الوضع المالي ممسوك والليرة ثابتة… النشاط الاقتصادي سيتأثر سلبًا ولكن لا داعي للهلع

كتب سيمون سمعان في “المسيرة” – العدد 1636:

المخاوف التي سرت بعد إعلان الرئيس سعد الحريري استقالته من رئاسة الحكومة، لم تأتِ من فراغ. فاللبنانيون الذين توسموا خيرا مع انطلاق مؤسسات الدولة من جديد، خيبت آمالهم عقبات ونكسات عديدة تلاحقت على مدى الفترة الماضية، وما كانت التطورات الأخيرة إلا تتويجا لمسار إقتصادي مرتبك لم ينعم بالدفع الكافي لانطلاقة حقا واعدة. والأسئلة المصيرية التي ارتفعت، مثّلت أبلغ تعبير عن حجم المخاوف على أكثر من صعيد وحول ما يمكن أن ينتج عن ذلك من تداعيات سياسية واقتصادية وربما أمنية، خصوصا أن الجميع كانوا بدأوا التخطيط للمستقبل الواعد بنمو إقتصادي بعد انطلاق عهد جديد. فهل المخاوف في مكانها حقا؟ حاكم مصرف لبنان رياض سلامة طمأن إلى متانة الوضع النقدي. فإلى ماذا استندت التطمينات ليركن اللبنانيون حقا إلى أن لا خوف على الليرة ولا لزوم للهلع؟

جاءت استقالة الرئيس الحريري في قمة مسار متلبد من الأزمات الصغيرة ولكن المتلاحقة. حتى ما اعتُبِر إنجازات في الفترة الماضية كسلسلة الرتب والرواتب، دفع اللبنانيين إلى القلق من الأعباء التي ستلقيها عليهم الضرائب، أو من التضخم أو انحدار الوضع لما وصلت إليه اليونان مثلا من بلوغ حافة الإفلاس. أزمات أخرى ساهمت في الخوف المتراكم مثل الخلافات السياسية والتوترات الأمنية، وسط وضع إقليمي مضطرب ومؤشرات ليس فيها ما يخفف من حدة القلق القائم أو يزيل بعض المخاوف.

وسط هذه المعمعة، ربما يكون الأمر الأبرز الذي أجمع عليه الخبراء هو أن التداعيات الناتجة عن إستقالة الرئيس الحريري، أو المنتظرة من جرائها، ليست وليدة الإستقالة بعينها، بقدر ما هي خلاصة تلك التراكمات السلبية وتضافر العوامل الطاردة للإستثمار والإزدهار والنمو الإقتصادي. ويقول هؤلاء إن الإستقالة كانت نتيجة احتقان الوضع واعتماد سلوكيات غير سليمة عطّلت كل أسباب النمو، وليست هي المسبب لذلك. لكن في الوقت نفسه فإن أهمية هذه النقطة، في أنها جعلت الكوب يفيض، حاجبة بعض ما كان تبقّى لدى اللبنانيين من أمل في غد أفضل، ما أطلق العنان للتكهنات حول مستقبل الوضع الإقتصادي وثبات الليرة، وغيرها الكثير من المخاوف والهواجس، التي لم يتأخر المعنيون في تأكيد التطمينات في شأنها.

الليرة ليست في خطر

حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، أكد استقرار سعر صرف الليرة أمام الدولار الأميركي بعد الاستقالة المفاجئة للرئيس سعد الحريري. وقال في بيان «إن الأزمة السياسية والحكومية تسببت باستفسارات عن مستقبل الليرة»، مشيرا إلى أن «سياسة تثبيت سعر صرف الليرة أمام الدولار التي ينتهجها المصرف هي لمصلحة لبنان وتحظى بإجماع داخلي». وأضاف أن «الامكانات متوافرة بفضل الهندسات والعمليات المالية الاستباقية التي أجراها مصرف لبنان، وكذلك التعاون مع القطاع المصرفي بما هو لمصلحة لبنان واللبنانيين والاستقرار النقدي».

هذه التطمينات السريعة والواثقة، أشاعت جوّاً من الركون وهدّأت النفوس، من دون أن تلغي بعض التساؤلات مثل، إلى متى سيكون المصرف المركزي قادرا على تحمّل المزيد من الضغوط؟ وما هي حيثية التطمينات التي تجعل المواطنين يتعاملون مع الوضع بثقة على أنه «ممسوك»؟ وماذا إذا انزلق الوضع عموما إلى سيناريوهات أكثر سوداوية وماذا عليهم اليوم أن يفعلوا لتدارك الأسوأ وترتيب أمورهم؟

طبعا هذه المخاوف في محلها ومبررة، يقول مصدر مسؤول في المصرف المركزي. لكن تطمينات الحاكم والمسؤولين في القطاعات المالية والنقدية، هي أيضا في محلها ومبررة وليست للتطمين المعنوي والنفسي فقط، بل إنها تستند إلى قواعد مالية ونقدية تؤكد ما أعلنه الحاكم سلامة، ويجب أن تكون كافية لجعل اللبنانيين يركنون إليها. ويعلم اللبنانيون أن البلد مر في ظروف كثيرة قاسية وتمكّن من اجتيازها، ولماذا الإفتراض أن الوضع اليوم أكثر سوءا أو أن المسؤولين أقل كفاءة لإدارة الأزمة؟! وأعطى مثالا «أقله خلال العقد الماضي تعرّض لبنان إلى هزات كبيرة وخرج منها معافى، ففي العام 2005 قلق اللبنانيون على مصير النقد والإقتصاد بعد زلزال اغتيال الرئيس رفيق الحريري، في ظروف قاتمة لم يشهد لبنان لها مثيلا، لكن البلد عبر الأزمة بأقل خسائر ممكنة». وأضاف: «وخلال تلك الفترة شهد لبنان فراغا حكوميا ثم فراغا رئاسيا وتداعيات أزمات المنطقة مع ما رافقها من اضطرابات أمنية في الداخل، وأيضا خرج منها بنجاح. من هنا مصدر الوثوق بأن الوضع تحت السيطرة ولا داعي للخوف».

وبسؤاله عن الأرقام لناحية الإحتياطيات بالعملات الأجنبية أو الودائع أو غيرها ما يضفي ثقة أمتن على التطمينات، أشار المصدر المذكور إلى أنه وبالمقارنة مع فترات سابقة فإن احتياطي مصرف لبنان من العملات الاجنبية ارتفع من مليار دولار في مطلع التسعينات الى 43 مليار دولار حاليا من دون احتساب قيمة الذهب الموجود لديه، وهو ما يدعم تثبيت سعر صرف الليرة. وهذا الاحتياطي أكثر من كافٍ لمواجه ظروف أكثر حدّة مما نواجهه اليوم. إضافة الى الكميات الموجودة لدى المصارف اللبنانية التي يمكن أن تجيّر كلها في سبيل المحافظة على الليرة. علما أنه لا توجد استحقاقات داهمة للقطاع المصرفي اللبناني الذي يملك 208 مليارات دولار كودائع في مصارفه. وعليه فالمصرف المركزي تمكن من تجنيب لبنان واقتصاده ازمات كبيرة خلال السنوات الـ20 الماضية، ومكّن القطاع المصرفي اللبناني من أن يكون القطاع الوحيد في العالم الذي تجنب الخسائر في العام 2008 خلال الأزمة المالية العالمية. بل إن موجودات القطاع المصرفي ارتفعت من 13 مليار دولار الى اكثر من 200  مليار دولار في نهاية العام 2016.

المصدر في المصرف المركزي شدد على أهمية بعض المؤشرات ومنها:

النمو في الودائع المصرفية الذي بلغ 9،6 في المئة على اساس سنوي.

عودة ميزان المدفوعات الى التوازن.

النمو في موجودات مصرف لبنان بالعملات الاجنبية.

الاستقرار في سعر صرف الليرة اللبنانية تجاه الدولار الاميركي.

والاستقرار في بنية الفوائد بنسبة نمو تقارب الـ 5،2 في المئة قابلة للتحسن خلال العام 2018.

أما لناحية إحتياطي الذهب فالمعلوم أن لبنان حصد المرتبة الثانية عربيا والـ 18 عالميا حيث بلغ هذا الإحتياطي نحو 286,8 طناً في نهاية حزيران 2016 بقيمة إجمالية بلغت حوالى 13,7 مليار دولار. ويشكل هذا الإحتياطي نحو 24 في المئة من نسبة الذهب إلى إجمالي إحتياطي مصرف لبنان. وفي تفصيل أوضح فإن قيمة هذا الإحتياطي كانت في العام 1997 حوالى 2,7 ملياري دولار بحجم بلغ 287 طنا.

بين القلق والتطمين

لكن خارج أرقام مصادر مصرف لبنان كيف يقرأ خبراء الإقتصاد ارتدادات الإستقالة ومستقبل الوضع؟

في حين يوافقون الرأي الصادر عن مصرف لبنان، يميّز خبراء الإقتصاد بين مستويين من التأثيرات التي سيتلقاها لبنان في المرحلة المقبلة. ويرون أنها ستزداد أو تنقص بحسب مجريات الأزمة وطرق معالجتها، وأيضا ما يتصل بها على المستوى الإقليمي. الشق الأول يتعلق بالوضع النقدي. وقد أبدوا اطمئنانا لناحية انتفاء إحتمال تعرض الليرة لأية مخاطر، داعين الجميع إلى عدم الهلع والأخذ بالشائعات التي تكثر في مثل هذه الظروف «فالقواعد متينة وثابتة». واعتبروا أن ما يقوم به مصرف لبنان موضع ثقة وبالتالي فلا ضرورة للقلق أو لطلب الدولار.

الشق الثاني الذي برأيهم لا بد إلا أن يتأثر، هو الإقتصاد. ويشيرون إلى أن الإقتصاد كما هو معروف يقوم على ركائز متعددة ومتكاملة منها الصناعة والتجارة والإستثمارات الخارجية والسياحة والخدمات، وهذه الركائز هي اليوم مهددة. ويلفتون إلى أن الإقتصاد اللبناني الذي عانى أزمات عديدة متلاحقة كان يأمل منذ عودة مؤسسات الدولة إلى العمل أن يلتقط أنفاسه ويستعيد بعض بريقه. فالفترة المقبلة هي فترة أعياد نهاية العام حيث يعوّل العديد من القطاعات عليها للإنتعاش مثل الحركة السياحية وحركة الأسواق. وهذا ما يُعتقَد أنه تلاشى أو سيتراجع في أحسن الأحوال. فالجميع يعلم أن النسبة الأكبر من السياح هي من دول مجلس التعاون الخليجي ونسبة الإنفاق الأكبر هي أيضا للسائح الخليجي الذي لم نعد ننتظر أن يفد إلى لبنان في هذه الظروف حتى لو لم توجّه الدول الخليجية مواطنيها بعدم السفر إلى لبنان. حتى بالنسبة إلى اللبنانيين العاملين في الخارج يُخشى أن يُحجم قسم كبير منهم عن زيارة لبنان في هذه الظروف المقلقة.

على مستوى استقطاب الإستثمار الأجنبي المولِّد الأكبر لفرص العمل والعامل الأكبر لضخ العملات الأجنبية في البلد، أيضا سيتراجع. فأي مستثمر سيوظف أمواله في بلد ومنطقة تعاني هذا الكم من الإضطراب والتشنج. وخصوصا في لبنان حيث لا حكومة وهناك هيمنة على قرارات الدولة ما يُضعف عامل الطمأنينة السبب الأكبر في اجتذاب الإستثمارات.

ويضيفون، طبعا ما ينطبق على هذه القطاعات ينطبق على التصدير الصناعي والزراعي الأساسي للبنان نظرا لصغر سوقه الإستهلاكي. وإن عدم تشكيل حكومة في وقت قريب يعني أن هناك صعوبات قد نواجهها على هذا الصعيد. فالزخم الذي تم الحديث عنه من خطط إقتصادية للحكومة اللبنانية، لن يكون له أي تنفيذ عمليًا، والتداعيات الإقتصادية ستكون في جمود المشاريع، ما يعني أن النشاط الإقتصادي في ظل هذا الجو مضافا إليه العقوبات الدولية على «حزب الله» وموقف دول الخليج، سيشهد تضييقًا للعمليات الإقتصادية التي تشك بها واشنطن، والتي تتشدد بشأنها دول مجلس التعاون.

من هنا، يؤكد الخبراء أن النشاط التجاري سوف يتأثر سلبًا، وكذلك ستكون هناك مشكلة في التحويلات المالية، فالعقوبات الأميركية على «حزب الله» تلعب دورًا أساسيًا في لجم بعض التحويلات، ما يجعل تحويلات المغتربين ستتأثر أيضًا وهي التي شهدت تراجعا في الفترة السابقة متأثرة بعوامل محلية في البلدان التي يعمل فيها لبنانيون. وفي هذا الإطار كان مجلس العمل والاستثمار اللبناني في السعودية تخوف من تداعيات استقالة الرئيس الحريري من الحكومة اللبنانية، وما يمكن أن تؤدي إليه من عجز لبنان عن استقطاب العملات الصعبة والاستثمارات الأجنبية، مؤكداً أن الاستقالة، خلقت ارتباكاً كبيراً في لبنان، وطرحت كثيراً من التساؤلات حول المرحلة المقبلة، والغموض الذي يلفها، على الصعيدين الاقتصادي والسياسي، متخوفا من أن تكلف الاستقالة لبنان ثمناً اقتصادياً عالياً.

بناء عليه، هل يُعتبر الوضع سوداويا، وكيف يمكن التخفيف من حدة النتائج بانتظار عودة الأمور إلى طبيعتها؟

يجيب الخبراء أن السبل لم تكن يوما مقفلة، ودائما هناك مخارج وحلول ولو كانت آنية بانتظار نضوج الحلول الكبيرة. ويلفتون إلى عامل إيجابي مهم وهو أن القوى السياسية اللبنانية تلقفت الوضع فورا وتصرفت بما يخفف من التشنج الذي كان قائما أصلا والذي زاد حدة بعد الإستقالة، باعتبار أنها فتحت الأمور على احتمالات كثيرة ومربكة. وإن إجماع القوى السياسية اللبنانية على الدعوة إلى التهدئة على الساحة الداخلية مباشرة عقب استقالة رئيس الحكومة وتحييد لبنان قدر الإمكان عن صراعات المنطقة كان له أثره الإيجابي على الوضع برمته. كذلك مسارعة الرئيس ميشال عون إلى عقد اجتماعات مع المسؤولين المعنيين، أوحى كل ذلك بأن الأمور غير متروكة وأنه لا داعي لذاك المستوى العالي من القلق الذي انتاب اللبنانيين وقد يكون البعض استسلم له متأثرا بتجارب سابقة.

ويشيرون أيضا إلى مواقف وزير المال علي حسن خليل ورئيس جمعية المصارف جوزف طربية بأن الاقتصاد والليرة لا يواجهان خطرا بعد استقالة الحريري، معطوفة على تطمينات الحاكم سلامة، هي جرعة كبيرة من الثقة قد تكون كافية لتهدئة النفوس ريثما تكون الأمور قد رست على بر أو غرقت في بحر… لا سمح الله.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل