.jpg)
بات التّصعيد سيدَ السّاحات ومن دون آفاق واضحة، إجلاء رعايا، وتصريحات ناريّة تخضّ مضاجع الذين أسقطوا تسويات الأمس يوم كان الرّئيس الحريري على أهبة الدّخول إلى البيت الأبيض. ويدّعون محبّته ويطالبون بعودته. والأدهى يذرفون دموع التّماسيح على غيابه، بينما لو كان كلّ هؤلاء يريدونه في لبنان لانسحبوا من أزمات المنطقة ليبقى لبنان.
كلّ هذه الأزمة مردّها سبب واحد ألا وهو: تعليق وجوديّة الدّولة اللبنانيّة لحساب دويلة “حزب الله”، التي تقضم سيادتها وتجرّها إلى أزمات المنطقة. باستطلاع بسيط لآراء مناصري الثامن من آذار، هؤلاء النّاس خطابهم واحد مبني على إخبارات الأخبار المدسوسة من قبل إعلامهم “الأصفر” الذي يحرف أنظار النّاس عن القضيّة الأساس. هذا الإعلام الذي لم ينفكّ منذ لحظة الإستقالة على ضربها باجتهادات دستوريّة بالية وساقطة أساسًا. حتّى تحوّل إلى عودة الرّئيس الحريري من خلال أبواقه الرّنانة التي ظهر حبّها فجأة لدولة الرّئيس بعد أن كانوا يتهدّدونه شخصيًّا في الماضي القريب.
القضيّة الأساس اليوم ليست عودة أو بقاء الرّئيس الحريري خارج لبنان، بل القضيّة الأساس هي انسحاب “حزب الله” من أزمات المنطقة وانضوائه تحت شرعيّة الدّولة اللبنانيّة من دون أيّ ولاء خارجيّ. وفكّ أسر الدّولة اللبنانيّة وعدم تعليق سيادتها لحساب سيطرته بقوّة سلاحه غير الشّرعي، الذي ما عدنا نعرف متى سيتخلّى عنه. فهذا هو السّبب المباشر الذي دفع الرّئيس الحريري إلى الإستقالة. فلبنان الدّولة بات في أزمة مع الجمهوريّة الإسلاميّة وليس مع المملكة العربيّة السّعوديّة. واستطرادًا إذا استمرّ الأمر على هذه الحال، ستتحوّل أزمة لبنان إلى أزمة مع المجتمع الدّولي المناهض لتدخّلات إيران وميليشياتها في دول المنطقة.
من هذا المنطلق، الرّئيس الحريري سار بحسب روحيّة حركة 14 آذار التي إن اختلف الأمر في تنظيمها الإداري، إلا أنّ المبادئ والنّهج الذي قامت عليهما ما زالا يقضان مضاجع الزّاحفين على أبواب الفرس وبادية الشّام. هذه الرّوح التي بدأت بحلم ال 10452 كلم 2 يوم صار للشّهادة فخامة، حتّى 14 شباط 2005 يوم صار للشّهادة دولة. وعندما تلتقي الفخامة مع الدّولة عندها فقط يقوم لبنان. وهذا ما يحصل اليوم.
تمنيّات “حزب الله” بالسّيطرة على كلّ الدّولة اللبنانيّة، وببعث نظام البعث في سوريا من جديد، وبسيطرة الحشد الشّعبي في العراق الحبيب، والحوثيّ المتمرّد في اليمن، والبحرين الجريح، والكويت المغدور واللائحة طويلة وقد تطول بعد مع الأيّام السّوداء القادمة، كلّ هذه التمنيّات هي بحدّ ذاتها خطيئة تجاه الوطن العربي. لقد دفعنا أذكى الدّماء في لبنان لنثبّت عروبته في اتّفاق الطّائف، وبالتّالي لسنا مستعدّين لا اليوم ولا أيّ يوم للخروج من هذه الهويّة التي تمثّل أغلبيّة الشّعب اللبناني. من هنا، من لا يشعر بهذا الإنتماء فله ملء الحريّة في تغييره لكن على حسابه الشّخصي وليس على حساب الهويّة اللبنانيّة.
هذه خطيئة جديدة تضاف إلى سجلّ “حزب الله”، وسلسلة الخطايا هذه ابتداءً بحرب الإقليم وبيروت الغربيّة مع أهل بيته حركة أمل، وصولا إلى مقولته الشّهيرة: “لو كنت أعلم” التي كلّفت لبناننا المزيد من الضّحايا، حتّى السّابع من أيّار 2008، واجتياحه بيروت وتعدّيه على خصوصيّة الجبل، حتّى اسقاطه حكومة الرّئيس الحريري ومشاركته في الحرب السّوريّة وأسره الدّولة. من دون إغفال اتّهام أهمّ قيادته من قبل المحكمة الدّوليّة بقضيّة اغتيال الرّئيس الشّهيد رفيق الحريريّ. كلّها خطايا ارتكبها الحزب. وحدها ستقضي عليه إن لم يعد قراءة التّاريخ ليصوّب أداءه نحو الدّولة وليس عليها. وإنّ غدًا لناظره لقريب جدًّا سيكون.