتي:

ماذا تبادر إلى ذهنك وأنت تستمع إلى الرئيس سعد الحريري يقدّم استقالته؟

فوجئت مرتين بكلام الرئيس الحريري، المرة الأولى عندما أعلن أنه يرفض أن تستقيل الحكومة يوم الجمعة الماضي، وذلك بعد اجتماع اللجنة الوزارية المخصّصة لدرس قانون الإنتخاب، وعلى مأدبة غداء أقامها خصيصاً لحلّ الإشكال بين الوزيرين جبران باسيل ونهاد المشنوق. وقد قال لي أحد الوزراء أن الرئيس الحريري قال للحاضرين أنه سيذهب إلى السعودية بسبب ارتباطه بموعد مع الملك السعودي. والمرة الثانية، عندما أعلن استقالة حكومته من الرياض وخارج الأراضي اللبنانية. يكفينا أننا وضعنا دستورنا خارج لبنان، فهل نقدّم الإستقالة خارج لبنان أيضاً؟ هل زال لبنان عن الخارطة؟ وإذا حصل هذا الأمر، فليلحق كل مسؤول بطائفته خارج لبنان. إن هذا الواقع يدفعنا إلى التباعد وشرذمة اللبنانيين، ويسيء إلى صورة لبنان.

عندما سمعت كلام الرئيس الحريري، لم أستطع أن أصدّق، وشعرت بالصدمة، لأنني وجدت أن البلد بات بخطر. وعلى الفور طرحت أكثر من سؤال حول ما بعد هذه الإستقالة، وما ينتظر لبنان في المرحلة المقبلة، وهو أخطر بكثير من استقالة الحكومة. أتمنى أن يبقى الأمر محصوراً بالإستقالة، وأن لا يكون الهدف أبعد من ذلك، وصولاً إلى إحداث فراغ في مؤسّسات الدولة تمهيداً لخلق تشنّجات تنتهي بفتنة على الأرض اللبنانية.

هل لديك مخاوف مما يحاك للبنان؟

نعم، لأن الإستقالة بحدّ ذاتها تحصل، وقد حصلت في العام 2011 عندما تقدّم 11 وزيراً باستقالتهم من الرابية، ولم نتفاجأ في حينه. ولكن المفاجأة اليوم هي أن الرئيس الحريري استقال من السعودية، وبعد ساعات قليلة على إعلانه عن صمود الحكومة وتضامن الوزراء، حتى أنه صرّح “إننا متّفقون مع “حزب الله”على تحييد لبنان عن الصراعات الإقليمية” قبل يومين من الإستقالة.

هل تعتبر أن التسوية الأخيرة سقطت؟

لم يسقط شيء حتى عودة الرئيس الحريري وبلورة الصورة بشكل واضح للجميع.

هل سيبقى لبنان قائماً على التسويات؟

المسؤولية تقع على اللبنانيين في الدرجة الأولى، لأنه منذ الإستقلال عشنا على من يحكمنا، الفرنسيون ثم المصريون ثم الفلسطينيون، ثم السوريون، واليوم ما زلنا ضائعين. عندما خرج السوريون في العام 2005، قلت في نفسي “الله يساعدنا كيف سنؤلف حكومة في المرحلة المقبلة”. كان السوريون يحدّدون خطواتنا، وقد كتبت صحيفة “روز اليوسف” المصرية نقلاً عن القيادة السورية، أنه سيتم التمديد للرئيس الراحل الياس الهراوي.

كيف ترى تأثيرات هذه الإستقالة على العهد الذي يحتفل بمرور العام الأول؟

إنها “ضربة” للعهد، لأن إحدى أهم مرتكزاته هي التفاهم بين رئيسي الجمهورية والحكومة، والذي حقّق إنجازات كثيرة في العام الأول من العهد. لم نشعر بالإنجازات بسبب كثرة الأزمات، ولكن حصلت وكانت كثيرة.

هل نحن أمام خربطة أمنية تهدّد البلد؟

أبداً، ومن غير الممكن حصول توتّر أمني، لأن الوضع اللبناني مستقرّ، ويحظى بحماية من الداخل والخارج.

