بيار بو عاصي مناضل وزير… وسعادة النائب؟ جايي الإيام

كتبت فيرا بو منصف في مجلة “المسيرة” العدد – 1636

قبل أن يُعيّن وزيرا للشؤون الاجتماعية، لم نكن نعرف لا بيار بو عاصي ولا حتى تلك الوزارة التي كنا نراها في مكان ما وزمن ما، غير مهمة! قبل ان يُعّين وزيرا عن «القوات اللبنانية» في حكومة الرئيس سعد الحريري التي صارت «سابقة»، لا بد ان الرجل حمل في تاريخه الكثير الكثير مما يجب أن يكون عليه مسؤول آت من حضن «القوات» الى حضن مركز وزاري، وأول ذاك الكثير، النزاهة والشفافية والصلابة، وتلك الثورة الهادفة الى التغيير في اتجاه الأفضل بالتأكيد، دخل الوزير بيار بو عاصي وزارة الشؤون الاجتماعية، فصارت وزارة الإنسان في لبنان، أكثر من ذلك، صارت وزارة سيادية بامتياز تحوّل معها الوزير الى ما يشبه الرمز في نشاطه غير الاعتيادي، ومشاريعه التي نقلت الوزارة من رتابة التوصيف وشقعة الملفات العالقة، الى خلية نحل حقيقية ما انتجت حتى اللحظة الا الكثير من النحل. بيار بو عاصي ايهما أجمل، المقاوم أم «معالي» الوزير؟!

لا إجابة مباشرة على سؤال مماثل إذ لكل مقام مقال، حين كان بو عاصي مقاوما كان يجب ان يكون كذلك «السؤال لازم يكون كيف الواحد ما بيروح ع المقاومة والبلد غرقان بالاحتلال» يقول، خريج مدرسة الفرير المون لاسال، لم يكن ليغيب عما يجري في وطنه، كان في صلب معاناة الشعب الغارق بالظلام، عاش في الملجأ كما كل الناس، تجرّع كؤوس الخوف على الأرض والوطن والغضب من الاحتلال كما كل اللبنانيين الأحرار، لم يصبر كثيرا ليكون مع من يجب ان يكون ليعبر من الخوف على الوجود المسيحي اللبناني الى الدفاع عن هذه القيمة الوطنية التي لا تضاهى، ولما صار في الجامعة قرر ان الحياة لا تكتمل هنا في أروقة العلم ما لم يتزاوج العلم مع الحرية، ولا حرية طالما الاحتلال يزرع دروب الكرامة بالذل والمهانة. فتحول طالب الحقوق في جامعة القديس يوسف الى مقاوم، شارك في تأسيس معهد بشير الجميل في غوسطا، ولما تعرّف في العام 1984 الى سمير جعجع، التزم لاحقا وبشكل رسمي في حزب «القوات اللبنانية»، وانضم الى نضال المقاومين. «كان بلدي محتل وكان لازم نعمل شي، والسؤال كان مين لازم يواجه وشو لازم ينعمل؟ والجواب عندي كان إنو هيدي بلادي وأرضي وأقل ما يجب إنو دافع عنها بهيك ظروف» يقول بو عاصي الذي أخذت منه المقاومة سنين طويلة من حياته كشاب في بداية عمره، ترك كل جنون الحياة ومغرياتها بالنسبة لشاب في مقتبل الحياة، لبس الزيتي وصار الضابط المنضوي تحت راية الدفاع عن الأرض. ألم يندم لحظة على سنين ضاعت من عمره؟ «بالعكس، المقاومة بتعطي معنى وقيمة للحياة، المقاومة فعل بناء وطن وخدمة مجتمع، المقاومة نضال لأجل الكرامة. وبالعكس لو ما عملت هيك كانت فعلاً سنيني ضاعت» يقول بو عاصي.

طال زمن الحرب، استشهد كثر، دخل الوطن في نفق خطير خطير، صارت الأرض بكاملها في فم الأسد، أحكم الاحتلال السوري قبضته العسكرية والأمنية على مفاصل البلاد كافة، كان العام 1991، قرر بو عاصي مغادرة البلاد، الى هناك الى فرنسا أرض الحرية والثقافة والانفتاح وحيث كانت تقيم عائلته، علم ان ما عاد بإمكانه ان يكون ذاك المناضل الحر لأجل قضيته في لبنان، قرر ان ربما هناك خلف الحدود يصرخ باسم بلاده وحريتها، وما عجز عن استكماله في لبنان بسبب الحرب ومسؤولياته العسكرية، عاد واستكمله في فرنسا ودخل الجامعة من جديد وتخصص في إدارة الأعمال، وتحوّل المناضل العسكري الى رجل أعمال ناجح إذ تسلّم إدارة  العديد من الشركات الكبيرة. «بفرنسا كانت حالة من الانسلاخ عن الوطن، وعن جزء مرتبط بشخصيتي وبمواطنيتي، فرنسا حلوة كتير لكن هاجس الهوية والوطن كانوا أكبر بكتير من هالحلا وهالحرية بعيدا عن لبنان، هاجس الوطن أكبر من إنو نفسرو. هيدا إحساس منعيشو بداخلنا بجوارحنا وما إلو تفسير، مشاعر تتخطى التطور الفكري او التفسير المنطقي لأن إلو علاقة بالوجدان. لبنان سكن فيي بالغربة يمكن أكتر من وقت لـ كنت عايش فيه» يقول بحنين كبير بو عاصي الذي أمضى عشرين عاما في بلاد الاغتراب، لكن المسافات البعيدة عن أرض الوطن، لم تجعل الوطن يغيب عن نضاله، هو ضمير الأوفياء حين يلبي ذاك النداء الملح الى الحب، فبقي بو عاصي كما كان هنا، ذاك المقاوم في صلب «القوات اللبنانية» وترأس منسقية فرنسا ومثّل «القوات» على أكثر من صعيد، وفيما كان الاحتلال السوري يقمع الأحرار في لبنان، ويعتقل الطلاب والمطالبين بسيادة لبنان، وعلى رأسهم الحكيم، حمل بو عاصي بيرق الوطن ونزل شارع العالم وأعلن ثورته على قوى الأمر.

اعتقل الحكيم، تحرر الحكيم، خرج الاحتلال السوري من لبنان، ودارت الأيام دورتها الكبيرة المستحيلة، ليعود الواجب ويناديه الى موطن قلبه لبنان، فعاد المناضل الى بلاده في العام 2011، ليتسلم إدارة جهاز العلاقات الخارجية في حزب «القوات اللبنانية»، ولينقل الجهاز الى فورة عمل ونشاط استثنائي على مستوى السفارات وعواصم القرار.
خمس سنوات عبرت على المناضل المجتهد الصامت المثابر في جهاز العلاقات الخارجية، لكن كان لا بد ان يخرج الرجل الى رحاب أوسع يظهر إمكانياته الكبيرة، إذ قرر الدكتور سمير جعجع ان ينقل خبرة بو عاصي من أروقة الحزب الى مكاتب الدولة اللبنانية، اختيار ما كان ليتوقعه يوما بو عاصي، إذ أصبح بتاريخ 18/12/2016، وزيرا للشؤون الاجتماعية في أول حكومة في عهد الرئيس ميشال عون ورئيس وزرائه سعد الحريري.

«ما توقعت ولا يوم إني كون وزير خصوصا أني ما سعيت يوما لأي منصب، وبعتبر هالمنصب فخر كبير إلي ولكنه بذات الوقت هو وسيلة لتحقيق الدولة القوية من جهة، والتخفيف من معاناة الناس من جهة تانية»، لكن ما لم يقله الوزير النشيط ان  منذ تعيينه، تحولت تلك الوزارة التي كانت منسية نوعا ما، الى وزارة سيادية بامتياز، أدخل إليها مفهوما جديدا للعمل الاجتماعي الإنساني، إذ  تماهى مع أوجاع الناس ورفع من شأن معاناتهم ليصبح الإنسان في العمل الوزاري هو القيمة المضافة، إذ وضع الإصبع على عمق عمق معاناتهم، نزل الى الشارع، جال على أماكن الفقر والعوز واللاجئين، التفت الى كرامة المسنّ وحقوق الطفل والمرأة والمعوقين، فتح الملفات الساخنة على مصراعيها غير ملتفت الى الأصوات التي اتهمته بالقسوة حين تصدى للبطالة المقنعة عبر التوظيف العشوائي في بعض المشاريع، وذلك لإقفال أبواب الهدر الكبير الذي كان ينخر مقدرات الوزارة  ويعيق تقدمها.

«هيدي أروع وزارة لأن بالنسبة إلي العمل الحكومي مرتبط بالخدمة التي نقدمها للناس، وهذا ما نفعله في الوزارة، الناس هني بركة مجتمعنا وما في أجمل من التعاطي المباشر معهم وحل مشاكلهم» يقول بو عاصي الذي ينكب على الكثير من مشاريعه العالقة، والتي شملت كل الناس وكل الفئات متعاونا مع أهم المؤسسات الدولية والمحلية والذي في فترة لم تتجاوز السنة، تحولت وزارة الشؤون الاجتماعية معه وزارة الإنسان.

لم تنتهِ التفاصيل بعد، فوزير الإنسانية، الصلب المثابر العنيد في مبادئه وقيمه، هو الآن على أهبّة الدخول الى مرحلة جديدة من خلال ترشيحه للنيابة على المقعد الماروني في بعبدا، أهو مستعد لمرحلة مماثلة؟ «طبعا مستعد لكن يجب ان نخوض المعركة بكثير من التواضع وواقعية ويكون تواصلنا مع الناس مستمرًا ونكون قد حزنا على  ثقة الناس بنا من خلال شفافيتنا بالعمل الوزاري، لأن بتعرفي إنو ما فينا نتكل على أمجاد الماضي، وكما الوزارة تطال شؤون الناس كمان العمل التشريعي يصب بصلب مشاكلهم وتطلعاتهم لمستقبل أفضل للبلد، وأنا على ثقة بخيارات الناس وبخيار حزبي أيضا».

هي معركة سيخوضها الوزير الشجاع، الذي لا يخفي حبه للموسيقى والفنون بشكل عام، الذي لا يتردد عن شبك الأيادي للدبكة على النغمات اللبنانية الأصيلة التي يعشق «بحب كتير وديع الصافي وفيروز وصباح وخصوصا زكي ناصيف وفيلمون وهبي، وبحب كمان الست ماجدة ووائل كفوري ل حبيتو كتير بمهرجانات الأرز الدولية، ما في أجمل من التراث اللبناني».

يذهب الوزير ليكتب في مسيرته المزيد من نوتات النجاح تلك، حسبه أنه وزير من «القوات» لكل لبنان، حسبه ربما ان يكون نائبا من «القوات» لكل اللبنانيين، حسبه تلك الشفافية والنزاهة، حسبه وتلك القيمة المضافة، ان تكون مناضلا لأجل قيم الوطن، والأيام لا تكون آتية إلا لرجال مماثلين، بيار بو عاصي.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل