استقالة الحريري تقرع طبول الاجتهادات (جومانا نصر)

 

 

كتبت جومانا نصر في المسيرة العدد- 1636:

 

ما كاد خبر استقالة رئيس الحكومة سعد الحريري يسري في الشارع اللبناني ودول الإغتراب حتى تحولت الهواجس والإستحقاقات الدستورية إلى أسئلة تمحورت حول مصير الإنتخابات النيابية المقررة في أيار 2018 إضافة إلى الملفات الأساسية التي كانت مطروحة على جدول مجلس الوزراء. التحليلات فاضت على صفحات التواصل الإجتماعي وكل لبناني صار خبيرا في الشؤون السياسية كما الإقتصادية والأمنية والإجتماعية… وبقي الجواب معلقا كما كرة الأسئلة التي صارت تكبر يوما بعد يوم: ما هو مصير الإنتخابات النيابية في ظل حكومة تصريف اعمال؟ هل يمكن تجميد ملفات النفط والكهرباء وتلفزيون لبنان وما هو مصير الشركات التي طرحت دفاتر شروطها وفق مهلة زمنية تنتهي في نهاية السنة الحالية…؟ هل تنتظر هذه الشركات حتى يتم تشكيل حكومة جديدة؟ وماذا لو لم يتم التكليف والتأليف؟

كلام المشرّعين الدستوريين واضح في هذا المجال: “يمكن لحكومة تصريف الأعمال أن تلتئم لإقرار قوانين في ملفات طارئة وملزمة”. لكن من قال إن المسألة تتعلق حصرا بالدستور المعلّق عمليا منذ عهود؟ وماذا عن الإجتهادات التي ستعلو على صوت الدستور لتأجيل الإنتخابات؟

 

 

في أروقة السياسة الكثير الكثير من الكلام غير المعلن بعدما شكلت استقالة الرئيس سعد الحريري مفاجأة في أروقة العهد وخضة أشبه بالزلزال في الشارع اللبناني. ثمة من قرأ في مضمون الإستقالة إيجابية على قاعدة”إذا ما كبرت ما بتزغر”، خصوصا بعدما بات مصير الوطن محكوما بدفتين الأولى تسير في اتجاه بناء دولة حرة مستقلة خاضعة لسلاح الجيش اللبناني والمؤسسات الدستورية والأمنية فيها، والدفة الثانية التي يقودها  المحور الإيراني – السوري في اتجاه الصراعات الإقليمية ضاربا عرض الحائط بيان بعبدا الذي نص على ضرورة النأي بالنفس. هذا التجاذب ما كان ليستمر أو على الأقل ما كان يبشر بإمكانية استمرار عمل حكومة رفعت شعار استعادة الثقة وباتت أشبه بحلبة صدام ومناكفات وقفز فوق كل بنود التسوية.

إذن كان لا بد من صفعة إيجابية على رغم كل التداعيات التي تحملها استقالة رئيس الحكومة سعد الحريري على كافة الأصعدة الأمنية والإقتصادية والسياسية. ثمة من يقول أن الكلام عن خضات أمنية مستبعد. ويستند في ذلك إلى عمل أجهزة المخابرات في الجيش اللبناني وفرع المعلومات التابع لمديرية قوى الأمن الداخلي والأمن العام. وعلى رغم تضارب المعلومات والقراءات التحليلية التي تستند على تقارير وتغريدات محلية وإقليمية وعالمية ثمة من يرجح أن احتمال اندلاع حرب مباشرة على لبنان غير وارد “إلا إذا كانت الضربة الإسرائيلية التي يحكى عنها للقضاء على “حزب الله” سريعة وخاطفة، بهدف جر “حزب الله” إلى عنق المأزق وحصول التغيير في الداخل اللبناني الذي لن يتحقق إلا بثمن كبير.عندها فقط سيدرك “حزب الله” أنه أدخل لبنان في مأزق أكبر منو ومن لبنان”. هذا المشهد الذي يرسمه مصدر سياسي لا يستبعد إمكانية دخول “حزب الله” في مرحلة ضبابية نتيجة العقوبات الدولية التي أقرها مجلس الشيوخ الأميركي والتي ستطال بالإضافة إلى الحزب أفرادا ومؤسسات وستكون “موجعة” لأنها أكثر من جدية”.

وإذا استبعدنا مشهدية الحرب الإفتراضية فإن حتمية إجراء الإنتخابات النيابية تبقى قائمة بحسب نصوص الدستور اللبناني. ويقول المصدر: “طبول الإجتهادات لتأجيل الإنتخابات النيابية ستقرع، وقد نسمع ونقرأ فصولا من التحايل على القانون لكي لا تحصل  لكن موعد الإنتخابات مكرس دستوريا حتى في ظل حكومة تصريف أعمال. فهذا الإستحقاق مرتبط بالشرعية ويصبح أكثر إلحاحا في حال وجود أزمة لأنه سيشكل مدخلا لحلها إلا في حال اندلاع حرب لا سمح الله. لكن المشكلة أن الدستور في لبنان معلق عمليا وهناك الكثير من التجارب التي شهدنا عليها منها عدم إقرار الموازنة على مدى 12 عاما والتمديد للمجلس النيابي 3 مرات وآخر الفصول  تأجيل الإنتخابات الفرعية في طرابلس وكسروان وقطع الحساب لسنة. كل هذا لا يبشر إلا بتأجيل الإنتخابات النيابية علما أن الدستور لا يعلّق إلا في إحدى الحالين: إذا كان البلد خاضعا للإحتلال أو في حال حصول انقلاب على الحكم. ولم يعد خافيا على أحد أننا بلد محتل من قبل المحور الإيراني – السوري في مقابل نهضة عربية وخليجية في وجه الغزو الفارسي”.

في عهد الإنتداب تم تعليق الدستور بقرار. يومها عمّت التظاهرات الشعبية الشوارع للمطالبة بفك الحصار عن الدستور، فما الذي تغير اليوم؟ يجيب المصدر: “مسؤولية تعليق الدستور لا تقع على السلطة وحسب إنما على المجتمع الذي يعيش انقسامات، وهنا تتظهر أهمية إعلان بعبدا الذي دعا إلى النأي بالنفس وعدم تحويل لبنان إلى منصة للصراعات الإقليمية والدولية. وعلى رغم أجواء التهدئة التي بثها الأفرقاء على الساحة الداخلية إلا أن تقاطع الكلام لجهة اعتبار حكومة لبنان اليوم حكومة حرب وعلى اللبنانيين أن يختاروا بين حكومة حرب وحكومة سلام، بالإضافة إلى اعتبار لبنان منصة لتصدير الإرهاب نحو دول الخليج من خلال “حزب الله”، كل هذا الكلام الذي يتقاطع مع تأييد الرئيس الأميركي دونالد ترامب لمواقف المملكة العربية السعودية، ينذر بأن طبول الحرب بالوكالة أو ما بات يعرف بالحرب من أجل الآخرين تهب على لبنان. نعم فزمن حروب الآخرين على أرض لبنان ولّى والحرب الجديدة يقودها مغامرون ومقامرون بعدما وصلوا إلى عنق المأزق الذي أقحموا أنفسهم ولبنان وشعبه فيه”.

دستوريا لا شيء يعيق إنجاز استحقاق الإنتخابات النيابية. وعلى هذه القاعدة يكمل حزب “القوات اللبنانية” حراكه في الشأن الإنتخابي لجهة إعلان مرشحيه تباعا من معراب وكذلك الحال بالنسبة إلى قوات الإنتشار لجهة حث اللبنانيين على تسجيل اسمائهم في السفارات لإحداث الفرق الحقيقي وتحقيق أهداف الثورة الديمقراطية التي انطلقت على عجلة قانون الإنتخابات الجديد. أما بالنسبة إلى باقي الفرقاء فالواضح أن عجلة الإنتخابات وضعت على نار هادئة بعد اعلان الرئيس سعد الحريري استقالته والكلام الذي يتردد صداه في أروقة الصالونات السياسية عن استبعاد إمكانية تكليف رئيس حكومة لتشكيل حكومة جديدة مما يعني أن عمر حكومة تصريف الأعمال سيطول ويضاعف من سوداوية المشهد نتيجة التداعيات الإقتصادية والإجتماعية.

حتمية إجراء الإنتخابات دستوريا تشوبها ضبابية لدى المشرعين في ظل تصعيد المواقف الإقليمية والدولية ضد الغزو الفارسي وأدواته في لبنان المتمثلة في “حزب الله”. المشرع الدستوري النائب السابق الدكتور حسن الرفاعي أجاب على السؤال حول إمكانية إجراء الإنتخابات النيابية ومصير الملفات الإستحقاقية التي كانت مطروحة على جدول أعمال مجلس الوزراء قبل اعلان الرئيس سعد الحريري استقالته بسؤال: “هل نحن في حالة حرب ام أن المشهد الداخلي سيكمل على ما كان عليه؟”. ويضيف: “كل المؤشرات تدل على أن الرئيس سعد الحريري لن يعود إلى لبنان في المدى القريب لعدم إعطاء “حزب الله” ومن خلاله المحور الإيراني- السوري أية حجة للضغط عليه بطريقة أو أخرى. والمملكة العربية السعودية لم تعد تتحمل الوضع الإيراني في لبنان من خلال ذراعه المتمثلة في “حزب الله”. إذا الإنتخابات النيابية مرتبطة مباشرة بالعامل الخارجي وبنية فريق من النواب ضمنا في تأجيلها أو إلغائها.

أما إذا أردنا أن نتكلم في الدستور فالنصوص واضحة لجهة إمكانية إجراء إنتخابات نيابية في ظل حكومة تصريف أعمال لأنها تندرج في إطار الأمور الضرورية. ويوضح: “الضرورة تفرض على  حكومة تصريف الأعمال في التئام مجلسها وتشريع قوانين تندرج في إطار الأمور الضرورية مثلا صرف اعتمادات وإجراء انتخابات نيابية أو فرعية… لكن السؤال الذي يطرح هل ستتمكن الحكومة من تصريف أعمالها في غياب رئيسها سعد الحريري؟ أستبعد ذلك”.

كل الأجواء حتى الساعة توحي باستبعاد حصول الإنتخابات النيابية. “بس ما فينا نقول إنو الإنتخابات طارت. كل شي مبني على تحليلات بس الأكيد إنو الرئيس الحريري لن يعود إلى لبنان إلا بعد تشكيل حكومة جديدة وهذا الأمر مستبعد ايضا ومصير الإنتخابات النيابية مرتبط بالعوامل الخارجية”. ماذا عن ملف التنقيب عن النفط والكهرباء… “هذه الملفات تندرج بدورها في إطار “الأمور الضرورية. لكنها لن تطرح في انتظار العقلاء. عدا ذلك ما حدا فايق ع الدستور”.

ما قبل استقالة الرئيس سعد الحريري لن تكون حتما كما بعدها. الكل متفق على هذه القاعدة التي شكلت مفصلا في تاريخ الحياة السياسية في لبنان. لكنها ليست المرة الأولى التي يتلقى فيها اللبنانيون صدمة بغض النظر عن توصيفها بالإيجابية أو السلبية. فبعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري راهن البعض على التداعيات التي من شأنها أن تحبط اللبنانيين وتحولهم إلى أسرى نظام الإحتلال السوري وأدواته في لبنان. فكانت انتفاضة 14 آذار التي أخرجت المحتل السوري من لبنان. قبلها كان اغتيال الرئيس الشهيد بشير الجميل وسواها من المحطات التي صبغت وجه الوطن بحبر الظلامية والإحباط. لكن إرادة المؤمنين بلبنان السيد والحر والمستقل كانت أقوى. ماذا تغير اليوم؟

إستقالة الرئيس سعد الحريري شكلت حتما محطة مفصلية في تاريخ الوطن والتداعيات المبنية عليها لا توحي بالتفاؤل لكنها ليست تشاؤمية على رغم تزامنها مع استحقاقات دستورية وأبرزها الإنتخابات النيابية في أيار المقبل. فالتعطيل صار بمثابة استراتيجية معتمدة لدى فريق المحور الإيراني – السوري في لبنان. وعلى رغم محاولة بعض القوى السياسية حماية الدولة من خلال الإلتفاف على هذا التعطيل وأبرزها لضمان مفهوم الدولة وكان أبرزها اتفاق معراب وترشيح القوات اللبنانية العماد ميشال عون لرئاسة الجمهورية وعودة الحياة الدستورية بعد انتخابه رئيسا بعد عامين ونصف العام من الفراغ الرئاسي إلا أن الداء لا يزال يعبث في مفاصلها.

من هنا جاءت خطوة استقالة الرئيس سعد الحريري على ما يقول الأستاذ الرفاعي الذي يختم “انتهى زمن المواقف الرمادية في القضايا الأساسية والتموضع في القضايا الجوهرية لم يعد مقبولا”.

 

***نص إعلان استقالة الحريري

 

 

إخواني وأحبابي أبناء الشعب اللبناني العظيم،

أتوجه إليكم بهذا الخطاب في هذه اللحظات الحاسمة من تاريخ بلادنا والأمة العربية، التي تعيش ظروفا مأسوية أفرزتها التدخلات الخارجية في شؤونها الداخلية.

فأنتم يا أبناء الشعب اللبناني العظيم، بما تحملونه من مثل وقيم وتاريخ مشرق، كنتم منارة العلم والمعرفة والديمقراطية، إلى أن تسلَّطت عليكم فئات لا تريد لكم الخير، دُعِمت من خارج الحدود، وزرعت بين أبناء البلد الواحد الفتن، وتطاولت على سلطة الدولة، وأنشأت دولة داخل الدولة، وانتهى بها الأمر إلى أن سيطرت على مفاصلها وأصبح لها الكلمة العليا والقول الفصل في شؤون لبنان واللبنانيين.

أشير وبكل صراحة ومن دون مواربة إلى إيران، التي ما تحل في مكان إلاّ وتزرع فيه الفتن والدمار والخراب، يشهد على ذلك تدخلاتها في الشؤون الداخلية للبلدان العربية في لبنان وسوريا والعراق والبحرين واليمن. يدفعها إلى ذلك حقد دفين على الأمة العربية، ورغبة جامحة في تدميرها والسيطرة عليها. وللأسف، وجدت من أبنائنا من يضع يده في يدها، بل ويعلن صراحة ولاءه لها، والسعي لخطف لبنان من محيطه العربي والدولي بما يمثله من قيم ومثل. أقصد في ذلك حزب اللهالذراع الإيرانية، ليس في لبنان فحسب، بل وفي البلدان العربية.

أيها الشعب اللبناني العظيم، خلال العقود الماضية، استطاع حزب اللهللأسف فرض أمر واقع في لبنان بقوة سلاحه الذي يزعم أنه سلاح مقاومة، وهو الموجه إلى صدور إخواننا السوريين واليمنيين، فضلا عن اللبنانيين، ولست بحاجة إلى سرد هذه التدخلات، وكل يوم يظهر لنا حجمها، والتي أصبحنا نعاني منها، ليس على الصعيد الداخلي اللبناني فحسب، ولكن على صعيد علاقاتنا مع أشقائنا العرب، وما خلية حزب اللهفي الكويت عنا ببعيد، مما أصبح معه لبنان ومعه أنتم أيها الشعب اللبناني العظيم في عين العاصفة، ومحل الإدانات الدولية والعقوبات الاقتصادية بسبب إيران وذراعها حزب الله”.

لقد قرأنا جميعا ما أشار إليه رأس النظام الإيراني من أن إيران تسيطر على مصير دول المنطقة، وأنه لا يمكن في العراق وسوريا ولبنان وشمال أفريقيا والخليج العربي القيام بأي خطوة مصيرية من دون إيران، والذي رددت عليه في حينه.

وأريد أن أقول لإيران وأتباعها إنهم خاسرون في تدخلاتهم في شؤون الأمة العربية، وسوف تنهض أمتنا كما فعلت في السابق، وستُقطع الأيادي التي تمتد إليها بالسوء، وكما ردَّت عليكم في البحرين واليمن فسترد عليكم في كل جزء من أجزاء أمتنا الغالية، وسيرتد الشر إلى أهله.

لقد عاهدتكم عندما قبلت بتحمَّل المسؤولية أن أسعى الى وحدة اللبنانيين وإنهاء الانقسام السياسي واستعادة سيادته، وترسيخ مبدأ النأي بالنفس، ولقد لقيت في سبيل ذلك أذى كثيرا، وترفَّعت عن الرد تغليبا لمصلحة لبنان والشعب اللبناني، وللأسف لم يزد هذا إيران وأتباعها إلا توغلا في شؤوننا الداخلية، والتجاوز على سلطة الدولة، وفرض الأمر الواقع.

أيها الشعب اللبناني العظيم، إن حال الإحباط التي تسود بلادنا وحال التشرذم والانقسامات وتغليب المصالح الخاصة على المصلحة العامة واستهداف الأمن الإقليمي العربي من لبنان، وتكوين عداوات ليس لنا طائل من ورائها، أمر لا يمكن إقراره أو الرضا به تحت أي ظرف، وإنني واثق من أن ذلك هي رغبة الشعب اللبناني بل طوائفه ومكوناته.

إننا نعيش أجواءً شبيهة بالأجواء التي سادت قبيل اغتيال الشهيد رفيق الحريري، وقد لمست ما يحاك في الخفاء لاستهداف حياتي.

وانطلاقا مما أؤمن به من مبادئ ورثتها من المرحوم الشهيد رفيق الحريري ومن مبادئ ثورة الأرز العظيمة، ولأنني لا أرضى أن أخذل اللبنانيين أو أقبل بما يخالف تلك المبادئ، فإني أعلن استقالتي من رئاسة الحكومة اللبنانية، مع يقيني بأن إرادة اللبنانيين أقوى، وعزيمتهم أصلب، وسيكونون قادرين برجالهم ونسائهم على التغلب على الوصاية عليهم من الداخل أو الخارج.

وأعدكم بجولة وجولات مليئة بالتفاؤل والأمل بأن يكون لبنان أقوى مستقلا حرا، لا سلطان عليه إلا لشعبه العظيم، يحكمه القانون ويحميه جيش واحد وسلاح واحد.

أشكر كل من تعاون معي ومنحني الثقة.

عاش لبنان سيدًا حرًا مستقلاً، وعاش الشعب اللبناني العظيم.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

 

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل