افتتاحية صحيفة النهار
عودة الحريري : العد العكسي للفصل الثاني
مع ان أي معلومات جدية عن تحركات رئيس الوزراء سعد الحريري لا يمكن الركون اليها نظراً الى تعذر التثبت منها في ظل الواقع الناشئ منذ اعلانه استقالته السبت الماضي 4 تشرين الثاني الجاري، طغت توقعات لاحتمال عودته الى بيروت من الرياض في الساعات المقبلة، الامر الذي تترقبه باهتمام شديد المراجع الرسمية والقوى السياسية. وبدا مستغرباً ليلاً ان تتسابق مواقع اخبارية على خبر توجه طائرة الرئيس الحريري من لندن الى الرياض ومن الرياض الى بيروت في حين نفى النائب عقاب صقر لـ”النهار” هذه الاخبار وجزم بان الحريري ليس عائدا اليوم الى بيروت.
ووسط هذه البلبلة ظل المشهد الداخلي أمس، في اليوم الخامس للاستقالة، تحت وطأة الازمة المفتوحة على مزيد من الغموض والانتظار الثقيل ولو بدت حركة المشاورات الكثيفة التي تملأ المسرح السياسي اشبه بملء فراغ الجمود والانتظار، اذ ان قراراً واضحاً يحكم هذه الفترة ويتمثل بالامتناع عن أي خطوة أو اجراء قبل عودة الرئيس الحريري الى لبنان ولو لفترة سريعة كما تردد امس بما يكفل فتح الفصل الثاني من الاستقالة وما يتبعها.
وعلمت “النهار” ان رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ركز أمام الذين استقبلهم أمس في اطار المشاورات الواسعة التي يجريها في قصر بعبدا على ضرورة معرفة الواقع الحقيقي الذي يعيشه الرئيس الحريري. وقال في هذا الصدد إن الحريري هو رئيس وزراء لبنان وهو يتمتع بحصانة مزدوجة من موقعه كرئيس للوزراء وكنائب بموجب الاتفاقات الدولية. كما طمأن الرئيس عون من جهة اخرى الى ان الوضع الامني ممسوك والوضع المالي طبيعي وما حصل لم يؤثر بدليل ان وفد البنك الدولي الذي زاره أمس ابلغه استمرار تسييل المحفظة المخصصة للبنان وفيها نحو 200 مليون دولار لمشاريع اساسية.
في غضون ذلك، أفاد المكتب الاعلامي للرئيس الحريري أمس أن الأخير تلقى اتصالاً هاتفياً من الرئيس الفلسطيني محمود عباس “تم خلاله بحث التطورات اللبنانية والفلسطينية وآخر المستجدات في المنطقة”.
وفي اطار تثبيت الموقف الرسمي المتريث من التعامل مع استقالة الرئيس الحريري في انتظار عودته الى بيروت، لوحظ ان رئيس مجلس النواب نبيه بري كرر أمس موقفاً مماثلاً لموقف الرئيس عون اذ رأى ان الحكومة ما زالت قائمة وان اعلان الرئيس الحريري استقالته بهذا الشكل لن يغير كامل اوصافها. وتحدثت مصادر نيابية الى “النهار” عن مقاربات أولية بدأ تداولها لسيناريوات المرحلة التي ستلي تثبيت استقالة الرئيس الحريري اذا عاد الى بيروت مصرا عليها كما يغلب الاعتقاد. ولعل اللافت في هذا السياق انه فهم أمس ان بري يرفض مبدأ حكومة التكنوقراط ويبرز ضرورة تشكيل حكومة سياسية لمعالجة الازمة السياسية والعبور الى الانتخابات النيابية.
وقالت أوساط في قوى 14 آذار لـ”النهار” انه على رغم الارتياح الى المناخ السياسي العام في التريث حيال اي خطوة قبل عودة الرئيس الحريري الى لبنان، فان ذلك لا يحجب الاستغراب الذي يثيره تباكي معظم افرقاء 8 آذار الان على الرئيس الحريري وحكومته وسط تجاهلاً تاماً الظروف الداخلية والاقليمية التي ساهموا مع حلفائهم الاقليميين ولا سيما منهم ايران في التسبب باستقالة الحريري. وتساءلت اين كانت غيرة حلفاء ايران على الحريري في معظم المحطات والتحديات التي كانت تقتضي حماية التسوية السياسية بالتخلي عن انماط تحدي سيادة البلاد وانتهاكها بفعل أمر واقع قهري ؟ ثم ماذا يعني الان بدء اطلاق بالونات التهويل الضمني بان اي لجوء الى حكومة تكنوقراط أو حكومة حيادية لن يكون مقبولاً لانها تنطوي على استجابة للموقف الذي اتخذه الحريري في بيان استقالته من تورط “حزب الله ” في زج لبنان في الصراعات الاقليمية؟ وتبعاً لهذه الاجواء تقول الاوساط نفسها إن المناخات الراهنة لا تبدو ارضية صالحة للحكم على المرحلة الآتي، ولكن معظم القوى يتجنب الان الخوض في الاحتمالات التي سيرتبها تمسك الرئيس الحريري بموقفه واستقالته وترك الامر لرئيس الجمهورية لاستنفاذ مشاوراته قبل ان يبنى على الشيء مقتضاه.
الراعي
وفي سياق متصل بالازمة الناشئة وتداعياتها، علمت “النهار” أمس ان البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي يزمع المضي في استعداداته لتلبية الدعوة الى زيارة المملكة العربية السعودية واتفق على موعد الزيارة الاربعاء المقبل. وكانت برزت محاولات لاقناع البطريرك بتأجيل الزيارة في ظل ازمة استقالة الرئيس الحريري. وشهدت بكركي حركة كثيفة تركزت على الزيارة البطريركية للرياض، فيما علم ان البطريرك سيزور اليوم قصر بعبدا للتشاور مع الرئيس عون في مجمل التطورات وفي زيارته للمملكة السعودية، كما يرجح ان يزور دار الفتوى للقاء مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان.
وكان رئيس الرابطة المارونية انطوان قليموس أوضح بعد لقاء وفد الرابطة البطريرك في بكركي ان “أحداً لا يملي على البطريرك موقفه في ما خص الزيارة وتمنينا عليه نوعا من التنسيق مع رئيس الجمهورية في هذا الموضوع والقرار يعود اليه “. كما التقى البطريرك السفيرة الاميركية اليزابيت ريتشارد وعلم انه تناول معها مجمل الوضع الناشئ وموقف واشنطن منه الى زيارة الراعي للرياض.
جعجع
وفي اطلالة أولى له بعد استقالة الرئيس الحريري اعلن رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع تأييده ودعمه للحريري في هذه الخطوة “التي اوقفت التدهور نحو الهاوية”. وقال في حديث الى برنامج “بموضوعية” من محطة “ام تي في”: “نحن في أزمة كبيرة جداً ولكن كما انتصرنا أو خرجنا من أزمات سابقة سنخرج منها”. واعتبر ان استقالة الحريري “لم تكن مفاجئة في الجوهر وانما في التوقيت وهي ليست حصيلة اليوم وانما منذ زمن طويل وهي نتيجة تراكم طويل عريض”. وبعدما شدد على ان الاستقالة نهائية، أضاف: “انا متأكد ان الحريري سيعود عن الاستقالة اليوم قبل الغد اذا تراجع “حزب الله” عن سلوكياته واعلن الانسحاب من كل ازمات المنطقة التي يشارك فيها”. ورأى ان الاستقالة لم تسقط التسوية الرئاسية، نافياً وجود أي مؤشرات لديه لاي ضربة عسكرية لـ”حزب الله”. وخلص الى “ان مشكلة الحزب هي مشكلتنا كلبنانيين لاننا لا نستطيع الاستمرار في دولتين”.
****************************************
افتتاحية صحيفة الأخبار
السعودية تطالب آل الحريري: بايعوا بهاء!
ابراهيم الامين
اشارة أساسية التقطها السعوديون من لبنان امس. وهي ان الاستجابة لمضمون بيان استقالة الرئيس سعد الحريري غير قائمة، لا على مستوى تيار «المستقبل» نفسه، ولا على مستوى الشارع السني. بل على العكس، تلقوا اشارات مقلقة الى احتمال ارتفاع منسوب التساؤل لدى أنصار الحريري، كما بقية اللبنانيين، عن السبب الذي يحول دون السماح له بالعودة الى بيروت، وقول ما يريد قوله، حتى ولو كان متبنياً لما ورد في بيان الاستقالة.
لكن أبرز التطورات التي جرت ليل امس، الجلبة التي حلت على بيت الوسط، اثر تواتر معلومات تبيّن أن مصدرها سيدة قريبة جداً من اللواء أشرف ريفي (تسكن في نفس المبنى الذي يقطنه في الأشرفية)، تضمنت تلقي شخصيات لبنانية، من بينها ريفي، معلومة مصدرها السعودية تقول ان ولي العهد محمد بن سلمان قرر استدعاء بهاء الحريري الى الرياض، وابلاغه قرار المملكة مبايعته زعيما لتيار «المستقبل».
وعلمت «الاخبار» انه تبيّن، في وقت لاحق، ان السفير السعودي المعيّن حديثاً في بيروت، وليد اليعقوبي، أجرى اتصالات بأفراد من العائلة الكبرى للرئيس رفيق الحريري، شملت زوجته السيدة نازك، والنائبة بهية الحريري وولدها احمد، وأبلغتهم رسالة عاجلة مفادها أن القرار اتخذ بتولية بهاء الزعامة، وان عليهم الحضور الى السعودية لمبايعته، الى جانب سعد الذي وافق على الامر مقابل اطلاق سراحه، على ان ينتقل للعيش في اوروبا ويعتزل العمل السياسي. علماً ان المصادر توقفت عند استثناء نادر الحريري من الدعوة، مشيرة الى تزايد الانتقادات السعودية له.
وتشير المعلومات الى ان «الأمر السامي» تضمن ان يحضر الحريري الى بيروت، ويتوجه الى القصر الجمهوري لإعلان الاستقالة رسميا وتبني مضمون البيان الذي تلاه في الرياض، ومن ثم المغادرة، بعد إعلان «بيعته» لشقيقه الأكبر.
وبحسب المعلومات، فان افراد آل الحريري الموجودين في بيروت قرروا، بعد التشاور في ما بينهم، التريث في الاجابة، واطلاق أوسع حملة اتصالات تشمل مصر والاردن والمغرب والسلطة الفلسطينية والرئاسة الفرنسية وشخصيات أميركية بهدف الضغط على الرياض لاطلاق سراح الحريري، والتحذير من خطورة المشروع الذي يسير فيه ولي العهد السعودي. وفيما ابلغت نازك الحريري متصلين بها «ان الوقت ليس للكلام وان شاء الله خيراً»، أقفل بهاء الحريري الموجود في الرياض هاتفه، بعدما كان اجاب على متصل به من بيروت بأنه «لا يعرف ما الذي يجري وغير معني بأي نقاش الآن».
جرى ذلك، فيما كان فريق اعلامي يعمل مع الوزير السعودي ثامر السبهان، يوزع امس معلومات مفادها ان الحريري في وضع جيد، وانه سيعود الى بيروت قريباً، مع التأكيد على خطة سياسية جديدة سيقودها فريق 14 آذار، وأن البطريرك الماروني بشارة الراعي سيكون له دور مركزي لمحاصرة اي محاولة من جانب الرئيس ميشال عون لابقاء الامور على ما كانت عليه. الامر الذي اثار استياء قيادات لبنانية بارزة، من بينها النائب وليد جنبلاط. إذ ترحّم الأخير على النائب سمير فرنجية في معرض نقد غير مباشر للنائب السابق فارس سعيد الذي يتولى التنسيق بين الرياض وبكركي، قبل ان يعود جنبلاط ليلا ليعلن ان حكومة الوفاق الوطني القائمة حاليا هي الافضل للبنان.
أما في ما يتعلق بوضع الحريري في السعودية، فان تعديلات طرأت على ظروف اقامته بعد السماح له بمغادرة مجمع «ريتز كارلتون» والعودة الى منزله، إذ خفّفت الاجراءات الامنية حول المنزل، وسُمح له باستقبال افراد من عائلة زوجته. وتردد أن عائلة العظم (اهل زوجته) سيدعون الى عشاء عائلي في حضوره، على ان توزّع صور من اللقاء في سابقة لم يعتد عليها آل العظم اصلا.
آل الصلح وآل الحريري يتبلغون فشل وساطة الملك المغربي
ووساطات أردنية ومصرية وفرنسية
مع ذلك، فان من بقي مع الحريري من مرافقين امنيين ومدنيين ظلوا، حتى امس، يخضعون للشروط السابقة نفسها. وتبين ان الحريري لم يتحدث هاتفياً منذ السبت الماضي الا مرات قليلة. أولها مع الرئيس ميشال عون عند ابلاغه قرار الاستقالة، وقد أبلغ عون مقربين ان «الحريري كان يتحدث بصوت مخنوق وكانت المكالمة سريعة للغاية»، علما ان الاتصال جرى في حضور السبهان. اما الاتصال الثاني فكان مع عمته بهية الحريري التي ابلغها انه بخير متمنياً عليها عدم التطرق الى مواضيع سياسية. ثم تحدث مع مدير مكتبه نادر وأبلغه بأن لا ضرورة لمجيئه الى الرياض. اما بقية التواصل فقد ظل محصوراً بالمراسلات المكتوبة عبر تطبيقات هاتفية. مع العلم ان الحريري نفسه طلب من الموجودين معه عدم محاولة خرق أوامر الامن السعودي.
هذه الوقائع، أكدها مرافق الحريري محمد دياب لمسؤولين بارزين في بيت الوسط. وأضاف عليها روايته لليلة الجمعة، حيث انتظر الحريري ومن معه الى ما بعد منتصف الليل لعقد اجتماع في القصر الملكي. وأوضح أن وفداً أمنياً طلب في الصباح التالي من الحريري مرافقته الى مجمع الريتز، وبعدها حصل الفصل التام، وبدأت الاجراءات الرقابية التي شملت قطع الهاتف الثابت ومصادرة الهواتف الخلوية، بما في ذلك ساعة اليد الذكية التي يستخدمها الحريري، والتي ظهر في بيان الاستقالة انه جُرّد منها.
في هذه الاثناء، كانت السعودية منشغلة في الرد على قرار عون عدم قبول الاستقالة وترك الامور على حالها حتى عودة رئيس الحكومة. وتبحث الرياض قيام الحريري بزيارة خاطفة الى بيروت لاعلان استقالته رسميا والسفر مباشرة من دون عقد اي اجتماعات اخرى بذريعة التهديدات الامنية. وقال مصدر معني ان السعوديين ربما لن يبلغوا احداً بموعد قدوم الحريري، وانه سينتقل فورا الى القصر الجمهوري حيث يتم ابلاغ المراسم هناك وهو في طريقه الى بعبدا، مشيراً الى ان السعودية تريد إبعاد الحريري عن اي اتصال بفريقه او بقيادات لبنانية اخرى.
اما توتر فريق الحريري في بيروت، فيعود، اولا، الى امتناع الرياض عن قبول اي وساطة، وهو امر واجهته عائلة الوليد بن طلال من آل رياض الصلح في بيروت، خصوصا ان وساطة خاصة اجراها الملك المغربي محمد السادس مع السعودية تتعلق بالوليد انتهت الى الفشل، مع جواب سعودي رسمي بأن قضية الوليد «شأن سعودي داخلي». والجواب نفسه سمعه الجانب الفرنسي في محاولته الحصول على معلومات عن بعض الامراء الموقوفين وحتى عن الحريري نفسه.
وتفيد المعلومات بأن محمد بن سلمان يصر على انجاز الملف المالي المتعلق بقراره استعادة كل الاموال التي اخذت من الحكومة السعودية باسم مشاريع وصفقات يقول انها تمت خلافا للقانون. وقد تأكد الجميع امس ان مشكلة الحريري الثانية في السعودية (غير تلك السياسية)، تتعلق بملفات تعود إلى فترة حكم الملك عبدالله، خصوصا عند مرضه الشديد وتولي رئيس ديوانه خالد التويجري ادارة الملفات. اذ انه مع انكشاف ازمة «سعودي اوجيه» توجه الحريري الى التويجري، وهو صديق ايضا لوالده الراحل رفيق الحريري، طالبا المساعدة. وبحسب شكوك ادارة ابن سلمان، حصل الحريري من التويجري على شيكين بقيمة تسعة مليارات دولار اميركي حُولت الى حسابات للحريري في فرنسا. وتفاقمت الأزمة مع استمرار أزمة «سعودي أوجيه»، وبعدما تبيّن أن الحريري توجه الى الامارات العربية المتحدة طالبا دعما على شكل دين من ولي العهد محمد بن زايد. ولم يتمكن الحريري من سداد كامل الدين الذي بقي منه اكثر من 150 مليون دولار. وقد رفض بن زايد مقايضتها بحصص في شركات او مصارف تابعة للحريري، ما خلق مناخا من الغضب تمثل في امتناع الحريري عن الذهاب الى الامارات منذ توليه رئاسة الحكومة. وعُلم ان زيارته امس، تمت بطلب ولي العهد السعودي على قاعدة تقديم الحريري اعتذاره الى ابن زايد واعلان التزامه الخط السياسي، مع التأكيد على ان الديون التي تنازل عنها الحريري ستساعد في حل مشكلته مع بن زايد.
****************************************
افتتاحية صحيفة المستقبل
تــلقّى اتـصـالاً مـن الرئـيـس الفـلسـطـيـنـي تـبـاحـثـا خـلالـه فـي مـسـتـجـدات المـنـطـقـة
«حبس أنفاس» بانتظار الحريري
لا صوت يعلو في البلد فوق سقف التوافق والتفاهم على أولوية حتمية لا رجعة عنها: الاستقرار والاستمرار في التشاور حول سبل تمرير المرحلة بأقل الأضرار الوطنية الممكنة. ولأنّ الرأي الرئاسي استقرّ بين بعبدا وعين التينة على عدم الشروع باتجاه اتخاذ أي خطوة دستورية تفاعلية مع استقالة رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري قبل عودته إلى بيروت، باتت الدولة في حالة «حبس أنفاس» بانتظار الحريري لقطع الشك باليقين حول مسألة استقالته حتى يُبنى عليها مقتضاها الدستوري والسياسي والحكومي. في حين واصل الحريري مشاوراته العربية أمس وتلقى في هذا الإطار اتصالاً هاتفياً من الرئيس الفلسطيني محمود عباس تم خلاله بحث التطورات اللبنانية والفلسطينية وآخر المستجدات في المنطقة.
وفي الغضون، استأنف رئيس الجمهورية ميشال عون مشاوراته السياسية والديبلوماسية في قصر بعبدا على أن يجتمع غداً مع السفراء العرب وممثلي مجموعة الدعم الدولية للبنان للتداول معهم في آخر المستجدات الوطنية
والإقليمية. وإذ يزور البطريرك الماروني بشارة بطرس الراعي القصر الجمهوري خلال الساعات المقبلة للتشاور مع عون في التطورات، علمت «المستقبل» أن الراعي يستعد لزيارة المملكة العربية السعودية الإثنين المقبل تلبيةً لدعوة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان عبد العزيز، في حين كان البطريرك الماروني قد أجرى مساء أمس اتصالاً هاتفياً بمفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان معرباً عن دعمه «للجهد الوطني الذي تبذله دار الفتوى في هذه المرحلة الدقيقة». علماً أنّ مزيداً من الوفود والشخصيات كان قد أمّت أمس الدار لإبداء التأييد لتوجّهات دريان وتأكيد الالتفاف حول خياراته الوطنية.
وفي عين التينة، جدد رئيس مجلس النواب نبيه بري التشديد على أهمية تحصين الساحة الداخلية وضرورة عودة الحريري إلى بيروت لبت مسألة دستورية استقالته، معتبراً أنّ «الحكومة ما زالت قائمة وإعلان رئيسها استقالته بهذا الشكل لن يغيّر من كامل أوصافها»، وأضاف خلال لقاء الأربعاء النيابي: «اللبنانيون رغم كل الأزمات التي واجهتهم استطاعوا أن يتجاوزوا كل الصعاب متسلّحين بوحدتهم وبتحصين ساحتهم الداخلية، وما يواجهنا اليوم يفترض منّا جميعاً أن نحصّن هذه الوحدة».
****************************************
افتتاحية صحيفة الحياة
دار الفتوى تواصل لقاءات «الاستقالة» ودريان يشدد على أولوية عودة الحريري
استمرت دار الفتوى لليوم الثالث على التوالي، ومنذ استقالة الرئيس سعد الحريري، محور لقاءات ومشاورات يعقدها مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان مع زوّاره للتباحث في التطورات وطريقة الخروج من الأزمة.
وقال وزير الدولة لشؤون مكافحة الفساد نقولا تويني بعد لقائه دريان: «موضوعنا اليوم وطني بامتياز، موضوع الحكومة والتسوية الوطنية التي جرت بين رئيس الجمهورية وكل أطياف السياسيين وأولهم الرئيس سعد الحريري، هذه التسوية وهذا الاتفاق السياسي العريض الذي جعل من لبنان دولة مستقرة آمنة تنظر في مصالح شعبها المالية والاقتصادية والسياسية في المنطقة والعالم، ونحن متمسكون بهذا الاتفاق وبالوحدة الوطنية، ونبذ الطائفية الضيقة، والسير مع الحياة الوطنية المستقلة الموحدة. والمفتي ناظر لهذا التوجه ويتابع الأمور بروح وطنية مترفعة عن كل ضيق طائفي أو مذهبي».
ثم التقى المفتي النائب غازي العريضي الذي قال: « نمرّ بفترة عصيبة جداً، نحن في محنة لا يستطيع احد بمفرده في لبنان أن يدّعي قدرة على مواجهتها والخروج منها، لذلك بالموقف الوطني الموحد الجامع، وبالصبر والهدوء والتشاور المفتوح، كما جرى منذ بداية هذه المحنة بين مكوِنات البلاد الأساسية، والمواقف التي صدرت عن رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب والمرجعيات الوطنية السياسية الأساسية، والهيئات الروحية وعلى رأسها المفتي دريان بما يمثل من خصوصية في موقع المسؤولية، وما له من دور في مواجهة هذه المحنة، يمكن الخروج من هذه المحنة».
وأضاف: «ما سمعته من المفتي يؤكد النهج الذي سار عليه والذي يعبّر عن قناعة بأهمية الوحدة الوطنية، وعدم الانجرار في مواقف سياسية تصعيدية أو متهورة أو في رهانات خاطئة، والتشاور المفتوح، وهذا كله يتلاقى مع ما أطلقه الزعيم الوطني وليد جنبلاط أمس، بموقفه المؤيد للرئيسين عون وبري». وقال: «المطلوب الاحتكام إلى العقل والحكمة والهدوء والتبصر في قول كل كلمة».
وعندما قيل له: هل تم التواصل من جهة فريقكم مع الرئيس الحريري أو مع أحد من السعودية؟ أجاب: «لن أدخل في تفاصيل ما قمنا به من واجب أخلاقي وسياسي ووطني، لكن نحن نعرف كيف نتحمّل مسؤولياتنا الوطنية في هذه الظروف».
أما رئيس حزب «الاتحاد» الوزير السابق عبد الرحيم مراد فقال من دار الفتوى: «نقدر مواقف المفتي الساعية إلى تهدئة الأمور في هذه الظروف الصعبة، وجميع القيادات السنّية متفقة على وحدة الموقف والتريث». وأضاف: «أتينا لزيارة المفتي لنشد على يديه، مقدرين له هذه المواقف العاقلة والمحترمة التي تسعى إلى تهدئة الأمور. ونتمنى أن يلتزمها الكل».
والتقى دريان الوزير السابق وئام وهاب الذي قال: «عند الحوادث الكبيرة تكون هذه الدار صمّام أمان. والمفتي يُشكّل صمّام أمان ضمن مثلث الأمان المتمثل برئيس الجمهورية، والرئيس نبيه بري. لذلك نحن متمسكون ببقاء الرئيس سعد الحريري في رئاسة الحكومة، وننتظر عودته لتوضيح كل ما حصل. والآن لا نرى أي بديل منه في رئاسة الحكومة».
ورداً على سؤال قال: «نحن أمام أزمة وطنية وليس أمام أزمة حكومية لتكون استشارات تقليدية، هناك استشارات وطنية، وفي رأيي ما يجريه رئيس الجمهورية هو الأهم، لذلك كما قال الرئيس بري بقاء الوزراء قد يكون مديداً في هذا الوقت، وقبل مجيء الرئيس الحريري كما أعتقد لن يتم الإقدام على أي خطوة».
ومن زوّار دار الفتوى أيضاً السفير المصري نزيه النجاري ثم مجلس نقابة الصحافة في لبنان برئاسة النقيب عوني الكعكي الذي نقل عن المفتي تأكيده «أن عودة الرئيس الحريري أولوية تتقدم على أي شيء. ونثمّن مواقف رئيس الجمهورية، ورئيس مجلس النواب في التريث والتشاور والتواصل، وانتظار عودة الرئيس إلى الوطن». وأضاف: «كما أكد لنا مفتي الجمهورية أن الأزمة التي أصابت لبنان باستقالة الرئيس الحريري، ينبغي أن نفهم ظروفها، وأن نعالجها ضمن إطار الوحدة الوطنية». ودعا كذلك إلى «ضرورة التشاور والتلاقي والتواصل لما فيه مصلحة لبنان واللبنانيين»، وشدد على أن أي موقف يصدر عن أي جهة سياسية، لا بد من أن يكون «في إطار تعزيز التلاحم بين أبناء لبنان».
والتقى دريان الوزير السابق فيصل كرامي الذي أشار إلى «أننا نمرّ اليوم في أزمة وطنية، والمفتي عوّدنا دائماً على مواقفه الحكيمة وقراره الصائب في ما يتعلق بكل الأزمات، وما سمعته منه يطمئن إلى أن كل الاتصالات التي يجريها تؤدي إلى الوحدة الوطنية، وبالتالي إلى وحدة الطائفة السنّية. ونحن اليوم في لبنان نشعر بإرباك كبير نتيجة استقالة الحريري».
بعد ذلك التقى دريان وفد «حركة حماس» وضم رئيس مكتب العلاقات العربية والإسلامية عزت الرشى وممثل الحركة في لبنان علي بركة. وقال الرشى: «عبرنا عن وقوفنا وتضامننا مع لبنان دائما، وثقتنا بأن لبنان بحكمة المسؤولين قادر على تجاوز كل الأزمات التي يمكن أن يمر بها».
كذلك التقى المفتي وفداً من صيدا برئاسة عبدالرحمن البزري الذي قال: «نتطلع إلى دور وطني كبير من دار الفتوى جامع لكل اللبنانيين ونقول ان هذه المرحلة حرجة جداً وعلينا جميعا أن نزن مواقفنا، لأننا نعيش في ظرف استثنائي يحتاج إلى تضامن اللبنانيين».
بكركي: زيارة الراعي السعودية قائمة
اعتبر رئيس الرابطة المارونية النقيب أنطوان قليموس الذي زار بكركي أمس، «أن كل ما يُحكى عن تمني الرابطة على البطريرك الماروني بشارة الراعي عدم زيارة المملكة العربية السعودية الإثنين المقبل (تلبية للدعوة التي تلقاها أخيراً) تذاكٍ وبعيد كل البعد من اللياقة الكلامية»، وتمنى على وسائل الإعلام «توخي الدقة في نقل الأخبار، لأنه على رغم أهمية التطورات الراهنة إلا أن الزيارة إلى بكركي محدّدة سابقاً ونحن نحمل ملفاً شائكاً يتضمن كل الأمور، وأضفنا إليه التطورات الأخيرة التي لها علاقة باستقالة الرئيس الحريري، وهو كان مدار بحث بيننا وبين البطريرك الراعي».
وفيما أوضح أن قرار «القيام بالزيارة أو أرجاءها يتعلق بالبطريرك الراعي وحده». أكدت مصادر بكركي لـ «المركزية» أن طالما لم يصدر أي بيان رسمي عن البطريركية المارونية ينفي أو يؤكّد القيام بالزيارة فإنها «لا تزال قائمة».
ولفت النائب نديم الجميل، عقب لقائه الراعي إلى أنّ «السعودية دولة عزيزة وصديقة وتحتضن الكثير من اللبنانيين، ومن المهمّ أنّه إذا قرّر البطريرك أن يزورها، أن يحمل معه المشروع الوطني اللبناني، مشروع الانفتاح والتواصل والتفاهم بين الأديان، والظرف اليوم مناسبة ليذهب لزيارة السعودية».
بري: لا استقالة دستورية جنبلاط: الوحدة فوق كل اعتبار
أكد رئيس المجلس النيابي اللبناني نبيه بري في لقاء الأربعاء النيابي أن «اللبنانيين على رغم كل الأزمات التي واجهتهم استطاعوا أن يتجاوزوا كل الصعاب متسلحين بوحدتهم وتحصين ساحتهم الداخلية».
وشدد على أن «ما يواجهنا اليوم يفترض منا جميعاً أن نحصن هذه الوحدة»، مكرراً القول إن «الحكومة ما زالت قائمة، وإعلان الرئيس سعد الحريري استقالته في هذا الشكل لن يغير من كامل أوصافها».
وقال بري وفق النواب: «إننا نعتبر أنه لا توجد استقالة دستورية للحكومة في لبنان وفق النصوص والأعراف والآليات»، مشيراً إلى «أننا بانتظار أن يأتي الرئيس الحريري ليبنى على الشيء مقتضاه، وكل المسار الدستوري مترتب على عودته».
إلى ذلك، غرّد رئيس «اللقاء الديموقراطي» النيابي وليد جنبلاط عبر حسابه على موقع «تويتر» قائلاً: «إنني أؤيد كامل التأييد موقف رئيس الجمهورية ميشال عون وموقف رئيس مجلس النواب نبيه بري في أن الوحدة الوطنية فوق كل اعتبار».
لبنان يتوقع فترة تصريف أعمال طويلة
القاهرة – محمد الشاذلي بيروت – «الحياة»
غلبت المراوحة على جهود معالجة الأزمة السياسية اللبنانية بعد إعلان رئيس الحكومة سعد الحريري استقالته من الرياض السبت الماضي، رافضاً «استهداف إيران وحزب الله الأمن الإقليمي العربي من لبنان، وتكوين عداوات ليس لنا طائل من ورائها». وبقي رئيس الجمهورية ميشال عون على موقفه القاضي بالتريّث في أي خطوة في انتظار أن يعود الحريري إلى بيروت، وواصل مشاوراته مع القيادات اللبنانية حول مواجهة تداعيات الأزمة، والتقى وفد البنك الدولي الذي أكد الشراكة الطويلة المدى مع لبنان، على أن يلتقي اليوم سفراء الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن، ثم سفراء الدول العربية وهيئات اقتصادية ونقابية.
وغاب أي بحث في الدوائر اللبنانية الرسمية عمّا بعد الاستقالة وشكل الحكومة المقبلة، في ظل اتفاق عون ورئيس البرلمان نبيه بري على اعتبار الاستقالة غير نافذة ما دام الحريري لم يتقدم بها مباشرة إلى رئيس الجمهورية. إلا أن غير مصدر رجّح لـ «الحياة» أن يُقبِل البلد على أزمة تأليف حكومة جديدة، وأن تطول مدة تصريف الأعمال في حال قبل عون استقالة الحريري، خصوصاً أن خطاب الاستقالة طرح مسائل خلافية كبرى تتعلق بالموقف من تدخلات إيران و «حزب الله» في عدد من الدول العربية، وإفشال سياسة النأي بالنفس عن الصراع الإقليمي التي تعهدت حكومته اتباعها. وهو أمر يطرح هوية رئيس الحكومة المقبل والأسس السياسية التي ستستند إليها الحكومة العتيدة في علاقاتها العربية. وأكد بري أن «الحكومة ما زالت قائمة، وإعلان الرئيس الحريري استقالته في هذا الشكل لن يغيّر من كامل أوصافها»، معتبراً أن «كل المسار الدستوري مترتب على عودته، لأن للاستقالة أصولاً». وإذ دعا بري إلى تحصين الوحدة الداخلية، أيّد رئيس «اللقاء النيابي الديموقراطي» وليد جنبلاط موقف عون وبري بأن الوحدة الوطنية «فوق كل اعتبار».
ووسط الغموض الذي يكتنف موعد عودة الحريري إلى لبنان، وصفت مصادر ثقة المواعيد التي تضربها أوساط سياسية وإعلامية عن هذه العودة، بأنها مجرد تكهنات غير مؤكدة. واستقطبت الأزمة السياسية اللبنانية الاهتمام الخارجي يوماً خامساً، ولم تغب الضبابية عن بعض المواقف الدولية أسوة بالمواقف المحلية. وتم اتصال بين الرئيس الفلسطيني محمود عباس والحريري. ودعا بيان لسفراء الاتحاد الأوروبي في بيروت «جميع الأطراف إلى متابعة الحوار البنّاء والاعتماد على العمل المنجز خلال الأحد عشر شهراً الماضية، بهدف تقوية مؤسسات لبنان والإعداد للانتخابات النيابية»، بعدما كانت الخارجية الأميركية دعت «جميع أعضاء المجتمع الدولي إلى احترام هذه المؤسسات وسيادة لبنان واستقلاله». وتجنبت السفيرة الأميركية في بيروت إليزابيث ريتشارد تناول الأزمة الراهنة خلال اجتماعها مع قائد الجيش العماد جوزيف عون، لإعلان تقديم مساعدة أميركية للجيش بقيمة 42.9 مليون دولار، كجزء من برنامج سداد تكاليف تأمين الحدود اللبنانية، واكتفت بتكرار الموقف الأميركي المعهود عن «مواصلة الولايات المتحدة التزامها لبنان مستقراً وآمناً وديموقراطياً ومزدهراً».
وشهدت بيروت حركة ناشطة لسفراء غربيين وعرب في اتجاه كبار المسؤولين والقادة السياسيين. وانتقد الرئيس الإيراني حسن روحاني السياسة السعودية حيال لبنان.
وأجرى الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط اتصالاتٍ هاتفية خلال اليومين الماضيين بالرؤساء عون وبري والحريري الموجود في الرياض، «للاستماع منهم مباشرة إلى رؤيتهم للوضع والتداعيات المحتملة لاستقالة الأخير»، كما قال الوزير المفوّض محمود عفيفي، الناطق الرسمي باسم أبو الغيط.
وأشار عفيفي إلى أن الأمين العام «أعرب خلال اتصالاته عن أمله بعبور لبنان هذه الأزمة من دون أن يتأثر السلم الأهلي أو الاستقرار فيه، مشدداً على أهمية أن يبقى لبنان بتركيبته الخاصة، بعيداً من محاولات أي أطراف استقطابه أو فرض الهيمنة أو السيطرة عليه». وأكد الناطق «رفض الجامعة واستنكارها أي محاولات لزرع الاضطرابات وإشاعة التوتر والفتنة في لبنان»، مناشداً كل الأطياف اللبنانية إعلاء مصلحة الوطن فوق أي اعتبارات أخرى. كما اتصل أبو الغيط برئيس كتلة «المستقبل» النيابية الرئيس فؤاد السنيورة.
****************************************
افتتاحية صحيفة الجمهورية
مانشيت:دريان: الأولوية لعودة الحريري.. وجنبلاط يفضِّل بقاء الحكومة تلافياً للمجهول
أدخَلت استقالة الرئيس سعد الحريري المفاجِئة البلادَ في أتون التعقيدات السياسية، وارتسَمت الأسئلة حول مستقبل الآتي من الأيام، بعدما فرَضت أزمة وطنية استدعت استنفاراً داخلياً وحراكاً ديبلوماسياً على مستويات عدة. وفيما ينتظر لبنان الرسمي والشعبي عودةَ الحريري، متمسّكاً به رئيساً للحكومة، بَرزت أمس خطوة لافتة، إذ عَمدت صفحة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الخاصّة على «فيسبوك» إلى تغييرِ صورة الغلاف الخاصة بها، واضعةً صورةً تَجمعه مع كلّ مِن رئيس مجلس النواب نبيه بري والحريري. في وقتٍ، اقتصَر النشاط السياسي للحريري في الخارج، على إعلان مكتبِه الإعلامي في لبنان أنّ «رئيس مجلس الوزراء» تلقّى اتّصالاً من الرئيس الفلسطيني محمود عباس الموجود في السعودية «تمَّ خلاله البحث في التطوّرات اللبنانية والفلسطينية وآخِر المستجدات في المنطقة». وعلمت «الجمهورية» أنّ طائرة الحريري الخاصة حطّت مساءً في مطار بيروت الدولي قادمةً من أحدِ المطارات البريطانية، ما أثارَ بَلبلةً لبعضِ الوقت قبل التثبتِ من بعض المسؤولين المعنيّين بحركة المطار بأنّها نَقلت عدداً مِن معاوني رئيس الحكومة، ولم يكن هو بين ركّابها، وأنّ بيروت ستكون محطةً قصيرة للطائرة قبل أن تغادرَها وقد زُوِّدت ما تحتاجه لهذه الغاية. ولكنّ معلومات متضاربة شاعَت ليلاً وأفادت أنّ الحريري غادرَ الرياض في طائرته. وتوقّعَ البعض أن يعود إلى لبنان في أيّ وقت.
أشارت مصادر مواكِبة لحركة المشاورات لـ«الجمهورية» إلى «أن الخطوات التالية حالياً رهنُ عودة الحريري». وأكّدت «أن لا تواصل رسمياً معه»، وقالت: «عندما يعود ويقدّم استقالته وجاهياً تصبح الحكومة مستقيلة تلقائياً ويتمّ تكليفه تصريفَ الاعمال ويدعو رئيس الجمهورية الى استشارات ملزمة لتكليف شخصيةِ تأليفِ الحكومة الجديدة.
هذه في الخطوات الدستورية. امّا في السياسة، فلا حكومة جديدة قبل عودة الحريري ولا حكومة بلا «حزب الله»، وأساساً لا كلام عن حكومة جديدة حالياً. الجميع ينتظرون موقفَ الحريري ليبنيَ على الشيء مقتضاه».
عون
في ظلّ التحوّل الكبير الذي فرَضته الاستقالة، واصَل رئيس الجمهورية العماد ميشال عون لقاءات التشاور مع القيادات الوطنية والشخصيات السياسية والحزبية للبحث في النتائج المتأتّية عن إعلان الحريري استقالته من الخارج، وسيَستقبل اليوم البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، ويلتقي غداً الجمعة مجموعة الدعم الدولية التي تضمّ ممثلي الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي وعدداً من السفراء الأجانب، بالإضافة الى مجموعة السفراء العرب المعتمدين في لبنان، وذلك لمناقشة آخِر التطورات واستيضاحهم مواقفَ حكوماتهم ممّا يجري على الساحة اللبنانية، خصوصاً انّ بعضهم سجّل مواقفَ محدّدة ممّا واكبَ استقالة الحريري وتلاها من أحداث ما زالت مدارَ جدلٍ، نظراً الى حجم الغموض الذي يلفّ هذه القضية».
وعشية هذا اللقاء، علمت «الجمهورية» من مصادر تواكب مشاورات رئيس الجمهورية الخارجية، المعلَن منها وغير المعلن، سعياً إلى كشفِ الغموض الذي ما زال يَحوط بوضعِ الحريري وحرّية حركته، أنه إذا ما لم تتكشّف في الساعات المقبلة الفاصلة عن لقاء عون مع السفراء ايُّ معلومات حول حركة الحريري وموعد عودته الى بيروت لربّما أطلقَ رئيس الجمهورية مبادرةً امام هؤلاء السفراء طالباً التدخّلَ لإنهاء الغموض الذي يلفّ هذه القضية من جوانب مختلفة.
برّي
في غضون ذلك، جدّد بري القولَ إنّ «الحكومة ما زالت قائمة، وإنّ إعلان الحريري استقالتَه بهذا الشكل لن يغيّرَ مِن كامل أوصافِها». وأكّد في «لقاء الاربعاء النيابي» انّ اللبنانيين رغم كلّ الأزمات التي واجَهتهم استطاعوا أن يتجاوزوا كلّ الصعاب متسلحين بوحدتهم وتحصين ساحتهم الداخلية، وقال: «إنّ ما يواجهنا اليوم يفترض منّا جميعاً ان نحصّنَ هذه الوحدة».
نصرالله
وفيما تتّجه الانظار الى ما سيُعلنه الامين العام لـ«حزب الله» السيّد حسن نصرالله غداً في مناسبة «يوم الشهيد»، علمت «الجمهورية» انّ نصرالله سيشدّد في خطابه مجدداً على استمرار التهدئة وعدمِ التصعيد واستيعاب المشكلة الماثلة، والبحث عن مخارج للأزمة السياسية الحالية.
وسينقسِم خطابُه الى محاور عدة: دينيّ لمناسبة اربعين الإمام الحسين، ومحور يتحدّث فيه عن اوّلِ استشهاديّ للحزب أحمد قصير لينطلق منه الى الحديث عن احتمالات الحرب الاسرائيلية على لبنان وقدرةِ المقاومة على ردعِها.
ومحور يتناول التطورات الاقليمية والعملية العسكرية في البوكمال ودلالات ذلك وإعلان الانتصار على «داعش» وإنهاء وجودها العسكري في سوريا والعراق بعد ربطِ الحدود العراقية ـ السورية، وسيتطرّق الى الأزمة اليمنية.
وقال مصدر قيادي في الحزب لـ«الجمهورية» تعليقاً على التوقّعات الشائعة حول موعد عودة الحريري من الخارج: «نحن نأمل ولا نتوقّع».
دار الإفتاء
في هذا الوقت، واصَلت دار الإفتاء مشاوراتها، وأمَّها عددٌ من الزوار ابرزُهم السفير المصري نزيه النجاري، والوزراء السابقون عبد الرحيم مراد وفيصل كرامي ووئام وهاب الذي أكّد تمسّكَه ببقاء الحريري في رئاسة الحكومة.
كذلك زارَها مجلس نقابة الصحافة برئاسة النقيب عوني الكعكي الذي نَقل عن مفتي الجمهورية الشيخ عبداللطيف دريان تأكيدَه «أنّ عودة الحريري أولوية تتقدّم على أيّ شيء، وأنّ الأزمة التي أصابَت لبنان باستقالته ينبغي أن نفهم ظروفَها، وأن نعالجَها ضمن إطار الوحدة الوطنية».
وقال مصدر مسؤول في المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى لـ«الجمهورية»: إنّ عودة الحريري غداً الخميس (اليوم) لا تزال ضمن التوقّعات، ومسؤوليةُ دار الإفتاء كبيرة في شدِّ العصبِ اللبناني وليس السنّي، كما يسعى البعض الترويج له، ولذلك فإنّ سماحتَه يستقبل اليوم قيادات وشخصيات من جميع الأطراف والطوائف والمذاهب والشخصيات».
وهل ستَشهد دار الإفتاء اجتماعاً سنّياً موسّعاً؟ أجابَ المصدر: «مِن ضِمن المشاورات والاستقبالات التي يقوم بها سماحتُه الاتّفاقُ على موعد لاجتماع المجلس الشرعي، على أن يكون موسّعاً ويضمّ رؤساء الحكومات السابقين والوزراء والنواب السُنّة، لدرسِ التطورات بعد استقالة الحريري والخطوات التي يمكن اتّخاذها».
وهل سيُعقَد الاجتماع نهاية الأسبوع؟ أجاب المصدر: «لا شكّ في أنّ غداً الخميس (اليوم) وما يمكن أن يحمله سيؤثّر في مسألة تحديد الموعد، ولكن بشتّى الظروف لا شكّ في أنّ الصورة تنقشع أكثرَ يومَ السبت».
وعن النقاط التي ستتمّ مناقشتها في الاجتماع، قال المصدر: «أولاً سيتمّ التركيز على الوضع الداخلي في لبنان لجهة تحصينِه، وثانياً مناقشة أسباب الاستقالة التي لا تزال مبهمةً حتى في صفوف المفتِين، وثالثاً، إستطلاع الأفكار والآراء التي يمكن تبنّيها في المرحلة المقبلة، سواء عاد الحريري أم لا».
وعن موقف دار الفتوى من زيارة البطريرك الراعي المرتقَبة للسعودية، قال المصدر: «نرحّب بزيارته ونَدعمها ولا ننصَحه بالتريّث فيها لأنّها قد تكون مدخلاً لمخرجٍ ما للبنان، وفي الوقت عينه قد يَسمع الراعي من القيادة السعودية ما لديها من هواجس، وأبعد من ذلك زيارته ستُبلور الصورةَ الحقيقية للبنان بلدِ الانفتاح وأنّه بجميع قياداته الروحية متمسّك ببقاء هذا الوطن الرسالة»، لافتاً إلى «انّ تريُّثَ الراعي في زيارته قد يزيد الشرخَ، وقد يُفهَم إشارةً سلبية تجاه السعودية، خصوصاً أنّها تشكّل الزيارةَ الأولى لبطريركٍ ماروني للسعودية».
حراك ديبلوماسي
وإلى ذلك، نشَط الحراك الديبلوماسي على كلّ الجبهات، وكانت استقالة الحريري الحاضرَ الأبرز في كلّ اللقاءات. فزارَت السفيرة الاميركية اليزابيت ريتشارد بكركي للاجتماع مع البطريرك الماروني، فيما زار السفير الفرنسي برونو فوشيه عين التينة ناقلاً إلى بري دعوةً لزيارة فرنسا اتُفِقَ على تحديد موعدِها لاحقاً. كذلك، زار السفير المصري نزيه النجاري دارَ الإفتاء ورئيسَ كتلة «المستقبل» الرئيس فؤاد السنيورة، في وقتٍ زار سفير بريطانيا هيوغو شورتر النائبَ وليد جنبلاط في كليمنصو.
جعجع
إلى ذلك، رأى رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعحع أنّ «حكومة التكنوقراط لا تكفي بمفردِها، وعليها أن تأخذ في الاعتبار أسبابَ استقالة الحريري»، معتبراً أنّه «إمّا أن يصبح لدينا دولة أو أنّ الأمور لن تسيرَ كما يجب، أمّا الحديث عن تحالفٍ سعودي ـ أميركي فهو ردُّ فِعلٍ على ما يحصل في المنطقة». وأشار الى أن «لا مؤشّرات لديّ الى أيّ ضربة عسكرية ضد «حزب الله»، وفي النهاية مشكلةُ الأخير مشكلتُنا نحن كلبنانيين لأنّنا لا نستطيع أن نستمرّ في دولتين».
واعتبَر جعجع خلال مقابلة مع الزميل وليد عبود عبر شاشة الـ«أم تي في» ضِمن برنامج بـ«موضوعية»، أنّ «البعض ينظر إلى استقالة الرئيس الحريري وكأنّها بدأت الآن، وإنّما هي نتيجة تراكُمٍ طويلٍ عريض، وهناك دفعٌ إعلاميّ في الاتّجاه غير الصحيح». ورأى أنّ «الحريري استقالَ عندما قرّبنا مِن واقع أنّ «حزب الله» يسعى ليصبحَ صاحبَ القرار».
ولفتَ إلى «أنّني لم أتفاجَأ باستقالة الحريري في الجوهر وإنّما في التوقيت». وأكّد جعجع أنّ «الحريري يعود عن استقالته اليوم إذا تراجَع «حزب الله» عن سلوكياته وسلّمَ سلاحَه، والدولةُ هي المقاومة، ولا تجوز ازدواجية الدولة والمقاومة».
وقال: «بيتُ القصيد أن تتشكّلَ حكومةٌ تأخذ على عاتقها أوّلاً سحبَ الحزبِ من أزمات المنطقة، وإنّ مرشّحَنا الأوّل لرئاسة الحكومة هو سعد الحريري».
مِن جهته، قال النائب وليد جنبلاط عبر «تويتر» إنّه «مِن أجلِ التاريخ وكي لا ندخل في المجهول، أفضلُ تسويةٍ لاستقرار لبنان هي حكومة الوحدة الوطنية الحاليّة، ولن أزيد».
الهبة الاميركية
وكان لافتاً أمس خطوةُ الإدارة الأميركية بتحويل مبلغ 42.9 مليون دولار الى حساب الجيش اللبناني. وقالت مصادر وزارية لـ«الجمهورية»: «إنّها هبة مقرّرة في السابق لكن تسليمها ارتبَط بظروف سياسية، وهي لزومُ مصاريف الجيش ومساعدته لوجستياً من بضاعةٍ ومعدّات ومحروقات تندرج في إطار مكافحة الإرهاب».
وأشارت إلى «أنّ تقديم هذه الهبة في هذا الظرف، يؤكّد انّ الدعم الاميركي لم يتوقف وأنّ الإدارة الاميركية تتعامل مع لبنان وكأنّ حكومته ومؤسّساته تعمل بانتظام، وليس مع بلدٍ حكومته مستقيلة، وخلافاً لجوّ الضغط الاسرائيلي الحاصل في العالم والداعي إلى مقاطعة الحكومة. وهذه رسالة إيجابية بعدما أحبَطت القوى السياسية في لبنان أيّ مخطط لزعزعةِ استقراره».
الاتّحاد الأوروبي
وفي المواقف، جدّد سفراء الاتحاد الأوروبي في لبنان تأكيدَ «دعمِهم القوي لوحدةِ لبنان واستقراره وسيادته وأمنِه ولشعبه». ودعوا «جميعَ الأطراف إلى متابعةِ الحوار البنّاء، والاعتمادِ على العمل المنجَز خلال الأشهرِ الأحد عشر الماضية بهدفِ تقوية مؤسسات لبنان والإعداد للانتخابات النيابية مطلعَ 2018 وفقاً لأحكام الدستور». وأكّدوا «التزامَهم المستمر بالوقوف إلى جانب لبنان ومساعدته في إطار الشراكة القوية لضمان استقراره وتعافيه الاقتصادي المستمر».
الجنوب
جنوبياً استمرّت الجرّافات الإسرائيلة في حفرِ خندقٍ عند الشريط الحدودي مقابل بلدة العديسة، في ظلّ تحليقِ الطيران الحربي الاسرائيلي في الاجواء وطائرة استطلاع فوق النبطية، وقد استمرَّ الجيش واليونيفيل في مراقبة هذه الأعمال.
وأكّدت مصادر أمنية لـ«الجمهورية» أنّ «التنسيق بين الجيش واليونيفل مستمرّ، ويُسيّران دوريات ويُراقبان كلَّ الحدود الجنوبية، تحسُّباً لأيّ طارئ». ولفتَت الى أنّ «لبنان ملتزم تطبيقَ القرار 1701 بكلّ موجباته، ويأخذ كلّ التدابير، ويتحسّب لكلّ ما قد يحصل».
إلى ذلك، ترَأس رئيس بعثة «اليونيفيل» وقائدها العام اللواء مايكل بيري، أمس، الاجتماعَ العسكري الثلاثي العادي، في موقعٍ للأمم المتحدة على معبر رأس الناقورة، «حيث تركّزَ النقاش على قضايا ذات صلة بتنفيذ ولاية «اليونيفيل» بموجب القرار 1701، وأهمّية التعاون من الجانبين في تنفيذ القرارين 1701 و2373، والانتهاكات الجوية والبرية، والوضع على طول الخط الأزرق، إلى جانب انسحاب القوات الإسرائيلية من شمال قرية الغجر».
وأشاد بيري بـ«التطوّر المرحّب به المُتمثّل في نشرِ قوات إضافية من الجيش اللبناني فى أيلول الفائت الى منطقة عمليات «اليونيفيل» بين نهر الليطاني والخط الأزرق»، معتبراً أنّ «الانتشار الجديد للقوات المسلحة اللبنانية يسمح لقوّة الأمم المتحدة الموَقّتة في لبنان والجيش اللبناني بزيادة الأنشطة المنسّقة ويساهم في تعزيز وجود القوات المسلحة اللبنانية في منطقة عمل «اليونيفيل».
وشدّد على «أنّها خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح، فمفتاحُ الاستقرار والأمن على المدى الطويل في الجنوب هو وجودٌ معزَّز للجيش اللبناني، ونحن نتطلّع إلى استمرار هذا الجهدِ من خلال نشرِ المزيد من القوات».