يُحكى عن حرب إسرائيلية قد تُشنّ على “حزب الله”؟

يُحكى عن “ضربة” إسرائيلية، ولكن إسرائيل لن تقدم على ضرب لبنان، لأنها لا تتجرّأ على القيام بذلك. وبالنسبة لـ”حزب الله”، فهو لن يبادر إلى توجيه ضربة لإسرائيل. فإسرائيل تشعر بالفرح لأن الرئيس الحريري استقال، وهي تلعب لعبة مزدوجة هنا، لأنها تراهن على اندلاع صراع سنّي ـ شيعي في لبنان.

ولكن الحريري قال خلال إعلانه استقالته أنه فوّت على البلد حرباً قد تخاض عليه؟

هذا مجرّد كلام وتبرير للإستقالة، مع العلم أنه عندما تحصل الفوضى في لبنان، سيكون من السهل لإسرائيل أن تعتدي عليه خلافاً للواقع عندما يكون لبنان متماسكاً.

إلى متى سيتريّث الرئيس ميشال عون بالنسبة لاستقالة الحريري؟

قبل أسبوع لن يحصل أي تطوّر. يختلف الوضع اليوم عن العام 2011 عند تكليف الرئيس نجيب ميقاتي، لأن الرئيس الحريري هو الذي بادر إلى الإستقالة وليس الوزراء. وقد تفاجأ المقرّبون من الحريري بالإستقالة، وحتى نادر الحريري والرئيس فؤاد السنيورة. ولن يؤدي هذا الموضوع إلى ردّة فعل سنّية في الشارع كما حصل في العام 2011. وبما أن الرئيس الحريري حافظ على خطاب هادئ طيلة الفترة الماضية، وقد قال السيد حسن نصرالله، أن الكلام الذي رافق الإستقالة ليس من أدبيات الحريري، وهو كلام سعودي. وأنا كلبناني، عندما أسمع كلامه يوم الجمعة، ثم كلامه يوم السبت، أشعر بالحيرة والشك، إذ بعد مرور عام على خطاب يدعو إلى الإستقرار والهدوء وحماية البلد والحوار، يأتي فجأة خطاب تصعيدي. لقد سُجّلت خلافات وتباينات داخل الحكومة خلال معركة “فجر الجرود”، وقد غطّى الرئيس الحريري ما حصل، ولم تسجّل أية ردود فعل ميدانية. ولكن كل ما أعلنه في خطاب الإستقالة أتى في سياق قاسٍ وتصعيدي وغريب عن شخصية الحريري.

ولكنه تحدّث عن أجواء مشابهة لمرحلة ما قبل اغتيال والده؟

الرئيس الحريري وحده يعرف الحقيقة، مع أنه كان يخرج ويتنقّل دائماً على رغم ما يدّعيه من تعرّضه للخطر. إن الكلام عن خطر يتهدّده هو فقط للتغطية على بقائه في السعودية.

إذاً أنت تعتبر الملف سعودي داخلي؟

نعم الملف سعودي.

هناك من يعتبر أن كلام السيد نصرالله الهادئ حاول إلغاء وجود خلاف بين اللبنانيين وانقسام على سلاحه؟

سلاح “حزب الله” هو عنوان مطروح منذ العام 2000 وليس من اليوم. ولا يستطيع أي طرف لبناني، وحتى “حزب الله” نفسه، أن يعالجه. إنه موضوع إقليمي ودولي وزادت تعقيداته بعد الحرب في سوريا والعراق. كنا نطرح الإستراتيجية الدفاعية، ولكن هذا العنوان لم يعد مفيداً اليوم.

هل نحن أمام تسوية جديدة؟

لا نعيش في مجال تسوية، بل في مجال تهدئة أمنية للحفاظ على الإستقرار الأمني والإقتصادي، وذلك حتى نهاية الحرب في سوريا وترتيب التسوية، لأن لبنان سيتأثّر بالحلّ في سوريا، وإذا تقسّمت سوريا لن يبقى لبنان. نحن نعيش مرحلة هدوء وانتظار.

رئيس الجمهورية اتصل بالرئيس المصري وبالملك الأردني، في حين أن هناك من يقول أن عليه أن يتّصل بمن يؤثّر على “حزب الله” وليس على الحريري؟

إن الرئيس عون يتحرّك لمعرفة أسباب استقالة الرئيس الحريري وموعد عودته إلى لبنان. فالرئيس هو المسؤول الآن الذي سيعالج موضوع الإستقالة، وقد أرجأ كل الخطوات حتى تتّضح الصورة.

هل طمأنك كلام السيد نصرالله، لا سيما وأنه كان أيضاً طمأن اللبنانيين في العام 2006 قبل اندلاع الحرب؟

وقال السيد نصرالله في حينه لو كان يعرف أن إسرائيل ستعتدي على لبنان، لما كان الحزب نفذّ عملية الإختطاف، مع العلم أنه قبل 5 أشهر قام بعملية مماثلة، ولم تقم إسرائيل بأي ردّ فعل. برأيي أن المشكلة اليوم ليست “حزب الله”، بل مصير لبنان في الترتيبات التي تحصل في الشرق الأوسط الجديد. فلبنان يعيش مرحلة المساكنة بين مكوّناته حتى ظهور صورة التسوية والحلول في المنطقة. إن تجربة التقسيم فشلت في كردستان، وبقي العراق موحّداً، وربما سيتم تعديل الدستور العراقي لإعطاء الأكراد بعض الإستقلالية. وقد ينسحب هذا الأمر على سوريا في المرحلة المقبلة، أي أن التقسيم لن يحصل.

كيف تقرأ تردّدات الإستقالة على الإنتخابات النيابية المقبلة؟

الإنتخابات النيابية مرتبطة بطرفين هما وزارة الداخلية والحكومة، لأن 4 مراسيم يجب أن تصدر عن الحكومة كي تتمكّن وزارة الداخلية من إجراء الإنتخابات. والمرسوم الأول هو دعوة الهيئات الناخبة، وهو مرسوم جوّال يوقّعه رئيسا الجمهورية والحكومة ووزير الداخلية. والمرسوم الثاني، وقد صدر، وهو تأليف هيئة الإشراف على الإنتخابات. ولكن يبقى صدور مرسومين: الأول يقضي بتحديد الإعتماد المالي. والثاني هو مرسوم تعيين لجان القيد التي تتألّف من القضاة.

لا تستطيع وزارة الداخلية إجراء الإنتخابات النيابية في غياب هذه المراسيم. وإذا بقي رئيس الحكومة خارج لبنان، وجرى تكليف رئيس حكومة جديد ولم يتمكّن من تأليف الحكومة، ووصلنا إلى موعد الإنتخابات، فلن نتمكّن من إجراء الإنتخابات. لذلك، أقول أنه قد يكون اتفاق ضمني، وقد تحدّثت عنه منذ 5 أشهر، أي تحصل الإنتخابات في أيار 2018، ويبقى المجلس حتى أيار 2022، ويقوم بانتخاب رئيس الجمهورية، ولكن بعد التمديد له لفترة 6 أشهر.

بعد تقديم الإستقالة، أصبحت الإنتخابات النيابية في مهبّ الريح، وكذلك بالنسبة لملف النفط. فهل يريدوننا أن نبقى بلداً محتاجاً للآخرين وللدول النفطية؟

الرئيس نبيه بري يقول أنه من حيث الشكل بإمكان حكومة تصريف الأعمال إجراء الإنتخابات النيابية؟

تستطيع حكومة تصريف الأعمال إجراء الإنتخابات، ولكن عليها أن تجتمع لإصدار مرسومين، وذلك برئاسة الحريري، وفي ظل غياب رئيسها، لا تستطيع الحكومة أن تجتمع.

إلى متى برأيك سيطول انتظار الحريري؟

حتى ولو تم تكليف رئيس حكومة جديد وعجز عن التأليف ماذا سيحصل؟ إذا بقي الحريري في الخارج، لن يكون بوسع المسؤولين القيام بأي شيء على صعيد الإستحقاق الإنتخابي.

ما هو “الآتي الأعظم” الذي تحدّث عنه الوزير ثامر السبهان؟

لقد قال أن السعودية ترفض وجود “حزب الله” في الحكومة.

هل ترى أنها قادرة على منع الحزب من المشاركة في الحكومة؟

هي لا تقدر على الحزب، ولكنها تقدر على الشارع السنّي، إذ قد يجتمع القادة في دار الإفتاء للإتفاق على شخصية معيّنة، وربما تبلغهم السعودية معارضتها لهذا الأمر.

هل نحن أمام مواجهة داخلية؟

هذا ما أخشاه، وهو أن تحصل المواجهة، وأن يتحرّك الشارع وتندلع حرب سنّية ـ شيعية، كما في العام 1975 ويتدخّل جيش آخر لتهدئة الوضع. لذلك، فإن “حزب الله” لا يريد الوصول إلى هذه الأجواء المتوتّرة، وإلى هذه المرحلة الخطرة.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل