دعم أميركي واضح للمواجهة ضدّ إيران… واشنطن: الحريري كان شريكاً قويًا في بناء الدولة

 كتبت المسيرة – واشنطن – العدد 1636:

تسارعت التطورات في المنطقة بفعل ارتفاع وتيرة التوتر بين إيران والسعودية، على أكثر من جبهة بدءاً من اليمن ووصولاً إلى لبنان. ومع تجاوز طهران للخطوط الحمر في حدود علاقاتها المتوترة أصلاً مع دول الخليج، عبر استهداف العاصمة السعودية بصاروخ باليستي بعد يوم فقط من إعلان رئيس الحكومة سعد الحريري استقالته من رئاسة الحكومة وتصعيد حملته ضدّ إيران من الرياض بالذات، تحرّكت واشنطن على خط تأكيد دعمها للسعودية في ما تقوم به من إجراءات لمكافحة الفساد في الداخل، وفي مواجهتها المفتوحة مع إيران. وعبر هذا الدعم المزدوج لم تشأ الولايات المتحدة الإطلالة المباشرة أو حتى الرسمية، على قرار استقالة رئيس الحكومة إلا من زاوية رفضها للدور الإيراني في لبنان والمنطقة، من دون أن تدخل في السياق الداخلي اللبناني وما ستؤول إليه الأوضاع على صعيد تشكيل حكومة جديدة أو بقاء الحكومة الحالية في وضع تصريف الأعمال.

لم ينتظر الرئيس الاميركي دونالد ترامب انتهاء رحلته الطويلة إلى عدد من الدول الآسيوية، بل أطلّ عبر حسابه الخاص على موقع «تويتر» ليُبدي ثقته الكبيرة بحملة مكافحة الفساد التي اطلقتها السلطات السعودية واعتقلت خلالها العشرات من الأمراء والشخصيات السياسية والاقتصادية في المملكة، مؤكدا ان هؤلاء ابتلعوا ثروات البلد على مدى سنوات. ووفق لهجته الجريئة والمباشرة في آن برّر ترامب ما يقوم به الملك السعودي وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، مشيراً إلى أن «بعضا ممن يعاملانهم بقسوة حلبوا بلدهم على مدى سنوات»، في إشارة صريحة منه إلى حجم الثروات الطائلة التي جناها الموقوفون السعوديون، وبعضهم ممن لديه أعمال كثيرة في الولايات المتحدة ولا سيما الأمير الوليد بن طلال. ويعتبر هؤلاء المراقبون أن الموقف الأميركي الحازم في تأييد الملك وولي عهده ينطلق من الشراكة السياسية والعسكرية والاقتصادية التي أرستها إدارة ترامب الحالية مع العهد السعودي الجديد، ووصفوها بأنها مرحلة أولى في الحملة وهي الأحدث ضمن سلسلة خطوات كبرى اتخذها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان لتعزيز نفوذ السعودية على الساحة الدولية وزيادة سلطاته داخليا. إلا أن الأجواء تشير إلى أن واشنطن تتابع مجريات الأوضاع في السعودية عن كثب من منطلق الحرص على الاستقرار الداخلي في المملكة ودعمها بشكل كبير في المواجهة المفتوحة مع إيران، وتبعاً لذلك فإن هذه المتابعة ستشمل محاور عدة:

أولاً: قطاع الطاقة

فتحت الشراكة الأميركية السعودية التي أعلنت في أعقاب الزيارة التاريخية للرئيس ترامب إلى السعودية الباب واسعاً أمام تنسيق دائم ومستمر بين البلدين، ولا سيما في ضوء حجم هذه الشراكة التي بلغ رأسمال استثماراتها نحو أربعمئة مليار دولار، وعلى هذا الأساس ينطلق الحرص الأميركي الشديد على ضمان استقرار المملكة في الداخل والخارج من واقع الحفاظ على المصالح الأميركية أيضاً في الداخل والخارج، كون الاتفاقات الموقعة بين البلدين إثر زيارة ترامب تحتاج إلى سنوات لكي تتحقق. ويبدو الاهتمام الأميركي واضحاً بقطاع الطاقة كونه المجال الاستثماري الضخم الذي يدر الأموال المؤكدة، من هنا جاءت مطالبة ترامب مباشرة للملك سلمان، بان تختار الرياض بورصة وول ستريت لطرح أسهم مجموعة النفط السعودية العملاقة «أرامكو» المقرر في 2018.

وكانت المجموعة السعودية قد أعلنت في أواخر تشرين الأول ان هذه العملية، التي قدمت على أنها اضخم إدراج في البورصة في العالم، ستتم في النصف الثاني من العام 2018، ويتوقع ان تنتج عائدات تصل الى الفي مليار دولار

وتشكل هذه الخصخصة الجزئية التي تقضي ببيع 5 في المئة من «أرامكو» حجر الزاوية في مشروع إصلاحات طموح أطلقه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان للحد من اعتماد اقتصاد المملكة على النفط.

ثانياً: على صعيد التغييرات الداخلية

يعتبر المراقبون أنهم تفاجأوا بقدرة ولي العهد السعودي، وبخطواته السريعة في أن يزيح فعليا من أمام تسلمه العرش السعودي لاحقا منافسيه المعارضين وكل مصادر المعارضة المحتملة، سواء أكانت دينية أم إعلامية أم سياسية أم عسكرية، وفي حين يحظى هذا التوجه بدعم أميركي واضح وتنسيق شبه دائم خصوصاً في ضوء بقاء صهر الرئيس ومستشاره جاريد كوشنير على اتصال مع القيادة السعودية حيث زار الرياض قبل نحو أسبوع وتحديداً قبل قرارات مكافحة الفساد التي أصدرتها القيادة السعودية، إلا أن المراقبين يعتبرون أن خلق الكثير من الأعداء في وقت واحد يشكل مخاطرة على المدى المتوسط والبعيد، وتتوقف هذه المصادر في هذا السياق عند خطوة توقيف الأمير متعب بن عبدالله الذي أقيل من منصب وزير الحرس الوطني وهو أحد مراكز القوى الرئيسية التي لديها جذور عميقة وعلاقات واسعة مع قبائل المملكة، وهذا القرار أعاد التذكير بقرار مماثل اتخذه الملك سلمان في حزيران الماضي بتعيين ابنه الأمير محمد وليا للعهد بدلا من ابن عمه الأمير محمد بن نايف الذي أعفي أيضا من منصب وزير الداخلية. وقد حذر مسؤول كبير سابق في المخابرات الأميركية من أنه نظرا للولاءات في الحرس الوطني فإن ولي العهد قد يواجه ردّ فعل قويا على خطوته.

ووفق هؤلاء المراقبين فإن القرارات الأخيرة ستعزز سيطرة الأمير محمد على الأمن الداخلي والمؤسسات العسكرية في المملكة التي تسيطر عليها منذ زمن بعيد أفرع مختلفة من العائلة الحاكمة.

لكن هؤلاء يعتبرون أن هناك تداعيات سلبية قد تحدث على المستوى الإقتصادي والإستثمارات السعودية، ولا سيما لجهة إقالة وزير الاقتصاد السابق عادل فقيه ورجال أعمال بارزين منهم الأمير الوليد بن طلال الذين كان يعتبر البعض أنه يمكن التعويل عليهم في إنعاش القطاع الخاص وتنويع موارد الاقتصاد بحيث لا يعتمد على قطاع النفط وحده. ورأى الخبراء أن مثل هذه الخطوات تتعارض مع الهدف طويل الأمد للاستثمار الأجنبي والمزيد من الاستثمار المحلي وتقوية القطاع الخاص.

ثالثاً: استقالة الحريري ومواجهة إيران

جاءت إستراتيجية إدارة ترامب بالتصدي لإيران بفاعلية أكبر في المنطقة. بمثابة نقطة إرتكاز رئيسية أخرى في تعزيز العلاقة مع السعودية بشكل خاص ومع دول الخليج بشكل عام وهي التي كانت تطالب إدارة الرئيس السابق باراك أوباما بسياسة أكثر حزما تجاه إيران ، وأصبحت الولايات المتحدة والإدارة الحالية ضمن  وجهة نظر واحدة مع المملكة السعودية من أجل العمل على تطويق دور إيران المزعزع لاستقرار المنطقة عبر عدد من الوكلاء في دول منها لبنان وسوريا واليمن.

وفتح تطور الأحداث في اليمن من خلال إطلاق الصاروخ الإيراني البالستي على الرياض باب الصراع على مصراعيه لأنه عندها أيقن كل من الأميركيين والسعوديين مدى حجم خطورة إيران، وعلى هذا الأساس يأتي خطاب إستقالة سعد الحريري من الحكومة متضمناً أقصى التعابير في الاستهداف السياسي ضدّ إيران، وذلك في توجه واضح لرفع أسقف المواجهة مع إيران ووكلائها.

وتوقفت المصادر المراقبة في واشنطن عند تزامن حدثي استقالة الحريري وإطلاق الصاروخ على الرياض، حيث سيرفع هذا التزامن من احتمال وقوع تصعيد، ولربما توجيه ضربة ما ضد «حزب الله» أو ضد إيران أو ضد الإثنين معاً.

ومع ذلك تلاحظ المصادر أن واشنطن نأت بنفسها عن تطور الأحداث بشقها اللبناني البحت أي لجهة إستقالة الحكومة، فإكتفى مسؤول رسمي بالتعليق المقتضب لجهة قوله إن واشنطن تتابع تطورات الوضع في لبنان، معتبراً أن الحريري كان شريكا قويا في بناء مؤسسات الدولة الوطنية القوية والحرب على الإرهاب .وأضاف هذا المسؤول ان الولايات المتحدة تتوقع عملية سياسية منظمة في لبنان وستظل داعمة للمؤسسات الشرعية للدولة اللبنانية في حين توقفت مصادر أخرى عن موقف الحريري التصعيدي ضدّ إيران وهو ما لم يسمعه الرئيس ترامب من رئيس الحكومة عندما استقبله في البيت الأبيض.

اتفاقيات أرامكو

كان رئيس شركة النفط السعودية «أرامكو»، أمين الناصر، أعلن بعد انعقاد آخر اجتماع للمنتدى السعودي الأميركي للرؤساء التنفيذيين للشركات، تحت شعار «شراكة للأجيال»، توقيع الشركة 16 اتفاقية مع 11 شركة أميركية لدعم فرص النمو التجاري المشترك والقيمة المضافة تقدر بـ50 مليار دولار وتوفير فرص عمل كثيرة.

وضمن الاتفاق مع «جنرال إلكتريك»  «GE»، وقعت «أرامكو» معها مذكرة تفاهم لإجراء تحّول رقمي لعمليات أرامكو السعودية، بهدف توفير 4 مليارات دولار أميركي في الإنتاجية سنوياً، بالإضافة إلى توقيع مذكرة تفاهم أخرى لإجراء دراسة جدوى لاستثمار أوسع نطاقاً في قطاع النفط والغاز.

وأعلنت شركة «موتيفا إنتربرايزز» التي تملكها «أرامكو «السعودية، عن توظيف استثمار ضخم في الولايات المتحدة تبلغ قيمته 12 مليار دولار، مع إمكانية وصول الاستثمار إلى 18 مليار دولار بحلول 2030. وسيعزز الاستثمار أعمال منشأة «بورت آرثر» في ولاية تكساس الأميركية، وهي أول منشأة لتكرير وتسويق النفط ذات ملكية سعودية كاملة في الولايات المتحدة. وتشهد هذه الاتفاقية استثماراً جديداً في زيادة قدرات مصفاة «بورت آرثر» وتوسيع عمليات «موتيفا إنتربرايزز» في قطاع البتروكيماويات في أميركا.

ووقعت «أرامكو» مع شركة «روان» مذكرة تفاهم لإنشاء شركة حفر بحري في السعودية، وبدء تصميم واختيار الحفارات البحرية ضمن استثمار يقدر بـ7 مليارات دولار على مدى 10 سنوات، لإقامة مشروع مشترك مملوك مناصفة لامتلاك وتشغيل وإدارة منصات الحفر البحرية في المملكة.

كما وقعت «أرامكو» مع شركة «نابورس» مذكرة تفاهم لبحث آفاق تطوير وتحسين أعمال الحفر البري ضمن مشروع مشترك سيشهد استثمارات تبلغ 9 مليارات دولار على مدى عشر سنوات.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل