لا تسوية سياسية في الأفق ومواجهات “حزب الله” ارتدت عليه

كتب  شارل جبّور  في مجلة “المسيرة” – العدد 1636″ ضمن فقرة “نحن هنا”: 

 

استقالة الرئيس سعد الحريري كانت مفاجئة في توقيتها حصرا، ولكن لا بد انها كانت آتية لا محالة عاجلا أم آجلا، لأن الظروف السياسية التي أنتجت التسوية السياسية ولّت إلى غير رجعة لمصلحة ظروف أخرى مختلفة جذريا بدأت مع وصول إدارة أميركية جديدة واستكملت مع قمة تاريخية في الرياض رسمت خريطة طريق مواجهة النفوذ الإيراني، وكانت بانتظار بدء الترجمة العملية في لبنان او سوريا او العراق او اليمن.

التركيز كان بداية على الساحة العراقية في محاولة لإعادة بناء الجدار الفاصل الذي بناه الرئيس صدام حسين بغية منع الثورة الإيرانية من التمدد باتجاه الدول العربية، ولاحقا تنوعت الأهداف وتوزعت في محاولة لمواجهتها بالتوازي، فبدأ فصل “حماس” عن محور الممانعة برعاية مصرية من خلال المصالحة مع “فتح”، وإعطاء الأولوية لـ”حزب الله” لسببين: أقوى وأقدم نموذج إيراني في المنطقة، ودوره محوري في سوريا ولبنان تحديدا، حيث ان ضربه يفقد طهران أبرز أوراقها في المنطقة وأهمها، خصوصا ان الدور الإيراني في نهاية المطاف يستمد قوته من أوراقه المنتشرة من “حماس” إلى “حزب الله” وحزب “البعث” و”الحشد الشعبي” و”الحوثيين”، وضرب كل تلك الأذرع ينهي الدور الإيراني في المنطقة.

فلا يمكن إغفال ان المنطقة ومن ضمنها لبنان دخلت في حقبة جديدة مع الإدارة الأميركية الجديدة، ويستحيل إبقاء لبنان بمنأى عن تداعيات هذه المرحلة لسببين أيضا: السبب الأول لأن المواجهة مع طهران وأذرعها في المنطقة وليست على غرار العام 2005 مواجهة محصورة بالنظام السوري. والسبب الثاني لأن الحزب نقل بيده دوره من ما يسمى مقاومة واستراتيجية دفاعية إلى قوة إقليمية ويعتد بنفسه من دون ان يأخذ في الاعتبار انعكاسات هذا التحول على وضعه الذي لا يسمح له بمواجهة دول إقليمية، وبالتالي لم تعد ورقة مواجهته لبنانية ليصار إلى تحييد لبنان تحت مسمى طاولة حوار كما حصل في العام 2005، بل تحولت إلى مواجهة إقليمية.

ولقد كان التفكير بداية بحصر المواجهة مع “حزب الله” في الساحة السورية باعتبارها ساحة حرب شأنها شأن الساحة اللبنانية إبان الحرب الأهلية، ولكن تبين انه من غير المنطقي ان تخاض معركة بهذا الحجم مع الحزب ويبقى مستفيدا في لبنان من غطاء سياسي وطني يؤدي إلى ترييحه وتغطيته.

فالشعار الذي أطلقه السيد حسن نصرالله مع بداية الحرب السورية “تعالوا نتقاتل في سوريا ونحيِّد لبنان” سقط للمرة التالية على التوالي، ففي المرة الأولى تعرضت بيئة “حزب الله” لعمليات إرهابية ردا على تورطه السوري، فاستنجد بـ”المستقبل” على قاعدة ان الاعتدال السني يواجه التطرف الثاني، وتطورت هذه المعادلة وصولا الى تكليف الرئيس سعد الحريري رئاسة الحكومة اللبنانية، ولكن المرة الثانية التي نحن بصددها تختلف عن الأولى كونها تأتي ترجمة لقرار أميركي-سعودي مباشر، الأمر الذي يعني رفع الغطاء الرسمي عن الحزب الذي يقود إلى حالتين: إما فراغ حكومي مفتوح لاستحالة قبول اي شخصية سنية بترؤس الحكومة، وإما نجاحه بتأليف حكومة تجعل لبنان الرسمي هدفا شأنه شأن “حزب الله”، ولكن في الحالتين المساكنة مع الحزب انتهت، فلا هو يقبل بتأليف حكومة من دونه، فيما أصبح من المتعذر تأليف حكومة معه.

والسؤال الذي يطرح نفسه: هل كان يمكن تحييد لبنان من العاصفة الدولية-الإقليمية؟ لا شك ان التطورات تجاوزت هذا التساؤل، ولكن، ربما، كان بالإمكان تجاوز العاصفة لو ان “حزب الله” التزم بمرتكزات التسوية السياسية ولم يحاول تعديلها لمصلحته من خلال التطبيع مع سوريا، ولو ان الرئيس الحريري اعتمد على غرار الدكتور سمير جعجع سياسة ربط نزاع فعلي، ولا حاجة للتذكير بخطابه في قداس شهداء “المقاومة اللبنانية” ولا بالمواقف السابقة للقداس واللاحقة له وصولا الى رفضه تقديم السفير اللبناني المعين في سوريا أوراق اعتماده للنظام البعثي.

وفي موازاة هذا الرأي ثمة وجهة نظر أخرى تقول ان تحييد لبنان عن العاصفة الآتية كان ممكنا بحالة واحدة وهي خروج “حزب الله” من سوريا ومن كل الساحات العربية وتخليه عن دوره الإقليمي، فيما الحزب بطبيعة الحال ليس في هذا الوارد، وبالتالي التحييد غير ممكن.

وفي وقت كان “حزب الله” في موقع المبادر في كل الساحات تحول إلى موقع المتلقي، ولم يكن ينتظر ان المواجهات التي يخوضها خارج لبنان سترتد عليه، فيما من حق اي دولة يحاربها الحزب ان تحاربه، وخلاف ذلك هو الاستثناء لا القاعدة، ولا يفترض ان يكون النقاش لماذا قررت المملكة مواجهة الحزب اليوم وليس في الأمس، لأن هذا الأمر يتعلق بسياسة الرياض وأولوياتها، فيما يتحمل الحزب مسؤولية استجلاب المشاكل من الخارج إلى الداخل، ولا يستطيع الاعتداء على غيره من دون ردة فعل ضده، خصوصا ان الدولة اللبنانية غير قادرة على لجمه.

وفي مطلق الأحوال السؤال الأساس اليوم: ماذا بعد الاستقالة؟ الأكيد ان لا تسوية سياسية في الأفق، والأمور مفتوحة على كل الاحتمالات.

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

 

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل